الصين وإيران في مواجهة الولايات المتحدة... لماذا تدير بكين الصراع وتغرق طهران في الأزمات؟

ايران 16-05-2026 | 17:22

الصين وإيران في مواجهة الولايات المتحدة... لماذا تدير بكين الصراع وتغرق طهران في الأزمات؟

تبدو الخلافات بين إيران والولايات المتحدة أقل عدداً من حيث الملفات، لكنها أكثر حساسية من الناحيتين السياسية والأمنية.

الصين وإيران في مواجهة الولايات المتحدة... لماذا تدير بكين الصراع وتغرق طهران في الأزمات؟
إيرانيون يعبرون بدراجاتهم النارية فوق رسم للعلمين الأميركي والإسرائيلي في أحد شوارع طهران. (أ ف ب)
Smaller Bigger

تختلف طبيعة التوترات بين الصين والولايات المتحدة عن العلاقة الإيرانية الأميركية، سواء من حيث حجم الملفات الخلافية أو طريقة إدارتها. لكن الفارق الأهم لا يكمن فقط في طبيعة النزاع، بل في كيفية تعامل بكين وطهران مع واشنطن عند لحظات التصعيد. فلكل من الصين وإيران مقاربة مختلفة تماماً في إدارة الصراع مع الولايات المتحدة، ما يمنح المقارنة بين التجربتين أهمية خاصة بالنسبة إلى القرارات الإيرانية في المستقبل.

ورغم أنّ الملفات الخلافية بين بكين وواشنطن تبدو أوسع وأكثر تشعباً من تلك القائمة بين طهران وواشنطن، فإن العلاقة الصينية الأميركية لم تصل إلى القطيعة الكاملة أو الحرب المباشرة، فيما دفعت الخلافات الإيرانية الأميركية، رغم محدوديتها نسبياً، نحو مواجهات عسكرية وأمنية متكررة.

 

الصين والولايات المتحدة... تنافس شامل بلا قطيعة

 

من الناحية الكمية، تبدو الخلافات بين الصين والولايات المتحدة واسعة ومتعددة الطبقات، وتشمل التجارة، والرسوم الجمركية، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والتنافس الصناعي، وتايوان، وبحر الصين الجنوبي، والنفوذ العالمي، والأمن السيبراني، وحقوق الإنسان، والتنافس العسكري.

وبمعنى أكثر دقة، فإن الصين والولايات المتحدة تختلفان تقريباً في كل الملفات الكبرى. ولمن لا يعرف تاريخ العلاقات الدولية، تجدر الإشارة إلى أنّ الصين، قبل قيادة دنغ شياو بينغ في أوائل سبعينيات القرن الماضي، وخلال عهد ماو تسي تونغ، لم تكن على خلاف مع الولايات المتحدة فحسب، بل كانت تدعو إلى إزالة أميركا من الوجود. وفي النهج المعادي للأجانب الذي تبناه ماو، لم يكن حتى الاتحاد السوفياتي مقبولاً، إذ كان يحلم، بعد القضاء على الرأسمالية، بمواجهة "الشيوعية الحضرية والعمالية" السوفياتية، وتوسيع نموذج "الشيوعية الريفية والفلاحية" في العالم. لكن أحلام ذلك الزعيم الثوري تبددت اليوم تحت ناطحات السحاب الشاهقة في شنغهاي.

ومع ذلك، فإن الصين والولايات المتحدة، رغم هذا الحجم الهائل من الخلافات، تمتلكان علاقات اقتصادية ضخمة تشمل مئات مليارات الدولارات من التبادل التجاري سنوياً، يتراوح بين 500 و650 مليار دولار. ومن هذا الحجم، تصدّر الصين إلى الولايات المتحدة ما بين 400 و500 مليار دولار، فيما تتراوح صادرات الولايات المتحدة إلى الصين بين 150 و200 مليار دولار.

كما يتمتع البلدان بدرجة عالية من الترابط الصناعي والمالي، فيما تبقى قنوات التفاوض مفتوحة باستمرار في الملفات الخلافية.

 

إيران والولايات المتحدة... خلافات أقل وعداء أكبر

 

في المقابل، تبدو الخلافات بين إيران والولايات المتحدة أقل عدداً من حيث الملفات، لكنها أكثر حساسية من الناحيتين السياسية والأمنية.

وتتمثل أبرز محاور الخلاف بين طهران وواشنطن في البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، والسياسات الإقليمية، وإسرائيل، والوجود الأميركي في الشرق الأوسط، والملف الصاروخي، وانعدام الثقة التاريخي منذ عام 1979، ولا سيما بعد أزمة احتجاز الرهائن، إضافة إلى غياب العلاقات الاقتصادية والعلاقات الديبلوماسية الرسمية.

وهنا تبرز نتيجة لافتة: الصين والولايات المتحدة لديهما خلافات أكثر بكثير، لكن علاقتهما لم تنقطع، وما زالتا تتحاوران ولم تدخلا في حرب مباشرة. أما إيران والولايات المتحدة، فعلى الرغم من أنّ حجم الخلافات بينهما أقل، فإن مستوى العداء السياسي بلغ درجة دفعت الولايات المتحدة إلى مهاجمة إيران عسكرياً مرتين خلال عام واحد.

ومن الناحية النوعية أيضاً، تبدو الفوارق أكثر وضوحاً.

فالصين والولايات المتحدة تتعاملان مع بعضهما بوصفهما قوتين عظميين متنافستين، ويعترف كل طرف بشرعية الطرف الآخر باعتباره فاعلاً رئيسياً في النظام العالمي.

ولا تسعى الصين إلى إزالة الولايات المتحدة أو تدميرها، بل تهدف إلى إعادة التوازن في موازين القوى لمصلحة بكين، بحيث ترتفع حصة الصين في النظام الدولي وتتحول إلى قوة موازية للولايات المتحدة. لذلك تنظر بكين إلى خلافاتها مع واشنطن باعتبارها خلافات هيكلية وطويلة الأمد، لكنها قابلة للإدارة، وتقوم على حسابات الكلفة والمنفعة.

أما الخلافات بين إيران والولايات المتحدة، فهي أقرب إلى أن تكون "أيديولوجية – أمنية"، إذ تمس الهوية السياسية للطرفين وتؤثر في النظام الإقليمي، فيما يشكك كل طرف في شرعية سلوك الطرف الآخر، ما صنع جداراً مرتفعاً من انعدام الثقة.

 

الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال زيارة إلى مجمع تشونغنانهاي في بكين. (أ ف ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال زيارة إلى مجمع تشونغنانهاي في بكين. (أ ف ب)

 

"التنافس المُدار" مقابل "الأزمة الدائمة"

 

ويكشف أسلوب إدارة الخلاف عن الفارق الأعمق بين النموذجين.

فالصين تفصل عادة بين ملفات الخلاف وملفات التعاون مع الولايات المتحدة. فهي قد تدخل في نزاع بشأن التكنولوجيا، لكنها لا تقطع التجارة بالكامل. وقد تتصاعد التوترات حيال تايوان، فيما تستمر الحوارات الاقتصادية والسياسية.

كذلك، تحافظ الصين على قنوات الاتصال مع واشنطن حتى في ذروة التوتر. فالمفاوضات الاقتصادية تستمر، ولقاءات القادة لا تتوقف، والاجتماعات الديبلوماسية تبقى قائمة، لأن بكين تؤمن بعمق بأن التنافس يجب أن يبقى تحت السيطرة، لا أن يقود إلى انهيار العلاقة بالكامل. كما لا يوجد خلاف داخل القيادة المركزية للحزب الشيوعي الصيني بشأن هذه المقاربة.

وفي الصين، وعلى خلاف مرحلة ماو، أصبحت الأولوية للتنمية الاقتصادية لا للأيديولوجيا. ولذلك تتجنب بكين عادة الدخول في صراعات مكلفة مع الدول الأخرى، لأن النمو الاقتصادي، والصادرات، واستقرار الاستثمار، عناصر حيوية لشرعيتها الداخلية وتمثل خطوطاً حمراء بالنسبة إليها.

ويُعرف الصينيون كذلك بما يسمى "الصبر الاستراتيجي" في الديبلوماسية. فهم يفضلون الرد التدريجي، ويتجنبون الأزمات الفورية، ويعتمدون على استنزاف قوة المنافسين، وخصوصاً الولايات المتحدة، على المدى الطويل.

وفي المقابل، تبدو جميع الملفات الخلافية بين إيران والولايات المتحدة مترابطة ومتشابكة في الذهنية السياسية الإيرانية، من الملف النووي إلى العقوبات والقضايا الإقليمية والأمنية والسياسية، بحيث لا يجري التعامل معها كملفات منفصلة.

فالمسؤول الإيراني لا يرى في هذه القضايا مجرد مشكلات سياسية، بل يعتبرها دلائل على "خبث" خصم لا يمكن ترويضه. ولذلك تدخل طهران غالباً أي مسار لحل تدريجي للمشكلات وهي محمّلة بالتشاؤم وانعدام الثقة، بحيث يؤدي تعثر ملف واحد إلى انهيار المشروع الديبلوماسي بأكمله.

وقد استفادت الولايات المتحدة من هذا الوضع إلى أقصى حد، سواء عبر العقوبات أو عبر الحرب، من أجل إضعاف إيران.

 

لماذا تبدو العلاقة الإيرانية الأميركية أكثر هشاشة؟

 

بخلاف الحالة الصينية، أدى هذا النهج إلى غياب قنوات اتصال مستقرة بين طهران وواشنطن. فالوساطات تنتقل من مسقط إلى إسلام آباد وربما إلى أماكن أخرى، فيما لا تزال سفارتا البلدين مغلقتين، كما ظل الحوار المباشر محدوداً ومتقطعاً إلى درجة يمكن وصفه معها بأنه شبه معدوم.

وفوق ذلك، تأتي المفاوضات غالباً بوصفها استجابة للأزمات، لا باعتبارها عملية دائمة ومستقرة. وينظر الطرفان إلى العلاقة من زاوية التهديد الأمني، ما يجعل بناء الثقة صعباً، ويحوّل أي مرونة سياسية إلى عبء داخلي، ويجعل الاتفاقات غير مستقرة، كما حدث مع الاتفاق النووي.

لقد أظهر الاتفاق النووي أنّ التوصل إلى تفاهم أمر ممكن، لكن بما أنّ أسباب الصراع الأساسية بين الطرفين بقيت قائمة، ظلّ الاتفاق هشاً أمام التحولات السياسية داخل الولايات المتحدة.

ويمكن تلخيص الفارق الجوهري بين النموذجين على النحو الآتي:

في النموذج الصيني:
- تنافس متزامن مع التعاون
- إدارة للتوتر
- الحفاظ على قنوات الاتصال
- أولوية للاقتصاد
- مرونة تكتيكية

أما في النموذج الإيراني:
- تقابل سياسي وأمني
- تشابك في الملفات
- انخفاض في مستوى الثقة
- محدودية في الاتصال المباشر
- صعوبة في تحويل الاتفاقات الموقتة إلى علاقة مستقرة

 

 

هل تبحث طهران عن "نموذج صيني"؟

بطبيعة الحال، لا تعود هذه الفوارق فقط إلى أسلوب الديبلوماسية، بل ترتبط أيضاً بعوامل أعمق، منها مكانة الصين الاقتصادية عالمياً، واعتماد الاقتصاد العالمي عليها، وطبيعة الأيديولوجيا السياسية، وبنية التحالفات الإقليمية، والفوارق الجيوسياسية، والفجوة في القوة الاقتصادية والمالية، إضافة إلى اختلاف رؤية البلدين للنظام العالمي.

ولهذا السبب، تنخرط الولايات المتحدة مع الصين في "منافسة مُدارة"، بينما تعتمد مع إيران سياسة "الضغط والاحتواء"، وربما الحرب.

أما نتائج هذا المسار التصادمي، فقد باتت واضحة في حجم الكلفة السياسية والاقتصادية والأمنية التي تتحملها إيران.

وفي ظل وصول انعدام الثقة بالغرب لدى المسؤولين الإيرانيين إلى ذروته بعد الحروب الأخيرة، قد يسعى صانعو القرار في طهران إلى البحث، حتى داخل النماذج الشرقية، عن مخرج من هذا المستوى المرتفع من العداء والتكاليف الباهظة المترتبة عليه.

الأكثر قراءة

مجتمع 5/15/2026 11:54:00 AM
فيديو يظهر إشكالاً في الناعمة يتطور لتضارب ودهس، مما يؤدي لمقتل امرأة وإصابة آخرين.
فن ومشاهير 5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.
رياضة 5/14/2026 10:36:00 AM
لأول مرة في تاريخ كأس العالم FIFA، يدعم عرض ما بين الشوطين صندوق FIFA العالمي لتعليم المواطنين، وهي مبادرة رائدة تسعى الى جمع 100 مليون دولار أميركي.