عودة لوبن إلى السّباق الرّئاسي تربك حسابات اليمين الفرنسي
أعاد قرار محكمة الاستئناف في باريس خلط الأوراق السياسية في فرنسا، بعدما منح زعيمة حزب التجمع الوطني مارين لوبن فرصة العودة إلى السباق الرئاسي، رغم تثبيت إدانتها في قضية اختلاس أموال أوروبية. ويضع الحكم انتخابات 2027 أمام معادلة جديدة، مع عودة أبرز مرشحة لليمين الشعبوي إلى المنافسة، في وقت تراقب فيه الأحزاب الفرنسية تداعيات القرار على موازين القوى المقبلة.
حكم يفتح باب الترشح
وقضت المحكمة بتغريم لوبن 100 ألف يورو، والحكم عليها بالسجن ثلاث سنوات، بينها سنة واحدة نافذة تُنفذ تحت المراقبة بواسطة سوار إلكتروني في منزلها، إضافة إلى عقوبة عدم الأهلية للترشح لمدة 45 شهراً. واعتبرت المحكمة أن الجزء النافذ من هذه العقوبة قد انقضى منذ صدور حكم الدرجة الأولى في آذار/مارس 2025، ما يجعلها مؤهلة قانونياً لخوض الانتخابات الرئاسية.
وبررت المحكمة قرارها بضرورة حماية "حرية اختيار الناخبين" و"حرية الترشح"، معتبرة أن العقوبة يجب أن تبقى متناسبة مع الحقوق السياسية. ورأى أنصار لوبن في الحكم انتصاراً بعد معركة سياسية وقضائية استمرت أكثر من عام، فيما أكد محاموها أن القضية لا تتعلق بأي "قضاء سياسي".
ورغم أن لوبن كانت قد أعلنت سابقاً أنها لن تخوض الحملة الانتخابية إذا فُرض عليها ارتداء السوار الإلكتروني، فإنها تراجعت عن موقفها وأكدت استمرارها في السباق الرئاسي. ومع ذلك، يبقى الملف مفتوحاً بانتظار قرار محكمة النقض، ما يعني أنها قد تخوض حملتها الانتخابية وهي ترتدي السوار الإلكتروني إذا ثُبت الحكم بصورة نهائية.
تقدم في استطلاعات الرأي
انعكس القرار سريعاً على استطلاعات الرأي. فبحسب أحدث استطلاع لمؤسسة "إيفوب" لمصلحة قناة LCI وصحيفة "لوفيغارو"، ارتفعت نيات التصويت لمصلحة لوبن إلى نحو 36 في المئة في الدورة الأولى، وهي نسبة تفوق ما كانت تحققه في الأشهر الماضية، كما تعادل أو تتجاوز النتائج التي كان يسجلها رئيس الحزب جوردان بارديلا عندما كان يُطرح بديلاً منها.
وأثار هذا التقدم قلق خصومها، ولا سيما داخل اليمين المعتدل. فكل من رئيسي الحكومة السابقين غابريال أتال وإدوار فيليب، إلى جانب وزير الداخلية السابق ورئيس حزب الجمهوريين برونو روتايو، يراقبون عودتها بكثير من الحذر. ويعتقد هؤلاء أن لوبن، بعد سنوات من توسيع قاعدتها الانتخابية، قد تكون أكثر قدرة من بارديلا على استقطاب شرائح أوسع من الناخبين، ما يجعلها منافسة أكثر صعوبة في انتخابات 2027.

بارديلا يعود إلى الصف الثاني
أما جوردان بارديلا الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره، فيتمتع بشعبية واسعة بين الشباب والعمال، ويُنظر إليه على أنه أحد أبرز الوجوه الصاعدة في اليمين الفرنسي. إلا أن حداثة سنه، ومحدودية خبرته في إدارة الدولة، وعدم إكماله دراسته الجامعية، تبقى عوامل تدفع شريحة من الناخبين إلى التردد في منحه ثقتها للوصول إلى قصر الإليزيه.
وتظهر استطلاعات الرأي أيضاً أن الفرنسيين ما زالوا منقسمين حيال ترشح لوبن. فبينما يعتبر قسم منهم أن قرار المحكمة يبرر مشاركتها في الانتخابات، يرى آخرون أن الإدانة القضائية تثير إشكاليات سياسية وأخلاقية. والمفارقة أن نسبة غير قليلة من مؤيدي حزبها تعتقد أنها كان ينبغي ألا تترشح.
وهكذا، تدخل الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027 مرحلة جديدة، بعدما أعاد القضاء مارين لوبن إلى قلب المنافسة، فيما يبقى الفصل الأخير من هذه القضية رهناً بما ستقرره محكمة النقض في الأشهر المقبلة.
نبض