الحرب في السّجال الداخلي الأميركي: منافسة انتخابيّة وعراك بين جيران الحيّ
تدهور السجال السياسي الأميركي حيال الحرب الإيرانية بسرعة قياسية إلى ما يشبه العراك اللفظي بين جيران الحي.
"قلبي مع إلهان عمر ورشيدة طليب هذه الليلة"، كتبت النائبة الجمهورية نانسي مايس على حسابها في "إكس"، مرفقة تعليقها بصورة للمرشد الإيراني علي خامنئي، لترد عليها عمر على المنصة عينها: "أتمنى ألا تكوني مخمورة وقد أخذت بنصيحة فريق عملك. رشيدة وأنا لا نعرف هذا الرجل وكوني واثقة بأنه لم يهتم لأمرنا. أرجوك أقلعي عن شرب كميات كبيرة من الكحول كما نصحك مساعدوك وابتعدي عن السوشال ميديا حين تكونين سكرانة. أصلّي في هذا الشهر المبارك (رمضان) أن تجدي السلام والاحترام لنفسك".
النائبتان الديموقراطيتان التقدميتان، عمر وطليب، كانتا سباقتين في إدانة الحرب غير القانونية وغير المبررة، والتي تخاض من دون تفويض من الكونغرس. ومع أن الخصوم ميزوا هاتين بالتحديد، إلا أن الديموقراطيين لم يكونوا بعيدين في الجوهر عن موقف الزميلتين "المشاغبتين". اعتراض الديموقراطيين يتركز على قفز إدارة الرئيس دونالد ترامب فوق السلطة التشريعية وعدم أخذ تفويض من الكونغرس لشن الهجوم. الهاجس الديموقراطي الثاني يتلخص في الخوف من التورط الأميركي في حرب جديدة تتحول كما سابقاتها إلى مستنقع تعجز أميركا عن الخلاص منه.
الجمهوريون، في المقابل، اصطفوا كما كان متوقعاً خلف الرئيس، بخاصة بعد نجاح إسرائيل، بمساعدة وكالة الاستخبارات الأميركية، باغتيال خامنئي والقادة الآخرين. وما دامت الحرب "نظيفة" برأيهم، أي من دون إراقة دم أميركي، وتظهر مدى تفوق الولايات المتحدة في الميادين كافة، خاصة قواتها العسكرية، فهذا كافٍ ليفوّضوا ترامب دعمهم في الحرب وينصرفوا إلى عراك الجيران. السيناتور الجمهوري تيد كروز مثلاً، بدت الحرب بالنسبة إليه فرصة لتصفية حساباته الشخصية مع الإعلامي اليميني الترامبي، "المرتد" حالياً، تاكر كارلسون، متشفياً به من باب التضامن مع "أحزان" الأخير لما يحدث مع إيران. زميل كروز في مجلس الشيوخ، ليندسي غراهام، بدا كمن يتابع التصفيق الافتراضي الذي بدأه الثلاثاء الفائت خلال خطاب الاتحاد. الصقر الجمهوري الذي كان الأشد حماسة للضربة الأولى لا يفعل مذ بدء الهجوم إلا كيل المديح لترامب، منشوراً بعد الآخر.

الحرب في الانتخابات النّصفية
بعد داخلي ثانٍ أخذه الحدث الإيراني يتمثل في الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر. المرشحون الديموقراطيون رأوا أن ترامب يخوض حرباً من أجل تحسين شعبية حزبه المتردّية. لم يتردد منافسوهم الجمهوريون في تأييد ترامب، وحوّل الطرفان إيران إلى موضوع لسجال انتخابي عنيف في موضوع فائق الحساسية بسبب التقديس الشعبي الأميركي لجنوده من جهة، ولأن مقياس شعبية الحروب الأميركية انتخابياً ليس ثابتاً. فبينما يتحمس الجمهور بداية للإثارة السينمائية التي تستعرض بها أميركا قدراتها العسكرية، قد ينقلب المشهد إلى عكسه بسرعة فائقة حين وقوع أدنى خلل، كذاك الذي آذى الديموقراطيين حتى النخاع الشوكي حين أمر الرئيس السابق جو بايدن بالانسحاب السريع من أفغانستان، والذي تطوّر بسرعة إلى "كارثة" أجاد دونالد ترامب استغلالها للتصويب على خصومه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
ومع ارتفاع أصوات من داخل "ماغا" تعترض على تدخل أميركا في شؤون تقع خلف المحيطات، إلا أن النتائج السريعة لليوم الأول للحرب أتت كما يتمناها ترامب وإدارته تماماً. الاغتيال الذي بدا بغاية السهولة لعدو أميركا الأول منذ عقود يقع في صلب ما يريد ترامب التسويق له، إن بالنسبة لشخصه أو لإدارته الجمهورية. قدرات مطلقة وعمليات خاطفة وسريعة لإحلال مصلحة أميركا أولاً، والسلام العالمي ثانياً. وبعد النجاح الهوليوودي المبهر في فنزويلا مؤخراً، يبدو ترامب مرتاحاً لمجريات السيناريو الإيراني، بخاصة أن المشهد الأول منه فاق أكثر التوقعات جموحاً بأن البداية ستكون على هذا القدر من الإثارة والتشويق.
نبض