حرب إيران... هل أفشلتها "متلازمة ما بعد البطولة"؟
توقّع البعض أن يلجأ ترامب إلى خطوة جذرية لتغيير موازين الحرب. لكنّه خيّب ظنّهم. لماذا؟
حفظ الناس أسماءها لكثرة ما سمعوها في الأنباء، وربما لكثرة ما انتظروا رؤية فاعليتها. في مقدّمة الفرق الخاصة، برزت وحدة المشاة البحرية الـ 31. تتبّع الناس أخبارها منذ أن انطلقت من اليابان في أواسط آذار/مارس الماضي وتوجهت إلى إيران، على افتراض أنها ستنفّذ عملية عسكرية معقّدة خلال الحرب. فرقة أميركية خاصة أخرى خطفت أنظار المتابعين، وهي الفرقة 82 المحمولة جواً.
سادت تكهنات بشأن إمكانية استخدام الإدارة الأميركية الفرقتين وغيرهما لتنفيذ مهام دقيقة مثل السيطرة على جزر إيرانية، وفي طليعتها خرج، مَنْفذ نحو 90 في المئة من الصادرات النفطية إلى العالم. مع حرمان إيران من وارداتها المالية، بالتوازي مع ضمان استمرار تدفق النفط حول العالم، أمكن تحصيل ورقة ضغط هائلة على طهران. لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرر التخلي عن الفكرة.
ما هي "متلازمة ما بعد البطولة"؟
وجّهت تلك الخطوة رسالة ضعف أميركي إلى إيران. لم تكن أميركا مستعدة للمخاطرة بحياة الجنود على الأرض ولو لحرمان طهران من إحدى أهم أوراق قوتها. ساعد النفور من تلك المخاطرة في تسهيل حسابات الإيرانيين. سيظل القصف الجوي هو الوسيلة الوحيدة المعتمدة من الأميركيين. ولم تكن مخزونات الذخيرة لانهائية. العدّ العكسي لبدء نهاية الحرب كان قد انطلق بمجرّد إظهار التردّد في نشر القوات البرية. وفي أوائل حزيران/يونيو، أقرّ ترامب فعلاً بأنه تجنب إرسال قوات برية لتفادي سقوط قتلى مع استمرار إطلاق "الحرس الثوري" للصواريخ.

رأى الخبير العسكري إدوارد لوتواك أن القوات الخاصة كان بمقدورها منع إيران من بيع نفطها كما من اعتراض شحنات النفط عبر المضيق. لكن أميركا دخلت ما يسميه "متلازمة ما بعد البطولة" حيث تخشى سقوط قتلى بين جنودها، لأن نسبة الخصوبة الأميركية تراجعت إلى ما دون مستوى الإحلال. فلو خسرت ألف جندي مثلاً، لكنها تمكنت في الوقت نفسه من إسقاط النظام عبر الضغط العسكري في خارك، لكان أقيل ترامب من منصبه بحسب ما كتب في "أنهيرد".
أميركا وإيران... المشكلة في "المتلازمة"؟
قد لا تكمن الخشية في خسارة المئات من الجنود بحدّ ذاتها. ليس بالإمكان إطلاق توقّع دقيق بشأن ما إذا كان فقدان هذا العدد الكبير من الجنود – نصف ما خسرته أميركا تقريباً في حرب أفغانستان – كافياً لحسم المعركة وإسقاط النظام. بعبارة أخرى، لم تكن الحسابات أمام الرئيس الأميركي سهلة. إما يخاطر بحياة جنوده لكن النظام يصمد فتكون الخسارة قاتلة سياسياً لترامب، وإما ينجح مجهوده في تغيير النظام فتدخل إيران في حالة من الفوضى ربما تكون غير قابلة للإدارة.
لقد نجحت الولايات المتحدة في إطاحة "طالبان" من الحكم لكنها لم تنجح في إيجاد بديل ثابت على مدى 20 عاماً. إيران ليست أفغانستان، لكن التجارب السابقة على حدود البلاد الشرقية والغربية لا تزال تترك أثرها النفسي على واشنطن. ما أراده ترامب خيار ضيّق للغاية: بقاء النظام كما هو بقيادة منشقّ من داخله يرغب بعلاقات جيّدة مع الولايات المتحدة. هذا ما قيّد الأميركيين عسكرياً وسياسياً.
بالرغم من كل ذلك، يبقى أن ترامب أخطأ لاحقاً بالاعتراف علناً أنه تخلى عن فكرة إرسال قوات برية خوفاً من تعرضهم لـ"الصواريخ الدقيقة". ترك ذلك نتيجة سلبية مزدوجة. من جهة، قلّل من صحّة تصريحاته بشأن تدهور قدراتهم العسكرية، ومن جهة أخرى، عرّف الإيرانيين إلى نواياه فسهّل عليهم إجراء الحسابات المستقبلية حيال الحرب إذا تجدّدت.
في الخلاصة، مع أو بدون تأثير "متلازمة ما بعد البطولة"، ربما كانت نقطة الضعف الأساسية التي ظهرت في سياسات الرئيس الأميركي تراجعه سريعاً عن الحصار البحري على إيران. كان ذلك الخيار الأسهل نسبياً بالنسبة إليه، لكنه فضّل الديبلوماسية، وبشكل ضمنيّ، التفكير بالانتخابات النصفية. وهذا ما سيجعل الهدفين معاً على المحكّ.
نبض