باب المندب... ورقة إيرانية على طاولة المراهنات الدولية؟
كلما اشتدّت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، تذهب الأخيرة باتجاه التهديد بفتح جبهات جديدة خارج المناطق الإقليمية التي شهدت الحرب الأخيرة. وفي كل لحظة صدرت مثل هذه التهديدات كانت الأنظار تتجه نحو باب المندب، إلى أن جاء التهديد مباشرة من قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري إسماعيل قاآني، الذي حذّر من أن تواصل الهجمات على غزة ولبنان "سيجعل الملاحة في باب المندب مشابهة لوضع هرمز".
وإن دخل هذا التهديد حيّز التنفيذالعسكري العملاني، فسيكون بطريقتين من خلال الحوثيين والصواريخ الباليستية. لكن فتح مثل هذه الجبهة يعني عملياً فتح حرب مع الاقتصاد العالمي بأسره. فهذا الممر الجيو-اقتصادي يمثل البوابة البحرية الرئيسية التي تربط المحيط الهندي بـالبحر المتوسط عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وعبره يمر جزء أساسي من التجارة الأوروبية الآسيوية وإمدادات الطاقة العالمية. وبشكل أدق، تبلغ حصة البحر الأحمر ما يقرب من 12 إلى 15 في المئة من إجمالي التجارة العالمية. هذا بالإضافة إلى أنه ممر لنقل بين 6 إلى 8 ملايين برميل نفط يومياً يضاف إليها الغاز المسال.
الباحث في معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع اللواء المتقاعد في الجيش المصري ياسر هاشم، يقول إن "لباب المندب ذكريات قريبة عندما استخدمه الحوثيون كورقة للضغط في دعم في حرب غزة، لكن حتى هذه اللحظة لم يظهر دور للحوثي في الصراع بين إيران وخصومها"، وبرأيه فإن هذا يوحي بوجود احتمالين، الأول "أن الحوثي لا يريد أن يظهر على أنه لعبة في يد طهران وأنه يرى أنها لم تعد كما كانت وأن دعمها فى المستقبل أصبح مشكوكاً فيه"، أمّا الاحتمال الثاني فهو أن الحوثيين "يؤجّلون مشاركتهم في الصراع الدائر للوقت الحاسم ليصبح الكارت الأكثر ربحاً".
وعن إمكان أن تقوم طهران بقدرتها الذاتية بتهديد الملاحة في باب المندب، يشير هاشم إلى أن "هذا الاحتمال قائم ولكن أصبحت خياراته محدودة بعد التدمير الواسع الذي أصاب البحرية الإيرانية".
ويستطرد في حديثه مع "النهار"، أن الولايات المتحدة وعدداً من الدول الأخرى على "وعي بهذه الاحتمالات وأرسلت رسائل لطهران وصنعاء وغيرهما لتبصّرها بأن هذا سيوسّع نطاق الصراع وسيدخل أطرافاً جديدة وقد يستدعي ردوداً قوية عنيفة"، كما أن نشاط قوات العمل المشتركة البحرية التي تراقب باب المندب وخليج عدن وبحر العرب "قد تتوسّع قدراتها ومهامها في الفترة المقبلة"، وهذه القوات يشارك فيها أكثر من 40 دولة لرصد التهديدات ومكافحة التهريب والقرصنة.
باب المندب وتهديد قناة السويس
إقفال باب المندب أو تهديد حركة الملاحة في هذا الشريان الحيوي، يعني أضراراً بالغة في الاقتصاد المصري مباشرة عبر قناة السويس، إذ في الفترة التي استهدف فيها الحوثيون حركة الملاحة في البحر الأحمر قفز حجم إجمالي النزف المالي المصري حاجز الـ10 مليارات دولار.
وفي هذا السياق ينوّه نائب مدير المخابرات الحربية المصرية الأسبق اللواء أحمد إبراهيم كامل، في حديثه مع "النهار"، إلى أن ورقة باب المندب يمكن أن تستخدمها إيران في حالة تعثر المفاوضات أو العودة للقتال مرة أخرى لجعل الموقف الاقتصادي العالمي أكثر تعقيداً.
لكن بالنسبة إلى اللواء كامل، الذي شغل أيضاً مركز رئيس جهاز الاستطلاع في الجيش المصري، فإن موقف القاهرة واضح في "مواجهة هذه التهديدات"، وقد تأكد ذلك خلال الحرب الإسرائيلية على غزة.
ويلفت إلى أن "مصر مشاركة في كل من الفرقة 152 والفرقة 153 بالتعاون مع 19 دولة عربية وأجنبية لتأمين الملاحة في كل من بحر العرب وخليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر، بقيادة الولايات المتحدة المتمثلة في قيادة الأسطول الخامس في البحرين".
ويؤكد كامل أن المهمة الرئيسية لهذه الفرق "تأمين الملاحة والعبور الآمن للسفن وهي عملية دفاعية بحتة وذلك بالتعاون مع أساطيل كل من الولايات المتحدة وبريطانيا والقوة البحرية المخصّصة من الاتحاد الأوروبي".

مخاطر خسارة الحلفاء
الرهان على استخدام مضيق باب المندب إلى جانب هرمز في آن واحد، هو سلاح دو حدّين بالنسبة لإيران، التهديد به شيء وإدخاله في العمليات العسكرية مسألة مختلفة تماماً نظراً للأضرار التي سيلحقها بالاقتصاد العالمي، وهي مسألة تعني حلفاء طهران تماماً مثل خصومها أو أعدائها، وهذا من شأنه أن يرتب تبعات سياسية وعسكرية قد تغيّر في كل المعادلات القائمة حالياً وتضعف الموقف التفاوضي مع الولايات المتحدة.
وعن هذه المخاطر يلفت المتخصص بالشأن الإیراني وقضايا الشرق الأوسط الدكتور وجدان عبد الرحمن إلى أن هذه الخطوة "ستضرّ بدول الاتحاد الأوروبي، التي لا تزال تتعامل مع الأزمة من موقع أقرب إلى الحياد النسبي أو المنطقة الرمادية، فضلاً عن دول المنطقة... ولذلك، فإن أي محاولة لإغلاق باب المندب قد تؤدي إلى تشكيل تحالف دولي واسع ضد إيران".
وفي حديثه مع "النهار" يذهب عبد الرحمن إلى نقطة أساسية بقوله "إن كانت الولايات المتحدة لا تزال تركز على سياسة تغيير السلوك الإيراني بدلاً من تغيير النظام، فإن الإقدام على مثل هذه الخطوة قد يدفع واشنطن إلى إعادة النظر في عقيدتها السياسية والاستراتيجية، والانتقال من سياسة تغيير السلوك إلى سياسة تغيير النظام برمّته". ويرجّح أن يحظى هذا التوجه بدعم أوروبي واسع، الأمر الذي قد يؤدي إلى "اصطفاف أوروبي أكثر وضوحاً إلى جانب الولايات المتحدة في مواجهة إيران".
مسار انتحاري
خلال الحرب الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية الأخيرة، نفّذ الحوثيون بعض العمليات العسكرية المحدودة باستخدام المسيّرات والصواريخ، لكنها لم تصل إلى حدّ إقفال المضيق.
وفي هذا الإطار يستبعد عبد الرحمن أن يقوم الحوثيون بإقفال المضيق لإدراكهم حجم المخاطر والتداعيات المحتملة، ويقول: "صحيح أن إغلاق أحد المضيقين قد يكون وارداً نظرياً، سواء مضيق هرمز أو باب المندب، لكن إغلاق المضيقين في آنٍ واحد يبقى احتمالاً ضعيفاً للغاية، إلّا إذا قرّرت إيران والحوثيون المضيّ في مسار يمكن وصفه بأنه انتحاري سياسياً واستراتيجياً".
ويشير إلى أن الحوثيين رغم تحالفهم الوثيق مع إيران، "ليسوا امتداداً تنظيمياً مباشراً لها" على غرار "حزب الله" في لبنان أو بعض الجماعات في العراق، "بل يمتلكون هامشاً من الاستقلالية في اتخاذ القرار بما يتوافق مع حساباتهم ومصالحهم المحلية".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
شارك الثنائي لحظات من فرحتهما...
نبض