الخنق الاقتصادي يقسم إيران... 3 تيارات تتصارع على كيفية مواجهة أميركا
أعاد انتقال الولايات المتحدة إلى تشديد الضغط الاقتصادي على إيران الخلاف إلى قلب المشهد السياسي في طهران، حيث تتصارع ثلاثة تيارات على تحديد الطريق الأفضل لمواجهة واشنطن. وبين دعاة خفض التوتر، ومؤيدي التصعيد، ومعارضة تراهن على أن الأزمة المعيشية قد تشعل احتجاجات واسعة، بات الاقتصاد عاملاً أساسياً في تحديد خيارات البلاد في المرحلة المقبلة.
وتأتي هذه الانقسامات مع تفاقم الضغوط المعيشية وتراجع قدرة إيران على تصدير النفط والوصول إلى مواردها المالية، بينما تراهن واشنطن على أن الخنق الاقتصادي قد يحقق أهدافاً لم تتمكن القوة العسكرية من تحقيقها.
وفرضت الولايات المتحدة منذ عقود أنواعاً مختلفة من العقوبات على إيران بهدف إضعاف قدرتها على الاستثمار في الصناعات العسكرية، ولا سيما النووية والصاروخية، وتقليص قدرتها على دعم حلفائها في المنطقة، إضافة إلى زيادة الضغوط الداخلية على النظام.
لكن ترامب لجأ خلال ولايته الثانية إلى القوة العسكرية أيضاً، في مواجهتين شاركت فيهما إسرائيل ضد إيران. واستهدفت الضربات القدرات النووية والعسكرية الإيرانية، فيما ارتفع سقف الحرب الأخيرة إلى مستوى وضع استقرار النظام نفسه تحت ضغط غير مسبوق. ورغم الخسائر المادية والبشرية الكبيرة ومقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، بقي النظام قائماً ولم تنتهِ القدرات الإيرانية التي تعتبرها واشنطن تهديداً.
واشنطن تعود إلى الاقتصاد
عاد ترامب إلى تشديد العقوبات والضغوط الاقتصادية، لكن الجولة الحالية تختلف عن سابقاتها بترافقها مع حصار بحري وضغوط شديدة على صادرات النفط والتجارة الإيرانية، مع بقاء احتمال العودة إلى المواجهة العسكرية قائماً.
ومع إعلان واشنطن حملتها الجديدة، تراجع عملياً الرهان على تفاهم إسلام آباد الذي كان يفترض أن يفتح الطريق أمام تخفيف العقوبات وتحرير أموال إيرانية مجمدة.
وفي الداخل، تتزامن الضغوط الخارجية مع ارتفاع كبير في أسعار السلع والخدمات واتساع دائرة الفقر. ويزيد غياب أفق واضح للاقتصاد حدة الخلاف بشأن كيفية التعامل مع الولايات المتحدة، ويمكن اختصار المواقف الرئيسية في ثلاثة تيارات.
خفض التوتر وإنهاء الحرب
التيار الأول يؤيد خفض التوتر وإنهاء الحرب بصورة نهائية. ويمثله داخل السلطة الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس مجلس الشورى الإسلامي محمد باقر قاليباف، ويحظى بدعم أوساط اقتصادية ونخب وشرائح من الطبقة الوسطى.
وأثارت تصريحات قاليباف الأخيرة خلال زيارته للعراق نقاشاً واسعاً، بعدما ربط قوة الدولة بقدرتها الاقتصادية، معتبراً أن أحدث المعدات العسكرية لا تمنح الدولة القوة إذا كان شعبها جائعاً.
كذلك، أشار محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي إلى توقف تصدير النفط الإيراني وفقدان البلاد القدرة على الوصول إلى احتياطياتها ومواردها المالية، ما يعزز موقف الداعين إلى إيجاد مخرج يسمح باستئناف تصدير النفط ورفع الحصار البحري وإعادة فتح قنوات التجارة والتحويلات المالية.
ومن مظاهر الأزمة نقص البنزين، الذي يبلغ نحو 6 ملايين لتر يومياً نتيجة الأضرار التي لحقت بمصافي التكرير والحصار البحري، ما دفع الحكومة إلى التفكير في رفع الأسعار لتقليص الاستهلاك وتأمين موارد إضافية.
ويدعو أصحاب هذا الاتجاه في الوقت نفسه إلى تعزيز القدرة الدفاعية في مواجهة أي هجوم أميركي محتمل، معتبرين أن خفض التوتر لا يعني القبول بالشروط الأميركية. وتندرج مواقف الرئيس السابق محمد خاتمي ضمن هذا الاتجاه.

التصعيد بدلاً من التفاوض
التيار الثاني يرفض أي اتفاق مع أميركا، ويرى أن الانفراج الاقتصادي لن يتحقق عبر التفاوض مع واشنطن، وإنما من خلال تصعيد المواجهة وزيادة القوة العسكرية والعمل على إخراج القوات الأميركية من المنطقة.
ويحمّل أنصار هذا الاتجاه السياسات الحكومية جزءاً أساسياً من مسؤولية الأزمة الاقتصادية، ومنها إلغاء تخصيص العملة الأجنبية للسلع الأساسية، ويقللون من تأثير الحرب والعقوبات في الوضع المعيشي. وأثارت تصريحات حجت عبد الملكي، وزير العمل في حكومة إبراهيم رئيسي، انتقادات واسعة في هذا السياق.
وتنبع أهمية هذا التيار من تمتعه بدعم داخل بعض المؤسسات العسكرية والسياسية وامتلاكه موارد ومنابر إعلامية وقدرة على الحشد في الشارع. أما جناحه الأكثر اعتدالاً، والذي يضم بعض كبار العسكريين، فينطلق من انعدام الثقة بواشنطن، ويرى أن أي سياسة تعتمد على إرادتها أو تعاونها محكوم عليها بالفشل.
المعارضة تراهن على الاحتجاجات
التيار الثالث يتمثل في معارضي النظام الذين يرون، بعد عدم نجاح الحرب في إسقاطه، أن الاحتجاجات الداخلية الواسعة قد تشكل الطريق الأكثر فاعلية لتهديد استمراره.
وينطلق هؤلاء من أن تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية يمكن أن يوفر أرضية لاحتجاجات جديدة، ولذلك يرون في تشديد العقوبات الأميركية عاملاً قد يزيد الضغوط الداخلية. ويعمل أنصار هذا الاتجاه على إبراز مظاهر السخط الشعبي عبر الفضاء الافتراضي والدفع نحو تحويل الأزمة الاقتصادية إلى حركة احتجاجية أوسع.
وتأخذ مؤسسات صنع القرار هذا الاحتمال على محمل الجد، وهو ما يفسر الحذر في اتخاذ قرارات حساسة اجتماعياً، مثل رفع أسعار البنزين، خشية أن تتحول إلى شرارة اضطرابات.
وتشير تجارب السنوات الماضية إلى أن الاقتصاد الإيراني شديد التأثر بالعقوبات والضغوط الخارجية، لكنه أظهر قدرة على الاستمرار تحت مستويات مرتفعة منها. ويكمن الخطر الأكبر بالنسبة إلى طهران في انتقال الأزمة الاقتصادية إلى الشارع.
لذلك ستتوقف المرحلة المقبلة على قدرة النظام على الحفاظ على الاستقرار الداخلي بالتوازي مع خفض التوتر الخارجي، وخصوصاً مع جيرانه العرب. وإذا فشل في ذلك، فقد تتحول الضغوط الاقتصادية إلى وقود لسخط اجتماعي أوسع، فيما يبقى خطر عودة المواجهة العسكرية قائماً.
نبض