18-03-2024 | 04:00

5 مزايا على الأقل... ما الذي نكسبه من التّفاؤل؟

دراسات تظهر كيف أنّ المتفائلين أفضل صحّة... وأكثر فاعليّة
5 مزايا على الأقل... ما الذي نكسبه من التّفاؤل؟
Smaller Bigger

ماذا لو تبيّن أنّ المتفائلين لا يتمتّعون بصحّة أفضل من صحّة المتشائمين وحسب، بل بقدرة أكبر على تخطّي مشكلات الحياة وتحقيق الأهداف؟ هذا ما تشير إليه أستاذة الطبّ في جامعة هارفارد والمديرة المشاركة لبرنامج العلوم في معهد هارفارد رادكليف إيماكولاتا دي فيفو.

 

نشرت دي فيفو مقالة في موقع "ذا أم آي تي برس ريدر" التابع لـ"معهد ماساشوستس للتكنولوجيا" تظهر فيها مجموعة من الدراسات القديمة والحديثة تؤكّد تأثير التفاؤل الإيجابيّ على الصحّة الجسديّة والنفسيّة. بيّنت المقالة المقتبسة عن كتاب دي فيفو والمشارك المؤلّف له دانيال لوميرا "بيولوجيا اللطف" كيف أنّ التفاؤل ليس مجرّد صفة نفسيّة أو موضوع دردشة مثير للاهتمام.

 

وإذا كانت صحّة القلب والأوعية الدمويّة من بين أوّل ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن المزايا الصحّيّة، فإنّ قراءة لتحليل دي فيفو تظهر أنّ الحدود أبعد من ذلك. ينعكس التفاؤل إيجاباً على المستوى التنفّسيّ والتمثيل الغذائيّ والمناعة. وليست إيجابيّات التفاؤل ملموسة في المستقبل البعيد وحسب. تظهر إحدى الدراسات أنّ التفاؤل يقي من نزلات البرد حتى. ما يثير الاهتمام أكثر أنّ المتفائلين قادرون على إدارة جهودهم بطريقة متوازنة، وهي سمة مطلوبة لمواجهة التحدّيات. تنخفض الدهشة الافتراضيّة إذاً، عند معرفة أنّ طلّاب الجامعة المتفائلين يتمتّعون باحتمالات أعلى لنيل شهاداتهم. وليس للذكاء دور كبير في هذا المجال. بهذا المعنى، "ليس التفاؤل والتشاؤم تسميتين اعتباطيّتين ومراوغتين". مع ذلك يبقى سؤال مهمّ: هل التفاؤل محدّد في الجينات، أم يمكننا التدرّب عليه؟

الأجوبة في إضاءة دي فيفو:

 

 

انخفاض الخطر بـ35 في المئة

تذكر دي فيفو أنّه في سنة 2019، قارنت مراجعة نُشرت في JAMA Network Open بواسطة آلان روزانسكي، طبيب قلب في مستشفى ماونت سيناي مورنينغسايد في مدينة نيويورك، نتائج 15 دراسة مختلفة لإجمالي 229391 مشاركاً. أظهر التحليل التلويّ الذي أجراه روزانسكي أنّ الأفراد الذين يتمتّعون بمستويات أعلى من التفاؤل يواجهون خطراً أقلّ بنسبة 35 في المئة للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بالمقارنة مع أولئك الذين لديهم مستويات أقل من التفاؤل، فضلاً عن انخفاض نسب الوفيات. وأشار روزانسكي إلى أنّ الأشخاص الأكثر تفاؤلاً يميلون إلى الاعتناء بأنفسهم أفضل، بخاصّة من خلال تناول الطعام الصحّيّ وممارسة الرياضة وعدم التدخين. تم العثور على هذه السلوكيّات بدرجة أقل بكثير لدى الأشخاص الأكثر تشاؤماً، ممّن يميلون إلى الاهتمام بشكل أقل برفاهيّتهم.

 
 
 

لكنّ الضرر الناتج من التشاؤم هو أيضاً ضرر بيولوجيّ: فالتآكل المستمرّ الناجم عن ارتفاع هرمونات التوتّر مثل الكورتيزول والنورادرينالين يؤدّي إلى ارتفاع مستويات التهاب الجسم ويعزّز ظهور المرض. علاوة على ذلك، يمكن أن يؤدّي التشاؤم المرضيّ إلى الاكتئاب الذي تعتبره جمعيّة القلب الأميركية عامل خطر للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدمويّة.

 

وقد تمّ تحديد الارتباط نفسه في ما يتعلّق بالأمراض البسيطة مثل نزلات البرد. حدّدت دراسة أجريت سنة 2006 السمات الشخصيّة لـ 193 متطوعاً سليماً تمّ تطعيمهم بفيروس تنفّسيّ شائع. كان الأشخاص الذين عبّروا عن موقف إيجابيّ أقل عرضة للإصابة بأعراض العدوى من نظرائهم ذوي المواقف الأقلّ إيجابيّة. يعدّ التفاؤل إذاً أحد العوامل غير البيولوجية الأكثر إثارة للاهتمام والمنخرطة في آليات طول العمر لأنّه يربط السمات النفسيّة للفرد بصحّته البدنيّة. وبهذا المعنى، يقدّم التفاؤل استراتيجيّة أخرى لحماية الصحّة.

 

طول عمر "استثنائيّ"

يميل المتفائلون إلى العيش لفترة أطول، كما كشفت الأبحاث التي أجرتها ليوينا لي في جامعة هارفارد والتي قامت بتحليل 69744 امرأة من هيئة الخدمات الصحّيّة الوطنيّة البريطانيّة و1429 رجلاً من دراسة الشيخوخة التي أجرتها وزارة شؤون المحاربين القدامى في الولايات المتحدة. تشير النتائج إلى أنّ المتفائلين يميلون إلى العيش في المتوسّط بنسبة 11 إلى 15 في المئة أكثر من متوسّط حياة المتشائمين، ولديهم فرصة ممتازة لتحقيق "طول عمر استثنائي" - أي بحكم التعريف، عمر يزيد عن 85 عاماً.

 

وتقول لي، دائماً بحسب التحليل نفسه، إنّ المتفائلين أفضل في إعادة صياغة وضع غير مؤاتٍ والاستجابة له بشكل أكثر فاعليّة. لديهم موقف أكثر ثقة تجاه الحياة وهم ملتزمون بالتغلّب على العقبات بدلاً من التفكير بأنّهم لا يستطيعون فعل أيّ شيء لتغيير ما هو خاطئ.

 

حين كسبت فرنسا كأس العالم سنة 1998

افترضت دراسة استقصائيّة أجريت في فرنسا سنة 1998 وجود علاقة بين معدّل الوفيات والأحداث الجماعيّة التي تلهم التفاؤل. في 12 تموز (يوليو) من تلك السنة، وفي ملعب سان دوني، فاز المنتخب الفرنسيّ لكرة القدم بكأس العالم في مواجهة البرازيل. تُظهر البيانات المتعلّقة بالوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية المسجّلة في ذلك اليوم انخفاضاً فرديّاً بالمقارنة مع المتوسّط المسّجل بين 7 و17 تموز، لكنّ هذا التأثير كان مقتصراً على السكان الذكور، بينما ظلّ على حاله تقريباً بالنسبة إلى النساء.

 
 
 

 

على الرّغم من أنّه ليس من الممكن إثبات وجود علاقة سببيّة، تشير هذه المصادفة الغريبة إلى أنّ التفاؤل الهائل بعد فوز الفريق ربّما لعب دوراً في ذلك.

 

في عقل المتفائل

إذا كان لدى الشخص موقف إيجابيّ وواثق تجاه المشكلة فسيحاول التغلّب على العقبة؛ إذا كانوا مشكّكين في نجاح جهودهم، فسيميلون إلى التخلّي عنها، وربّما يشعرون بالإحباط من ارتباطهم المتبقّي بهذا الهدف أو قد يتراجعون عنه.

 

قام باحثون بدراسة العلاقة بين هذين الموقفين والنتائج التي تم الحصول عليها خلال مسار مواقف من الحياة اليوميّة. تبيّن أنّ المتفائلين هم المتمتّعون بالاحتمال الأكبر لإكمال دراستهم الجامعيّة، ليس لأنّهم أكثر ذكاءً من غيرهم، ولكن لأنّهم يتمتّعون بحافز ومثابرة أكبر. هم قادرون على إدارة السعي المتزامن لتحقيق أهداف متعدّدة بشكل أفضل، مثل تكوين صداقات وممارسة الرياضة وتحقيق أداء جيّد في المدرسة، من خلال تحسين جهودهم: إظهار التزام أكبر بالأهداف ذات الأولويّة والتزام أقل بالأهداف الثانويّة.

 

دراسة مذهلة عن سبّاحين "أُفشِلوا"

يبدو أنّ المتفائل يستثمر موارد التنظيم الذاتيّ بعناية، فيزيد الجهد عندما تكون الظروف مواتية ويقلّل الجهد عندما تكون أقل ملاءمة، ولكن أيضاً من خلال بذل المزيد من الجهد عندما يكون هناك عيب يجب التغلّب عليه. في دراسة شهيرة أجراها عالم النفس الإيجابيّ مارتن سيليغمان سنة 1990 شملت فرق سباحة جامعية، طلب المدرّبون من الرياضيّين التنافس بأفضل ما لديهم.

 

في نهاية المنافسات، حصلوا على نتائج مغلوطة عن أدائهم، حيث زادت سرعتهم بنحو ثانيتين، وهي سرعة منخفضة بما يكفي لتكون ذات صدقيّة، ولكنّها لا تزال كافية لإصابة الرياضيّين بخيبة أمل. وبعد بضع ساعات من الراحة، كانوا يفكرون خلالها على الأرجح بنتائجهم السيّئة في السباق الأخير، تم استدعاء السبّاحين إلى السباق الثاني، وكانت النتائج بين المتفائلين والمتشائمين مختلفة بشكل كبير.

 

كان المتشائمون في المتوسّط أبطأ بنسبة 1.6 في المئة عمّا كانوا عليه خلال أدائهم الأول، في حين كان المتفائلون أسرع بنسبة 0.5 في المئة. كان تفسير التجربة أنّ المتفائلين يميلون إلى استخدام الفشل كحافز للقيام بعمل أفضل، في حين يميل المتشائمون إلى الإصابة بالإحباط والاستسلام بسهولة أكبر.

 

في أدقّ تكاوين الخلايا

يبدو أيضاً أنّ نتائج دراسات الحمض النوويّ تؤكّد فكرة أنّ التفاؤل هو أداة فعالة لإبطاء شيخوخة الخلايا، والتي يعدّ انكماش التيلومير علامة حيويّة لها. (التيلوميرات هي الأغطية الواقية في نهاية الكروموسومات). لا يزال هذا البحث قيد التقدّم، ولكنّ النتائج المبكرة مفيدة. سنة 2012، حدّدت إليزابيث بلاكبيرن التي تقاسمت جائزة نوبل سنة 2009 عن عملها في اكتشاف الإنزيم الذي يجدّد التيلومير، وإليسا إيپل من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، بالتعاون مع مؤسّسات أخرى، وجود علاقة بين التشاؤم وتسارع انكماش التيلومير في مجموعة من النساء بعد انقطاع الطمث. ووجدوا أنّ الموقف المتشائم قد يكون مرتبطاً بالفعل بتيلوميرات أقصر. تتّجه الدراسات نحو عيّنات أكبر، لكن يبدو من الواضح فعلاً أنّ التفاؤل والتشاؤم يلعبان دوراً مهمّاً في الصحّة وكذلك في معدّل الشيخوخة الخلويّة بحسب دي فيفو.

 
 
 

سنة 2021، لاحظ علماء من جامعة هارفارد، بالتعاون مع جامعة بوسطن ومستشفى Ospedale Maggiore  (أحد أقدم المستشفيات الإيطاليّة) في ميلانو، التيلوميرات لدى 490 رجلاً مسناً في دراسة الصحّة المعياريّة على قدامى المحاربين الأميركيّين. وارتبط الأشخاص المتشائمون جداً بتيلوميرات أقصر، وهو اكتشاف مشجّع آخر في دراسة تلك الآليّات التي تجعل التفاؤل والتشاؤم مؤثّرين على المستوى البيولوجيّ.

 

هكذا نتدرّب على التفاؤل

يُعتقد أنّ التفاؤل محدّد وراثيّاً لدى 25 في المئة فقط من السكان. أمّا بالنسبة إلى الباقي، فهو نتيجة العلاقات الاجتماعيّة أو الجهود المتعمّدة لتعلّم المزيد من التفكير الإيجابيّ. في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز"، أوضح روزانسكي، طبيب القلب في نيويورك، أنّ "طريقة تفكيرنا اعتياديّة وغير واعية، لذلك تكمن الخطوة الأولى في أن نتعلّم السيطرة على أنفسنا عندما تهاجمنا الأفكار السلبيّة ونلزم أنفسنا بتغيير الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا. يجب أن ندرك أنّ طريقة تفكيرنا ليست بالضرورة الطريقة الوحيدة للنظر إلى الموقف. هذه الفكرة وحدها يمكن أن تقلّل من التأثير السّامّ للسلبيّة". بالنسبة إلى روزانسكي، يمكن تدريب التفاؤل، مثل العضلة، ليصبح أقوى من خلال الإيجابيّة والامتنان، لاستبدال الفكر السلبيّ غير العقلاني بفكر إيجابيّ وأكثر عقلانية.

في حين أنّ الآليّات الدقيقة لا تزال قيد التحقيق، تشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أنّ التفاؤل يلعب دوراً مهماً في تعزيز الصحّة الجسديّة والعقليّة. ويمكن أن تكون تنمية نظرة إيجابيّة أداة قويّة لتعزيز المرونة وإدارة التوتّر وربّما حتى تعزيز طول العمر. "من خلال تبنّي ممارسات تغذّي التفاؤل، نستطيع تمكين أنفسنا من التغلّب على تحدّيات الحياة بقوة أكبر وعيش حياة أكثر صحّة وسعادة".

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
لبنان 4/15/2026 6:55:00 PM
 تمّ إخلاء الفندق من النزلاء كإجراء احترازي...
مجتمع 4/15/2026 12:28:00 PM
"أقدمت على قتل طفلَيها خنقاً بواسطة وسادة أثناء تواجدهما على سريرها داخل منزلها في محلة صحراء الشويفات"