رضائي يعود على حساب ذو القدر... لماذا غيّرت إيران أمين مجلس الأمن القومي؟

ايران 10-08-2026 | 12:12

رضائي يعود على حساب ذو القدر... لماذا غيّرت إيران أمين مجلس الأمن القومي؟

تعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلاً للمرشد يفتح باب إعادة ترتيب القرار الإيراني في ظل مفاوضات هرمز والتوتر مع أميركا.
رضائي يعود على حساب ذو القدر... لماذا غيّرت إيران أمين مجلس الأمن القومي؟
رضائي مشاركاً في مراسم تشييع علي شمخاني في طهران في 14 آذار/مارس 2026. (رويترز)
Smaller Bigger

حسمت طهران الجدل الذي استمر أياماً حيال قيادة المجلس الأعلى للأمن القومي، بعدما أصدر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مرسوماً بتعيين اللواء محسن رضائي أميناً للمجلس خلفاً لمحمد باقر ذو القدر، بعد قبول استقالة الأخير.

وجاء التغيير في توقيت بالغ الحساسية، فيما تتواصل الاتصالات الإيرانية-العُمانية بشأن تنظيم الملاحة في مضيق هرمز، ضمن مسار يتجاوز في أبعاده التقنية العلاقة بين طهران ومسقط إلى المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة.

وكان الغموض قد أحاط بمصير ذو القدر خلال الأيام الماضية. فبعد تداول وسائل إعلام ومنصات إيرانية أنباء استقالته واحتمال تعيين رضائي مكانه، أصدر ذو القدر بياناً بصفتخ أميناً للمجلس أكد فيه أن "ما لم يصحح الأميركيون سلوكهم، فلن يُفتح مضيق هرمز"، ما دفع بعض المحللين إلى اعتبار ظهوره بهذه الصفة تكذيباً غير مباشر لأنباء رحيله.

لكن التطورات اللاحقة سارت في الاتجاه المعاكس. وإلى جانب تعيينه أميناً للمجلس، أصبح رضائي ممثلاً للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي فيه، فيما انتقل ذو القدر إلى موقع المستشار السياسي للمرشد. وبذلك بات رضائي يجمع موقعين يمنحانه ثقلاً أكبر في منظومة صنع القرار الأمني والسياسي، ويعيدان صياغة العلاقة بين أمانة المجلس ومركز القيادة.

لم تستمر ولاية ذو القدر طويلاً. فقد عُيّن أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي في 24 آذار/مارس 2026، خلفاً لعلي لاريجاني الذي قتل في الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران، ليغادر موقعه بعد أقل من خمسة أشهر.

 

عقدة القرار بين التفاوض والحرب

يمكن قراءة استقالة ذو القدر والتغيير الذي أعقبها من زاويتين أساسيتين.

تتصل الأولى بتعقيدات إدارة المواجهة والمفاوضات مع الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية، في ظل تداخل المسارين العسكري والديبلوماسي ووجود تباينات بين السياسيين والعسكريين بشأن كيفية التعامل معهما.

ويتولى رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف مسؤولية الوفد المفاوض مع الولايات المتحدة، فيما تركز دور أمين المجلس الأعلى للأمن القومي على التنسيق بين المؤسسات المعنية، من دون أن يمتلك الموقع نفسه الذي كان يتمتع به علي لاريجاني.

كان لاريجاني يجمع أمانة المجلس وتمثيل المرشد فيه ودوراً مباشراً في إدارة المفاوضات. أما ذو القدر فلم يكن ممثلاً للمرشد، الأمر الذي جعل هامش حركته أضيق في مرحلة تحتاج فيها القرارات الأمنية والعسكرية والديبلوماسية إلى تنسيق سريع بين مراكز السلطة.

ومن هذه الزاوية تحديداً، يحمل اختيار رضائي دلالة تتجاوز مجرد استبدال شخصية عسكرية بأخرى. فتعيينه أميناً للمجلس وممثلاً للمرشد في الوقت نفسه يمنحه قناة أقرب إلى مركز القرار، ويعزز قدرته على التنسيق بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية.

 

القيادة الجديدة ومشكلة الوصول

 

أما العامل الثاني، فيرتبط بالظروف الاستثنائية التي تعمل فيها القيادة الإيرانية منذ اختيار مجتبى خلفاً لوالده.

فبسبب التهديدات الأمنية، بقي ظهور المرشد الجديد محدوداً للغاية، كما أصبحت آليات الوصول المباشر إليه أكثر تعقيداً بالنسبة إلى كبار المسؤولين. ولم يُعلن حتى الآن سوى عدد محدود جداً من اللقاءات المباشرة معه، فيما تمرّ عملية استطلاع رأيه في عدد من الملفات عبر وسطاء ومراسلات مكتوبة.

ويختلف هذا الواقع جذرياً عن المرحلة السابقة، حين كان كبار المسؤولين، ومن بينهم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، يتمتعون بقنوات اتصال أكثر انتظاماً مع المرشد الراحل علي خامنئي. وكان مقر أمانة المجلس يقع أيضاً بالقرب من مكتب القيادة الذي دُمّر خلال الضربات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة.

وقد تكون صعوبة الوصول إلى مركز القيادة وتعقيدات اتخاذ القرار من العوامل التي جعلت مهمة ذو القدر أكثر صعوبة، وخصوصاً أنه أمضى القسم الأكبر من مسيرته في مواقع عسكرية وأمنية عليا أتاحت له هامشاً واسعاً في تنفيذ توجهاته.

كما طاولت ذو القدر انتقادات بسبب ضعف حضوره الإعلامي ومحدودية دوره في التعامل مع بعض القضايا الداخلية التي اكتسبت حساسية أمنية خلال الحرب، ومنها الإجراءات المرتبطة بالحجاب، والتي أثارت استياءً شعبياً. إلا أن من الصعب تحديد مدى تأثير هذه الانتقادات في استقالته، نظراً إلى الطبيعة السرية لعمل المجلس وآليات اتخاذ القرار داخله.

 

رضائي مشاركاً في التجمع السنوي أمام السفارة الأميركية السابقة في طهران، في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025. (رويترز)
رضائي مشاركاً في التجمع السنوي أمام السفارة الأميركية السابقة في طهران، في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025. (رويترز)

 

رضائي... عودة معكوسة

يحمل انتقال الأمانة من ذو القدر إلى رضائي مفارقة سياسية وشخصية أيضاً. ففي عام 2021، كان ذو القدر هو الذي حلّ محل رضائي في أمانة مجمع تشخيص مصلحة النظام، بعدما أمضى الأخير نحو 24 عاماً في ذلك الموقع. وبعد خمسة أعوام، انعكست الأدوار، وحلّ رضائي مكان ذو القدر في أحد أكثر مواقع الدولة حساسية.

وينتمي الرجلان إلى الجيل العسكري القديم في إيران ويحملان رتبة لواء. ويُعد رضائي أحد أبرز القادة السابقين للحرس الثوري، إذ تولى قيادته خلال القسم الأكبر من الحرب الإيرانية-العراقية، فيما شغل ذو القدر منصب نائب قائد الحرس لنحو ثماني سنوات. ويتمتع الاثنان بشبكات نفوذ واسعة داخل المنظومتين العسكرية والأمنية.

إلا أن دور رضائي تعاظم بصورة ملحوظة خلال الأشهر التي أعقبت مقتل علي خامنئي. فقد برز بوصفه أحد الوجوه العسكرية المحيطة بالقيادة الجديدة، وكثّف ظهوره في الإعلام الرسمي وفي النقاشات المتعلقة بالحرب والتفاوض والسياسة الخارجية.

ويُنظر إلى رضائي على أنه أكثر استعداداً للجمع بين الضغط العسكري والمسار التفاوضي مقارنة بذو القدر. وسبق أن شدد في ظهور تلفزيوني على أهمية التفاوض باعتباره جزءاً من العمل الديبلوماسي، مع تمسكه في الوقت نفسه بخطوط القيادة الإيرانية في شروط أي تسوية مع الولايات المتحدة. كما تُعد مواقفه في عدد من القضايا الاجتماعية أقرب إلى الوسطية قياساً ببعض أجنحة المؤسسة الأمنية.

 

لماذا رضائي الآن؟

 

يكتسب العامل العسكري أهمية إضافية في تفسير الاختيار. فقد خسرت إيران عدداً من كبار قادتها خلال الحربين الأخيرتين، ولا تزال عملية إعادة ترتيب بعض المواقع القيادية مستمرة. وفي هذه الظروف، يمتلك رضائي ميزة يصعب تجاهلها، فهو قائد سابق للحرس الثوري خلال الحرب الإيرانية-العراقية، وينتمي إلى الجيل الذي تشكلت في عهده شبكات القيادة العسكرية الأساسية في إيران.

وقد يساعد وجوده على رأس المجلس الأعلى للأمن القومي في بناء قدر أكبر من التوافق بين المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية في مرحلة تتداخل فيها ثلاثة ملفات شديدة الحساسية: إدارة مضيق هرمز، المفاوضات مع الولايات المتحدة، واحتمال تجدد المواجهة العسكرية.

لذلك، قد يكون قرار خامنئي وبزشكيان منح رضائي مساحة أوسع داخل منظومة القرار مرتبطاً بالحاجة إلى شخصية تمتلك ثقلاً عسكرياً وتاريخاً مؤسساتياً، وقادرة في الوقت نفسه على التعامل مع المسار التفاوضي.

والأهم أن التعيين المزدوج يضع حداً لإحدى نقاط الضعف التي طبعت فترة ذو القدر القصيرة، وهي المسافة بين أمين المجلس ومركز القيادة. فرضائي أصبح الآن أميناً للمجلس وممثل المرشد فيه، ما يمنحه ثقلاً سياسياً وعسكرياً يتجاوز الصلاحيات الإدارية للأمانة.

ومن هنا، قد يكون تغيير الأمين مؤشراً إلى إعادة ترتيب أوسع لآلية صناعة القرار الإيراني بعد الحرب، أكثر منه مجرد تبديل للأسماء. والاختبار الأول لرضائي سيكون سريعاً. كيف سيدير مجلس الأمن القومي التوازن بين ورقة هرمز، والتفاوض مع واشنطن، والاستعداد لاحتمال عودة المواجهة العسكرية؟

 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
شمال إفريقيا 8/7/2026 5:58:00 PM
من علاج السرطان ببيكربونات الصوديوم إلى مناهضة اللقاحات... من هي باربرا أونيل التي حظرت مصر ظهورها ومنعت تداول محتواها الصحي؟
شمال إفريقيا 8/10/2026 7:38:00 AM
جريمة قتل مزودجة بين سيارة وشقة سكنية تودي بحياة أسرة من 4 أفراد في مصر!
ايران 8/9/2026 7:53:00 AM
نشرت وكالة "مهر" فيديو غير مؤرخ لمجتبى خامنئي يظهر فيه بصحة جيدة، بعد تقارير إسرائيلية تحدثت عن وجوده في "حالة حرجة للغاية" ونقله إلى المستشفى.