ترامب يصرخ ونتنياهو يتراجع... و"أكسيوس" تكتب سردية الحرب
يؤدي نتنياهو دور المتطرف الذي لا يفهم إلا لغة النار، ويؤدي ترامب دور المخلّص الذي يضبط الوحش الإسرائيلي عندما يتجاوز الحدود الأميركية.
كان يفترض أن تؤدي الضربة الموجهة إلى إيران، صبيحة 28 شباط/فبراير المنصرم، إلى صدمة تفرض تنازلات إيرانية سريعة، أو هكذا أوحى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب حينها. وربما ألحقت أميركا وإسرائيل بإيران أضراراً كبيرة... لكن، هل تغيّر سلوكها؟ كلا. وهذا ما تؤكّده إسرائيل مراراً، بلا كلل، في مسلسل "جرّ" الولايات المتحدة دائماً إلى ساحة الوغى، بدلاً من مائدة المفاوضات.
في استطلاع نشره IMEU Policy Project في 19 آذار/مارس المنصرم، قال 56% من المستفتين الأميركيين إن الحرب ضد إيران "تفيد إسرائيل أكثر مما تفيد الولايات المتحدة". هذا لا يعني أن هؤلاء قالوا إن إسرائيل "ورّطت" أميركا في الحرب، بل يرون أن الحرب تخدم مصلحة إسرائيل أكثر من مصلحة بلادهم. كذلك أظهر الاستطلاع نفسه أن 53% يعارضون الغارات الأميركية على إيران، "لأنها لا تخدم مصلحة بلادهم".
تكرار نافر
في 23 أيار/مايو المنصرم، نسبت "نيويورك تايمز" إلى مصادر أمنية إسرائيلية قولها إن إدارة ترامب "أقصت إسرائيل تماماً عن المفاوضات الجارية مع إيران"، مؤكدةً أن تل أبيب لم تشارك "إطلاقاً" في المحادثات التي أفضت إلى وقف إطلاق النار بين أميركا وأيران. وبلغ الإقصاء حدّ أن تعلم إسرائيل بالمفاوضات من خلال اتصالات ديبلوماسية مع قادة في المنطقة.
لكن، على هامش هذا النبأ وغيره، ثمة سردية أميركية بنكهة إسرائيلية يقدّمها موقع "أكسيوس"، الذي يوصف بأنه "مقرّب من دوائر الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية"، على لسان الصحافي فيه باراك رافيد، تتجدّد في سياق صار نافراً.
ففي 21 أيار/مايو، كتب رافيد أن ترامب صرخ بوجه نتنياهو، وأبلغه أن الحرب مع إيران "انتهت"، وأنه ماضٍ في صفقة مع طهران، "سواء أحببت ذلك أم كرهته". الرسالة واضحة: ترامب يقاوم ضغط نتنياهو لاستئناف العمليات العسكرية.

المثير أن هذه لم تكن المرة الأولى التي ينشر فيها رافيد هذا الكلام، إنما هي الخامسة أو السادسة. فالسيناريو نفسه تكرر في أثناء مفاوضات غزة، ثم في أثناء مفاوضات لبنان قبل التوصل إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية بعد حرب 12 يوماً مع إيران، وعشية الحرب الأميركية - الإسرائيلية الأخيرة على إيران. فقبل أسبوع تقريباً من بدء الضربات في 28 فبراير، نشر رافيد في "أكسيوس" رواية مشابهة: ترامب الذي يريد السلام غاضب من نتنياهو الذي يريد الحرب. وفجأة، بدأت الغارات... وقُتل علي خامنئي.
التسريب والتوقيت
على ذمة "فانيتي فير"، رافيد صحافي أميركي - إسرائيلي خدم في الوحدة 8200 بالاستخبارات السيبرانية والتنصت الإلكتروني في إسرائيل، وهي الوحدة التي تقابلها وكالة الأمن القومي الأميركية. وهذا يعني أنه عميل استخباراتي متمرّس. لذا، لا تُقرأ تسريباته الحساسة بصفتها خبراً. وفي تتبع تسلسليّ، تظهر قصة تنافر ترامب – نتنياهو بوصفها جسّ نبض عالمياً من قرار عسكري ربما اتُّخذ فعلياً، بانتظار الساعة صفر.
وحين يسرّب رافيد روايته الممجوجة، يتراجع منسوب الخوف عالمياً، كما يهدأ غليان الأسواق المالية، فترتفع الأسهم ويتراجع النفط، ويشتري ابن ترامب أسهماً يعلم أنها سترتفع حين تبدأ الجولة العسكرية الجديدة. والمثير أن أحداً لا يتذكّر أن الحشد الأميركي ما زال حاضراً في مياه الخليج، وأن ترامب نفسه لا ينفكّ يؤكّد أن قواته جاهزة "لهجوم واسع في أيّ لحظة". وهذا ليس كلامَ سلام.
ثم جاءت التسريبات الأخيرة، في الأول من حزيران/يونيو الجاري، لتعيد إنتاج المسرحية نفسها بديكور لبناني هذه المرة: نشر رافيد نفسه في "أكسيوس" نفسها تسريباً لمكالمة "الغضب" التي قيل إن الرئيس الأميركي صرخ خلالها بوجه رئيس الوزراء الإسرائيلي، ووجّه إليه كلاماً نابياً، على خلفية التهديد الإسرائيلي بتوسيع الضربات على بيروت والضاحية الجنوبية. وبحسب الرواية نفسها، كان ترامب يريد وقف الانزلاق إلى مواجهة أوسع في لبنان، لأن الضربات الإسرائيلية كانت تهدّد مسار باكستان التفاوضي، وتحرج صورة ترامب "صانع الصفقة".

لكن التوقيت ليس تفصيلاً: لم يأتِ التسريب بعد أزمة عابرة، بل بعد تهديد إسرائيلي مباشر لبيروت والضاحية الجنوبية، مستنداً إلى تصريح إسرائيلي رسمي: "حصلنا على الضوء الأخضر الأميركي لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان لتطال ضاحية بيروت الجنوبية". عاشت بيروت ساعةً مرعبة كما لو أنها مربوطة بساعة توقيت. وفجأة، قفز ترامب إلى المشهد: هاج وماج ووبّخ نتنياهو، فتراجعت إسرائيل... أو هكذا يُراد للرأي العام أن يصدّق.
دورٌ يتمّم آخر
هذه هي المسرحية في أشدّ صورها وضوحاً: يؤدي نتنياهو دور المتطرف الذي لا يفهم إلا لغة النار، ويؤدي ترامب دور المخلّص الذي يضبط الوحش الإسرائيلي عندما يتجاوز الحدود الأميركية. لكن النتيجة السياسية واحدة: يبقى لبنان تحت النار ما دام قرار إسرائيل الحربيّ محمياً بـ "ضوء أخضر" أميركي لِحقّها في الدفاع عن نفسها، أي لحقّها في اصطياد قيادات "حزب الله" أينما حاولوا الاختباء، ولو في الضاحية وبيروت المحيّدتين اسمياً من القصف "العشوائي" لا أكثر.
الغضب الإسرائيلي الداخلي من تبعية نتنياهو لـ "سيّده ترامب" يخدم السردية أكثر مما يفضحها، إذ يمنحها سمة الواقعية: خلاف فإهانة فتوتر... فامتثال إسرائيلي مجروح. لكن جوهر العلاقة لا يتغير. إسرائيل تقاتل ضمن هامش واسع تمنحه لها أميركا، وأميركا تتدخل حين يصبح استمرار النار مضرّاً بصفقتها الكبرى، لا حين يصبح مضرّاً بلبنان أو بالمدنيين أو بالقانون الدولي. فواشنطن ليست خارج دائرة القرار: إنها تُدير لحظة التراجع كما أدارت لحظة التصعيد.
وهكذا، لا تكشف تسريبات رافيد عن قطيعة بين ترامب ونتنياهو، بل عن آلية إدارة مشتركة للحرب. مرة يحتاجان إلى صورة التماهي الكامل، فيظهران حليفين في مواجهة إيران وحزب الله، ومرة يحتاجان إلى صورة الخلاف، فيخرج التسريب: نتنياهو متهورٌ وترامب غاضبٌ يمنع الكارثة.
نبض