قبل خطاب ترامب… كيف تبدو سيناريوات الهجوم البري في حال التصعيد؟
قبل ساعات من خطاب مفصلي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، يُفترض أن يحدد اتجاه الحرب على إيران بين إنهائها أو تصعيدها، يعود إلى الواجهة سيناريو كان حاضراً بقوة في الأيام الماضية: احتمال الانتقال إلى مواجهة برية، في حال اتُّخذ قرار استكمال الحرب ورفع سقفها.
هذا السيناريو لا يرتبط فقط بحدود ما حققته الضربات الجوية حتى الآن، بل أيضاً بطبيعة الأهداف التي يصعب حسمها من الجو وحده، من حرية الملاحة في مضيق هرمز إلى التحقق من وقف التخصيب والسيطرة على مواقع استراتيجية. وفي المقابل، تستعد إيران لاحتمال كهذا عبر نموذج دفاعي يقوم على اللامركزية القيادية والتحصينات العميقة، بما يحوّل التفوق التكنولوجي للخصم من عنصر حسم إلى عبء استنزافي ميداني.
ومع احتمال انتقال الصراع من مرحلة "القصف الجراحي" للمنشآت الحيوية إلى التلويح الفعلي بعملية برية لتغيير الواقع الميداني، يبرز رهان إيراني على ما يوصف بـ"العقيدة الفسيفسائية"، التي تقوم على توزيع مراكز القيادة والقدرة القتالية، بحيث لا يعني استهداف "الرأس" في طهران نهاية الحرب، بل بداية مواجهة مع تشكيلات قتالية وخلايا منتشرة يمكنها العمل في ظروف انقطاع الاتصال المركزي. هنا تحديداً يبرز السؤال الإشكالي: إذا كانت واشنطن قادرة على ضرب مراكز القيادة خلال ساعات، فهل تمتلك القدرة والوقت أيضاً لخوض حرب معقّدة تستغل الجغرافيا الإيرانية؟
من هرمز إلى "خرج"... أهداف العملية البرية
يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد ناجي ملاعب، في حديث مع "النهار"، أن الهدف النهائي لأي عملية برية محتملة لم يتبلور بعد، إلا أن المؤشرات تدل على دور محوري لقوات النخبة المستقدمة إلى المنطقة في معالجة "المعضلة الأميركية" في مضيق هرمز. فإطالة أمد الأزمة هناك لا تعني مجرد تعطيل ممر بحري، بل إدخال العالم في "حرب طاقة عالمية يتحمل مسؤوليتها الطرف المهاجم".
وبحسب ملاعب، فإن تعقيد المشهد لا يرتبط فقط بالموقع، بل أيضاً بطبيعة التحصينات الإيرانية. فطهران، وفق المعطيات المتداولة، زرعت ألغاماً بحرية ذكية واعتمدت تقنيات لبث موجات صوتية مضللة للغواصات، ما يجعل تطهير المضيق عملية شديدة التعقيد. من هنا، تبرز توقّعات بإمكان محاولة احتلال الجزر الثلاث الاستراتيجية التي تسيطر عليها إيران (طنب الكبرى، طنب الصغرى، وأبو موسى) وجزيرة "خرج"، والسيطرة على الشاطئ الإيراني عبر الاستعانة بغواصات "دولفين" الإسرائيلية والزوارق المسيّرة لتفجير الألغام، بالتزامن مع إنزال فرق متخصصة خلف خطوط التماس لقطع الإمدادات.
ولا يقتصر الهدف، وفق ملاعب، على تأمين الممرات البحرية. فثمة بعد ثانٍ أكثر حساسية يتمثل في الوصول إلى مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، في ظل ضغوط داخلية أميركية تتساءل عن جدوى التورط في حرب جديدة. ورغم العروض الإيرانية، عبر الوساطة العُمانية، لتحويل هذه المواد لاستخدامات مدنية، يبدو أن واشنطن تبحث عن "عملية نوعية" تمنحها صورة نصر سياسي.
ويذهب ملاعب أبعد من ذلك حين يصف المواجهة الجارية بأنها تنتقل إلى مستوى "وجودي". فإيران لا تختصر بمنشآت وقواعد، بل تمتلك جيشاً من العلماء يضم نحو 12 ألف متخصص في الفيزياء والنووي والكيمياء، ما يعني أن استهداف المراكز الأكاديمية والعلمية "قد يدفع الحرب إلى مواجهة مع الكيان الوطني الإيراني الشامل، لا مع النظام فقط". ويضيف أن المرحلة الأخيرة شهدت أيضاً تضرر أصول عسكرية أميركية استراتيجية، شمل سحب حاملات طائرات مثل "جيرالد فورد" و"أبراهام لينكولن" نتيجة تهديدات أو أعطال، فضلاً عن إصابة طائرة "أواكس" واحدة على الأقل في قاعدة الأمير سلطان وتضرر طائرات "F-35". وبذلك، تصبح العملية المحتملة مواجهة مركبة يمتزج فيها السعي إلى تأمين الطاقة بمحاولة تحييد القدرة النووية، في بيئة إقليمية مشتعلة تمتد من جنوبي لبنان إلى مضيق باب المندب.
/WhatsApp%20Image%202026-03-29%20at%209.05.33%20AM.jpeg)
الجغرافيا الإيرانية... جبال زاغروس وحرب الاستنزاف
في المقابل، يوضح رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات العميد الركن هشام جابر، في حديث مع "النهار"، أن أي عملية برية محتملة ضد إيران لن تستهدف في مراحلها الأولى اختراق العمق الإيراني الشاسع، بل ستركز على الخليج، وخصوصاً الجزر الثلاث (طنب الكبرى، طنب الصغرى، وأبو موسى)، نظراً إلى قيمتها الاستراتيجية الكبرى.
ويشدد جابر على أن أي تفكير بإنزال بري على الساحل الإيراني يصطدم بعوائق جغرافية وعسكرية هائلة، من سلاسل جبلية معقدة مثل جبال زاغروس إلى مساحات واسعة ووعرة تجعل أي تقدم بري مكلفاً وبطيئاً. ويضيف أن العقيدة العسكرية الإيرانية تعتمد "دفاعاً لا مركزياً" وتكتيكات حرب العصابات، القادرة على استنزاف الخصم بأقل التكاليف، على نحو يشبه ما يحصل في جنوبي لبنان، حيث يمكن لوسائل غير مكلفة نسبياً، مثل المسيّرات، أن تستنزف أهدافاً باهظة الثمن.
وفي ما يتعلق بالدور الأميركي، يشير جابر إلى أن القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" قد تكون مستعدة لتنفيذ ضربات أو الانخراط في ترتيبات عملياتية، إلا أن القرار النهائي يبقى بيد البيت الأبيض. كما يعتبر أن ترامب لن يذهب إلى خطوات تصعيدية كبرى من دون غطاء سياسي ومؤسساتي.
ويستبعد جابر، في قراءته، وصول القوات البرية إلى طهران في المدى المنظور، معتبراً أن هذا التصور بعيد عن الواقع. فاختراق بلد بحجم إيران يحتاج إلى حشد يتراوح بين 50 و100 ألف جندي لتأمين موطئ قدم فقط، في مواجهة قوات نظامية، وقوات الحرس الثوري، وملايين من متطوعي "البسيج" المنتشرين على كامل الجغرافيا الإيرانية، والذين يمتلكون عقيدة قتالية صلبة في الدفاع عن الأرض.
/WhatsApp%20Image%202026-03-31%20at%208.29.05%20AM.jpeg)
الحتمية البرية... لكن أين وكيف؟
من جهته، يرى الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية العميد خالد حمادة أن العمليات الجوية والصاروخية، مهما بلغت قوتها التدميرية، تبقى في جوهرها "تمهيداً نارياً" لا يمكنه إعلان الانتصار أو تحقيق الأهداف السياسية المعقدة بمفرده. فـ"تثبيت النصر" والسيطرة الفعلية على النقاط الحيوية لا يتمان إلا عبر "المكون البري".
ويشرح حمادة أن وقف البرنامج النووي الإيراني لا يمكن التأكد منه عبر الأقمار الصناعية أو القصف وحدهما، بل يتطلب وجوداً برياً عسكرياً أو تقنياً دولياً على الأرض. والأمر نفسه ينسحب على السيطرة على الترسانة الصاروخية وتأمين الممرات المائية، ولا سيما مضيق هرمز، بما يجعل العملية البرية، من هذا المنظور، أكثر من ضرورة إذا كان الهدف فعلاً ضمان وقف التخصيب عبر تفتيش مباشر، وتفكيك القدرات الصاروخية التي باتت تهدد العمق الأوروبي، وتأمين حرية الملاحة بشكل دائم ومستقر.
لكن حمادة يلفت في الوقت نفسه إلى أن قرار العملية البرية يصطدم بعدم نضوج "تحالف دولي" صلب حتى الآن. فـ"رغم ليونة الموقفين البريطاني والفرنسي، لا تزال القوة المعدة لاقتحام المضيق أو السيطرة على جزيرة خرج غير متبلورة بصورة نهائية".
ومن هنا، ينتقل إلى سيناريوات التطبيق. الأول، إنزال في خوزستان أو الأهواز للاستفادة من المعارضة الداخلية ومنح العملية طابعاً "إيرانياً" محلياً. الثاني، إنزال على شواطئ خرمشهر لقربها من جزيرة "خرج" وتجنب المسافات الطويلة. والثالث، احتمال استخدام الأراضي الأذربيجانية لفتح جبهة شمالية عبر بحر قزوين. وفي جميع هذه السيناريوات، لا تبدو الأهداف المعلنة، أي النووي والصواريخ، المحرك الوحيد. فبحسب حمادة، الهدف الأعمق يتمثل في السيطرة على مصادر الطاقة وإدارة الممرات المائية العالمية، ضمن استراتيجية أميركية أوسع لإخضاع طرق التجارة والطاقة العالمية لسيطرة مباشرة.
نبض