كيف حوّل موقع البيت الأبيض المهاجرين إلى "كائنات فضائية"؟
أطلق البيت الأبيض صفحة إلكترونية مثيرة للجدل تستخدم لغة وصوراً مستوحاة من أفلام الخيال العلمي والكائنات الفضائية لتقديم حملة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد المهاجرين غير النظاميين، في خطوة أثارت انتقادات حقوقية وأكاديمية بسبب ما اعتُبر خطاباً ينزع الصفة الإنسانية عن المهاجرين.
وكانت الإدارة الأميركية قد أطلقت موقع "Aliens.gov" في 29 أيار/مايو 2026، في إطار جهود تعقب المهاجرين غير النظاميين وتوقيفهم في أنحاء الولايات المتحدة. ويستفيد الموقع من المعنى المزدوج لكلمة "Alien" في الإنكليزية، التي تُستخدم قانونياً للإشارة إلى غير المواطن، لكنها تعني أيضاً في الاستخدام الشائع "الكائن الفضائي".

ومنذ اللحظة الأولى، يبدو الموقع أقرب إلى منصة تروّج لعمل من أعمال الخيال العلمي منه إلى صفحة حكومية. فهو يعتمد خلفية داكنة وكتابات خضراء مضيئة وإشارات إلى "معلومات رُفعت عنها السرية"، إلى جانب العبارة اللافتة "إنهم يسيرون بيننا" (They walk among us)، في تصميم يستحضر أجواء المسلسل الشهير "The X-Files". لكن المفاجأة أن "الكائنات الفضائية" المقصودة ليست مخلوقات من خارج الأرض، بل مهاجرون تصفهم الصفحة بـ"غير الشرعيين".
ويرى تحليل نشرته "The Conversation" أن هذه اللعبة اللغوية ليست مجرد عنصر فكاهي، إذ تنقل المهاجر من كونه شخصاً له وضع قانوني وقصة وحياة وعائلة إلى صورة "وجود غريب وخطير" ينبغي اكتشافه وتعقبه. ويعتبر التحليل أن الكلمات والألوان والخرائط والضمائر المستخدمة في الموقع تتضافر لتقديم المهاجر غير النظامي باعتباره تهديداً داخل الأراضي الأميركية.
"إنهم يسيرون بيننا"
وتكتسب عبارة "إنهم يسيرون بيننا" أهمية خاصة في الخطاب الذي يتبناه الموقع، إذ تنقل صورة "الخطر" من الحدود إلى داخل المجتمع نفسه: في الشارع ومكان العمل والحي وبين الحشود.
وتقيم العبارة، وفق التحليل، فاصلاً واضحاً بين "هم" و"نحن"، بحيث يمثل "نحن" الجمهور الأميركي المفترض، بينما يوضع المهاجرون في خانة جماعة موجودة جسدياً داخل البلاد لكنها مستبعدة رمزياً من الانتماء إليها.
ولا يتوقف الأمر عند التصميم. فإحدى العبارات الواردة في الموقع تقول عن "الـAlien" إنه "في أيدٍ أمينة"، وإن السلطات ستعتني به وتعيده بأمان إلى "مكان منشئه".
ويلفت التحليل إلى استخدام ضمير "it" في الإشارة إلى الشخص، وهو ضمير يُستخدم في الإنكليزية عادة للأشياء والكائنات غير البشرية في سياقات مختلفة، بدلاً من الضمائر المستخدمة للبشر. ويرى أن هذه الصياغة تحول الترحيل لغوياً إلى عملية تبدو أشبه بـ"إعادة شيء إلى مصدره"، مع تغييب قصة الفرد وعائلته وحياته ووضعه القانوني.
خريطة للاعتقالات
ومن أبرز أدوات الموقع أيضاً "خريطة اعتقال الأجانب" (Alien Arrest Map)، التي تعرض عمليات التوقيف جغرافياً. ويشير التحليل إلى أن الخريطة لا تعرض قضايا مثل طلبات اللجوء أو الروابط العائلية أو أوضاع المهاجرين، وإنما تجعل الاعتقال المدخل الأساسي لظهورهم على الشاشة، بحيث يتحول الفرد إلى نقطة على الخريطة.
والأكثر إثارة للجدل أن الصفحة ترتبط بخط بلاغات تابع لوكالة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE)، يتيح الإبلاغ عمن تصفهم بـ"الأجانب المشبوهين"، ما يحوّل زائر الموقع، بحسب التحليل، من مجرد متلقٍّ للرسالة الحكومية إلى شخص مدعو للمشاركة في الإبلاغ.
وأثار هذا الجانب انتقادات من منظمات مدافعة عن المهاجرين. ونقل التقرير عن ائتلاف الهجرة في بنسلفانيا وصف الموقع بأنه "إحراج" و"تصيد على الإنترنت ممول من دافعي الضرائب"، وسط مخاوف من تشجيع السكان على الإبلاغ بعضهم عن بعض.
من "المهاجر" إلى "الغازي"
وتنسجم لغة الموقع مع خطاب أوسع تبنته إدارة ترامب بشأن الهجرة. فقد وصفت أوامر تنفيذية صدرت في كانون الثاني/يناير 2025 الهجرة غير النظامية بأنها "غزو واسع النطاق" و"تهديد خطير"، وربطت تطبيق قوانين الهجرة بالأمن القومي والسلامة العامة.
ويذهب الموقع خطوة إضافية بوصف المهاجرين بأنهم "غزوا" البلاد. ويرى التحليل أن الانتقال من مفردة "الهجرة غير النظامية" إلى "الغزو" يغير طبيعة النقاش، لأن قضايا الهجرة يمكن مناقشتها في إطار اللجوء والحدود والإقامة والمحاكم والترحيل، بينما يستدعي مفهوم "الغزو" منطق المواجهة والصد.
وتنتهي هذه السلسلة الخطابية برسالة مباشرة تختصر توجه الصفحة تجاه المهاجرين غير النظاميين: "رحّلوهم جميعاً".
نبض