تعرف التلاسيميا بفقر دم البحر الأبيض المتوسط لارتفاع معدلاتها في المنطقة. اضطراب الدم الوراثي هذا ينعكس مباشرة على أسلوب عيش المرضى الذين يعانونه، ولو بدرجات متفاوتة بسبب حدة المرض. ففي كل الحالات، لا يتوافر حتى اللحظة علاج لهؤلاء المرضى، فهم مضطرون إلى التعايش مع حالتهم مع كل ما يترتب عنها من فقر في الدم أو نقل دم وغيرها من التداعيات الصحية التي ترافقهم طوال حياتهم. لكن يأتي الإنجاز الجديد للمرحلة الثالثة لدراسة Energize الرائدة الخاصة بالدواء الفموي الجديد والأول Mitapivat التي قادها البروفسور في وحدة أمراض الدم والأورام في قسم الطب الباطني والاستشاري في مركز الرعاية الدائمة للتلاسيميا في لبنان الدكتور علي طاهر الذي يتمتع بخبرة واسعة في مجال التلاسيميا، ليعيد الأمل إلى هؤلاء المرضى بتحسين نوعية حياتهم. في حديثه مع "النهار العربي" يؤكد أهمية هذه الخطوة الرائدة بالنسبة للمرضى المصابين بالتلاسيميا التي لا تعتمد على نقل الدم أو التلاسيميا الوسطى.
كيف تتفاوت حدة التلاسيميا بحسب الحالات؟
التلاسيميا فقر دم وراثي يتم تناقله من الآباء إلى الأبناء عبر الجينات. فإذا كان الوالدان يحملان سمة نسبة ولادة طفل مصاب بالتلاسيميا هي 25 في المئة في كل حمل. علماً أن التلاسيميا نوعان ألفا وبيتا، لكن تعتبر التلاسيميا بيتا منتشرة أكثر في منطقتنا. ويشير طاهر إلى أن التلاسيميا يمكن أن تكون بدرجات ثلاث:
- كبرى ويحتاج عندها من يصاب بها إلى نقل دم مستمر بعد أشهر قليلة من ولادته وحتى وفاته. هذا، وفي حال عدم نقل الدم له كل شهرين أو 3 يفارق الحياة.
- في حالة التلاسيميا الصغرى لا تكون هناك حاجة إلى نقل الدم بل إن الشخص المعني يحمل السمة ولا تكون هناك مشكلة إلا إذا تزوج ممن يحمل السمة أيضاً فيصل احتمال ولادة طفل مصاب إلى 25 في المئة.
- في حالات التلاسيميا الوسطى التي تمثل أكثر من نصف الحالات البارزة سريرياً من مرضى التلاسيميا، يعاني المريض دوماً فقر دم لكنه لا يحتاج إلى نقل الدم إلا في حالات معينة كما في حال الخضوع لجراحة أو في حال الحمل والولادة أحياناً أو في حال التغيير في الشكل، كما يحصل أحياناً من ضمن تداعيات المرض. عموماً، ثمة مشكلة أساسية في حال الإصابة بتلاسيميا متوسطة، هناك مشكلات كثيرة تؤثر على أسلوب العيش. حتى أن المريض قد يكون أكثر عرضة للإصابة بتجلطات وتقرحات في القدمين وانسداد في الشريان الرئوي. على الرغم من ذلك، يشير طاهر إلى عدم وجود دراسات كثيرة تتناول التلاسيميا الوسطى بما أنها لا تستدعي نقل الدم باستمرار، وإن كانت مستويات الهيموغلوبين تنخفض فيها ويعاني المريض فقر الدم، ونقص النمو، وتراجعاً على مستوى أسلوب العيش، وصولاً إلى حالة الاكتئاب التي قد يكون المرضى في هذه الحالة أكثر عرضة لها. لذلك هم بأمس الحاجة إلى ما يحسّن نوعية حياتهم، ومن هنا انطلقت دراسة Energize التي تهدف إلى تحسين نوعية حياة هؤلاء المرضى وإلى رفع مستويات الهيموغلوبين لديهم. لذلك، هي توفر أملاً جديداً لهم مع إنجاز المرحلة الثالثة العالمية لها وبعد إنجاز أول تجربة سريرية لها على مرضى التلاسيميا من مختلف الأنماط الجينية لإثبات فاعلية الدواء على حالات فقر الدم، حيث نجحت في زيادة مستويات الهيموغلوبين لتجنب مضاعفات المرض، وفي تحسين نوعية الحياة، كما تم قياسها بواسطة مجموعة نقاط FACIT-Fatigue. والنتائج الإيجابية هذه تعد بالاعتماد على الدواء الفموي Mitapivat، الذي يعتبر أول العلاجات الفموية المتاحة لمرضى التلاسيميا ألفا وبيتا، لرفع مستويات الهيموغلوبين بدلاً من الاعتماد على نقل الدم. علماً أن هذه الدراسة أجريت بين المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت ومركز الرعاية الدائمة لتشكل تقدماً مهماً في أبحاث التلاسيميا.

متى يصبح العلاج الفموي قيد التداول؟
من المفترض تقديم نتائدج الدراسة أمام الهيئات الصحية الرسمية كالFDA والEMEA ليحصل على الموافقة ويصبح من الممكن استخدامه خارج إطار الدراسة العلمية والتجارب السريرية. علماً أن الدراسة أجريت على 194 مريضاً وفق المعايير العملية المطلوبة في الدراسات لتأكيد فاعليته وإمكان تحقيق الأهداف المرجوة، وكونه من العلاجات الآمنة التي لا آثار جانبية لها. وهذا ما أثبت بالفعل على أثر الدراسة التي أجريت مع متابعة خلال 24 أسبوع. أما في المرحلة المقبلة، فمن المفترض متابعة الحالات والتحقق من الأسباب التي أدت إلى ظهور فاعلية كبرى لدى قسم من المرضى بالمقارنة مع استجابة أقل لمرضى آخرين، حتى يجري العمل على تحسين النتائج أكثر بعد.
هذا، فيما يؤكد طاهر أنه بطبيعة الحال من المفترض بالمريض أن يتناول هذا الدواء طوال الحياة لتتحسن نوعية حياته ويتجنب كل المضاعفات الناتجة من المرض، وبما أن التلاسيميا مرض وراثي لا بد من التعايش معه مدى الحياة.
نبض