نقاش في إسرائيل... هل يُضعف وقف النار في لبنان مكانة تل أبيب؟
يشهد الداخل الإسرائيلي نقاشاً متصاعداً بشأن تداعيات وقف إطلاق النار في جنوب لبنان ومذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، وسط تزايد المخاوف من انعكاسات الاتفاق على مكانة إسرائيل الإقليمية وقدرتها على التأثير في مسار الأحداث خلال المرحلة المقبلة. وبينما تتحدث أوساط سياسية وعسكرية عن تراجع هامش المناورة الإسرائيلي، تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى حكومة بنيامين نتنياهو في ظل استمرار المواجهة السياسية مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وتأتي هذه السجالات في وقت تواجه فيه المؤسسة العسكرية ضغوطاً متزايدة بعد سقوط قتلى وجرحى في المعارك الدائرة مع "حزب الله"، وتنامي الأصوات المطالبة بتحديد أهداف واضحة للحرب ومآلاتها السياسية والعسكرية.
انتقادات للقيادة السياسية والعسكرية
بحسب تقارير إسرائيلية، يعتقد مسؤولون عسكريون أن الجيش الإسرائيلي "يعمل ضمن قيود متزايدة تحد من قدرته على المبادرة، وتحصر عملياته في مواجهة التهديدات المباشرة"، الأمر الذي يثير تساؤلات داخل المؤسسة الأمنية بشأن إمكان "تحقيق إنجازات ميدانية إضافية" في ظل الظروف الحالية.
وتزامن ذلك مع تصاعد الاحتجاجات الداخلية، حيث أثارت تظاهرات لعائلات جنود أمام منزل رئيس هيئة الأركان إيال زامير نقاشاً أوسع بشأن كلفة الحرب البشرية والعسكرية.
وفي هذا السياق، هاجم الجنرال السابق نوعام تيبون أداء الحكومة، معتبراً في مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي أن القيادة السياسية "تفتقر إلى رؤية واضحة للأهداف التي تسعى إلى تحقيقها"، وأن إسرائيل "لم تعد صاحبة القرار الوحيد في رسم سياساتها الأمنية" بعد التطورات الأخيرة.
نتنياهو تحت الضغط
وفيما يتعرّض نتنياهو لضعوط كبيرة بعد التفاهم الأميركي – الإيراني، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أنه طلب من وزرائه "خفض مستوى التصريحات الموجهة ضد ترامب"، في مؤشر إلى حساسية العلاقة الحالية مع الولايات المتحدة.
ورأى المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" عاموس هارئيل أن التفاهم الأميركي – الإيراني "يشكّل ضربة سياسية قاسية لنتنياهو" الذي بنى جزءاً كبيراً من خطابه السياسي خلال السنوات الماضية على مواجهة المشروع الإيراني. واعتبر أن نتائج التفاهم "لا تنسجم مع الأهداف التي تحدثت عنها الحكومة الإسرائيلية خلال الحرب".
وتعكس هذه المواقف اتساع الفجوة بين واشنطن وتل أبيب بشأن كيفية إدارة المرحلة المقبلة، ولا سيما في الملفات المرتبطة بإيران ولبنان.
مراجعة لأداء إسرائيل في مواجهة "حزب الله"
جانب آخر من النقاش الإسرائيلي يركز على حصيلة المواجهة مع "حزب الله". فقد كتب سيفر بلوتسكر في "يديعوت أحرونوت" أن إسرائيل خاضت مواجهات متكررة مع الحزب على مدى أكثر من أربعة عقود من دون أن تتمكن من إنهائه أو إخراجه من المعادلة الإقليمية.
وأشار إلى أن التقديرات الإسرائيلية كانت تتحدث بعد كل جولة قتال عن "ضربة حاسمة" للحزب، غير أن الوقائع الميدانية "كانت تُظهر عودته إلى النشاط واستعادة قدراته تدريجياً"، ما يطرح أسئلة عن جدوى الاستراتيجية العسكرية المتبعة طوال السنوات الماضية.

مخاوف من تبدل المعادلات الإقليمية
في صحيفة "معاريف"، وصف آفي أشكنازي الوضع الحالي بأنه "مأزق استراتيجي ناتج من غياب رؤية سياسية واضحة لدى الحكومة الإسرائيلية"، معتبراً أن "التراجع الديبلوماسي يترافق مع غياب مبادرات سياسية تجاه لبنان وبقية الملفات الإقليمية".
وفي الاتجاه نفسه، رأى المعلق العسكري ألون بن دافيد أن إسرائيل خرجت من الجولة الأخيرة من المواجهة "أمام واقع ردعي جديد"، إذ بات أي تصعيد واسع ضد لبنان مرتبطاً بحسابات إقليمية "أكثر تعقيداً من السابق". وأضاف أن نتائج الحرب والتفاهم اللاحق لها تثير نقاشاً داخل إسرائيل عما إذا كانت طهران "خرجت من الأزمة أكثر ثقة وقدرة على فرض شروطها السياسية".
أما يوسي يهوشع في "يديعوت أحرونوت"، فحذّر من أن "التنازل عن حرية العمل العسكري قد يتحول إلى سابقة تنعكس على ساحات أخرى"، مشيراً إلى أن الربط بين الجبهات الذي تطرحه إيران "قد يمتد مستقبلاً إلى ملفات تتجاوز لبنان".
وتتقاطع هذه القراءات عند نقطة أساسية مفادها أن النقاش الإسرائيلي لم يعد يقتصر على نتائج المعارك في جنوب لبنان، بل بات يشمل مكانة إسرائيل الإقليمية وحدود قدرتها على التأثير في التفاهمات التي تعيد رسم توازنات المنطقة. وبينما تواصل واشنطن وطهران مفاوضاتهما في سويسرا، يبدو أن الجدل داخل إسرائيل مرشح للتصاعد مع كل تطور جديد في مسار التفاهم الأميركي – الإيراني.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
خلف صورة القوة الاقتصادية والنفوذ العالمي، تخوض أكبر اقتصادات العالم معركة أخرى صامتة: سباق الاقتراض، حيث باتت الديون تتضخم بوتيرة تقترب من حجم الاقتصاد العالمي نفسه.
نبض