طلاق الوالدين ... لماذا يتألّم الأبناء البالغون أيضاً؟
عندما ينفصل الوالدان، يُفترض غالباً أن يكون الأبناء البالغون أكثر قدرة على تقبّل القرار مقارنةً بالأطفال.
لكنَّ الواقع أكثر تعقيداً، فحتى بعد سنوات من الاستقلال، يبقى الابن أو الابنة جزءاً من العائلة التي عرفها طوال حياته، وقد يشعر بأنَّ الطلاق يضع حدّاً نهائياً لصورة اعتادها.

فقدان "البيت" القديم
الاعتقاد بأنَّ طلاق الوالدين لا يُؤّثر في الأبناء، لأنَّهم أصبحوا راشدين، ليس إلا خرافة شائعة. ويزداد هذا الموضوع أهمية مع ارتفاع حالات الطلاق المتأخّر أو "الطلاق الرمادي" أيّ الانفصال بعد سنّ الخمسين.
ففي الولايات المتّحدة، ارتفعت النسبة التي تشمل أشخاصاً في سنّ الـ 50 عاماً وما فوق من 8.7% عام 1990 إلى 36% عام 2019.
قد يشعر الأبناء البالغون بالغضب، الذنب والقلق أو حتى بالتخلّي، كما قد يجدون أنفسهم عالقين بين الوالدين أو مطالبين باتّخاذ موقف إلى جانب أحدهما.
كذلك، فإنَّ سنوات العيش ضمن عائلة واحدة تجعل الخسارة مختلفة؛ فهناك ذكريات وتوقّعات طويلة عن شكل الأسرة في المستقبل قد لا تتحقّق.
ولا يقتصر الأمر على المشاعر، إذ قد يضطر الابن إلى تحمّل أعباء إضافية، كالتوسّط بين الوالدين خلال المناسبات العائلية ومساعدتهما مالياً وصحياً، خصوصاً إذا أصبحا وحيدين في سنواتهما المتقدّمة.
وقد يُضيف تحمّل هذه الأعباء عبئاً نفسياً إضافياً على الأبناء، إذ قد يكون القلق والاكتئاب أكثر شيوعاً بينهم، ولا سيّما عندما يلجأ الوالدان إليهم لتحمّل مشكلاتهما وأعبائهما.
الحدود تحمي العلاقة
يمتد أثر الطلاق أيضاً إلى نظرة الأبناء إلى الارتباط والزواج، إذ يُمكن أن يُثير تفكّك علاقة استمرّت عقوداً شكوكاً حول قدرتهم على الالتزام بعلاقة طويلة الأمد.
وتُبيّن دراسات حديثة أنَّ بعض الذين لم يختبروا نموذجاً صحياً للتواصل وحلّ الخلافات قد يُواجهون صعوبات أكبر في علاقاتهم الخاصة.
ولِتخفيف هذه الآثار، ينصح الخبراء باللّجوء إلى العلاج النفسي أو مجموعات الدعم عند الشعور بأنَّ الطلاق بدأ يؤثّر في الحياة اليومية، النوم أو العلاقات.

كذلك يُشدّدون على ضرورة وضع حدود واضحة مع الوالدين بشأن تفاصيل الطلاق، تقديم الرعاية وإدارة المناسبات العائلية.
أمّا في ما يتعلّق بشركاء الوالدين الجدد، فلا يتعيّن على الابن البالغ بناء علاقة معهم فوراً، بل يُمكنه تحديد ما يُريد معرفته وما يُفضّل تجنّبه، كما اختيار الوقت المناسب للتعارف.
وإذا كان لديه أطفال، فيُفضّل التمهّل أيضاً، لأنَّ ارتباط الطفل بشريك جديد للجدّ أو الجدّة، ثمَّ انفصاله عنه قد يُضيف تجربة فقدان أخرى.
أثر الطلاق على الأطفال
تُشير الاختصاصية في علم النفس والإرشاد المدرسي، كريستينا الحاموش، إلى أنَّ انفصال الوالدين قد ينعكس بصورة مباشرة على النموّ العاطفي والمعرفي لدى الأطفال، ولا سيّما أنَّ بعضهم يكون أكثر تعلّقاً بأحد الوالدين، ما يجعل تجربة الانفصال أكثر صعوبة عليهم.
تظهر هذه التداعيات في صورة اضطرابات في فترات النوم أو الأكل، إضافةً إلى القلق، الخوف والشعور بعدم الأمان، كما قد يُحمّل الطفل نفسه مسؤولية ما حدث، فيعتقد أنَّ ذلك حصل بسببه، وهو ما يزيد من اضطرابه النفسي.

تُشدّد الحاموش على أهمية الحفاظ على تواصل فعّال ومستمر مع أحد الوالدين على الأقلّ، وفقاً للشخص الذي يشعر معه بالراحة والأمان مع ضرورة إبعاد الخلافات الزوجية عنهم.
فالأطفال، مهما كانت أعمارهم، ليسوا طرفاً في الصراع، ولا ينبغي تحميلهم تفاصيله أو وضعهم بموقع الحكم.
تُحذّر أيضاً من إطلاعهم على الأسباب الدقيقة للانفصال مثل الخيانة الزوجية، لأنَّ هذه التفاصيل قد تُزعزع شعورهم بالاستقرار والأمان وتُزعزع لاحقاً قدرتهم على بناء علاقات عاطفية سليمة.
في هذه المرحلة، يحتاج الطفل قبل أيّ شيء إلى أن يشعر بأنَّ والديه ما زالا مصدر حماية وأمان، حتى لو لم تعد الأسرة تعيش في منزل واحد.
نبض