حرب بلا توازن... إلى أين يتجه الشرق الأوسط؟ (فيديو)
في مشهد إقليمي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحوّلت إلى صراع متعدد المستويات، تتداخل فيه الاستراتيجيات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والتوازنات الدولية.
في هذا السياق، قدّم الخبير في الشؤون الدولية والجيوسياسية الدكتور كارول سابا قراءة معمّقة لمسار الحرب، معتبراً أننا أمام نموذجين متوازيين يحددان اتجاهها: "الحرب غير المتوازية" و"الحرب الشاملة".
حرب غير متوازية… واستراتيجية إيرانية مختلفة
أوضح سابا أن الصراع الحالي يندرج ضمن ما يُعرف بالحروب غير المتكافئة، فلا توازن بين قدرات الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. هذا الواقع، برأيه، دفع طهران إلى اعتماد استراتيجية بديلة تقوم على "حرب الاستنزاف" بدل المواجهة المباشرة.
وشرح أن هذه الاستراتيجية تتوزع على ثلاثة مستويات:
الضغط العسكري عبر الصواريخ والقدرات الباليستية
توسيع نطاق التوتر إلى الخليج والمنطقة
استخدام الورقة الاقتصادية، خصوصاً عبر التلويح بمضيق هرمز
مضيق هرمز… ورقة الاقتصاد العالمية
يكتسب مضيق هرمز أهمية استثنائية في هذا الصراع، إذ يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، ما يجعله أداة ضغط فعّالة بيد إيران.
لكن سابا يستبعد تكرار "الصدمة النفطية" على غرار عام 1973، مشيراً إلى أن الاقتصاد العالمي اليوم أقل ارتباطاً بالنفط مقارنة بالماضي، رغم أن استمرار الأزمة لأكثر من ثلاثة أشهر قد يؤدي إلى تباطؤ النمو العالمي إلى ما دون 3%.
واحدة من أبرز التحولات التي يرصدها سابا هي بداية التباعد بين واشنطن وتل أبيب. فبينما يتبنى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مفهوم "الحرب الشاملة" لإسقاط النظام الإيراني، يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر حذراً، ويميل إلى تجنب الانخراط في مواجهة مفتوحة.
وتحدث عن مؤشرات عدة على هذا التباعد، بينها رفض واشنطن توسيع الاستهداف ليشمل منشآت نفطية في الخليج، إضافة إلى بروز خلافات داخل الإدارة الأميركية نفسها حول جدوى الحرب.
أزمة داخلية في واشنطن
بحسب سابا، تواجه الولايات المتحدة أزمة "حوكمة" في إدارة الحرب، في ظل انقسام داخلي بين مؤيدين للتصعيد ومعارضين له، خصوصاً داخل التيار المرتبط بـ"ماغا"، اختصار لشعار "اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى".
هذا الانقسام، إلى جانب ضغط الرأي العام والاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يقيّد قدرة واشنطن على خوض حرب طويلة، ويدفعها للبحث عن مخرج "يحفظ ماء الوجه" من دون الانزلاق إلى مواجهة برية.
في المقابل، أكد سابا أن إيران لا تواجه بمفردها، إذ تحظى بدعم غير مباشر من روسيا والصين، في إطار صراع أوسع على الممرات الاستراتيجية ومصادر الطاقة.
هذا البعد الدولي، برأيه، ينقل الحرب من إطارها الإقليمي إلى مستوى صراع عالمي غير معلن.
معركة كسر الإرادات
واعتبر سابا أن ميزان القوى لا يُقاس فقط بالإمكانات العسكرية، بل أيضاً بقدرة كل طرف على الصمود. ففي حين تخضع الولايات المتحدة لضغوط داخلية، تستطيع إيران، كنظام غير ديموقراطي، تحمّل كلفة أطول للحرب.
وأضاف أن مجرد صمود طهران، حتى في ظل الخسائر، قد يُعتبر "انتصاراً" وفق منطقها، خصوصاً إذا نجحت في إحداث شرخ بين واشنطن وتل أبيب أو فرضت العودة إلى التفاوض بشروط جديدة.
سيناريوات مفتوحة… وخياران لا ثالث لهما
في قراءة ختامية، رأى سابا أن مسار الحرب يتجه نحو أحد خيارين:
-إما التوسع إلى مواجهة أوسع، وهو خيار لا تفضّله معظم الأطراف الدولية والإقليمية
-أو التوصل إلى وقف إطلاق نار يمهّد لمسار تفاوضي، وهو ما تميل إليه واشنطن وحلفاؤها
لكن العقدة الأساسية، تبقى في الموقف الإسرائيلي، حيث إن وقف الحرب، وفق الرؤية الإسرائيلية، يبقى مشروطاً بإسقاط النظام الإيراني، وهو هدف لا يبدو قريب التحقيق.
الشرق الأوسط بين صراعات كبرى
وسط هذا المشهد، حذر سابا من أن المنطقة باتت ساحة صراع بين مشاريع كبرى متنافسة، تتجاوز حدود الدول لتلامس رهانات أيديولوجية واستراتيجية عميقة.
وبين حرب استنزاف طويلة، وضغوط اقتصادية متصاعدة، وتباينات دولية متزايدة، يبدو أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة مفصلية، حيث قد تعيد الأيام المقبلة رسم ملامح التوازنات في المنطقة… وربما في العالم.
نبض