هل التكنولوجيا جعلت القاتل أكثر تحكماً بالفعل... أم أكثر بعداً عن فهم أثره الحقيقي؟

صحة وعلوم 26-06-2026 | 06:02

هل التكنولوجيا جعلت القاتل أكثر تحكماً بالفعل... أم أكثر بعداً عن فهم أثره الحقيقي؟

ما تأثير التكنولوجيا على سلوك القاتل؟ هل زادت من تحكمه في أفعاله أم أنها جعلته أكثر بعدًا عن إدراك العواقب الحقيقية لما يقوم به.
هل التكنولوجيا جعلت القاتل أكثر تحكماً بالفعل... أم أكثر بعداً عن فهم أثره الحقيقي؟
موجّه المسيّرات. (تعبيرية - فريبيك)
Smaller Bigger

يبدأ صباحه كصباح الناس العاديّين، لكنّه يعيش حياةً مزدوجة بين عالمين لا يلتقيان علناً، لكن يتقاطعان في داخله بشكلٍ معقّد. هو أبٌ وزوجٌ يقوم بتفاصيل الحياة والواجبات اليومية في منزله، يتناول الفطور مع عائلته، يتبادلون الأحاديث، ويغمر أطفاله بدفء قبل ليمنح يومه معنى إنسانيّاً، قبل مغادرة المنزل. يغادر وكأنّه متّجه إلى وظيفة اعتيادية، تنتهي بانتهاء دوام العمل. لكن آثار هذه الوظيفة لا تنتهي مدى الحياة.

في مكان عمله، يدخل هذا العسكري إلى غرفة مليئة بالشاشات والتقنيات، حيث تُعرض أمامه مشاهد وأهداف بعيدة جغرافياً تتجاوز حدود بلده، لكنّها أقرب ممّا تكون إليه بصرياً وكأنّه يقف عند موقع الهدف. لكن المفارقة أنّه يتواجد في موقع آمن لكن بعيد عن الإحساس بما يقوم به. فهنا تُدار عمليات معقّدة عبر أدوات تكنولوجية متقدمة، تمنحه القدرة على التأثير في واقع بعيد دون أن يكون موجوداً فيه جسدياً، تماماً كما لو كان يلعب بألعاب الفيديو. وعند إتمامه المهام المطلوبة، يعود إلى بيته، حيث يحضن أطفاله ويخلد للنوم، بانتظار مهام جديدة.



خاص النهار.
خاص النهار.


كيف يعيش حياة أسرية طبيعية بعد يوم عمل كهذا؟ هل جعلته التكنولوجيا أكثر تحكماً بالفعل، أم أكثر بعداً عن فهم أثره الحقيقي؟

هذا التحوّل بين العالمين يفتح باباً واسعاً على سؤال أكبر: كيف يتعامل الإنسان مع الفعل حين يصبح وسيطاً بالتكنولوجيا، لا مواجهة مباشرة؟ هنا تظهر فكرة "التبلّد الحسي" أو desensitization، بحسب ما يصفا المعالج النفسي والمستشار لدى منظمة "أطباء بلا حدود"، الدكتور ماريو عبود، في حديث إلى "النهار"، حيث التعرض المتكرر لمشاهد العنف، سواء عبر ألعاب الفيديو أو الوسائط الرقمية أو بيئات العمل الحديثة، قد يؤدي إلى انخفاض تدريجي في الاستجابة العاطفية تجاهها.

ألعاب الفيديو مثل PUBG وCall of Duty وCounter-Strike أصبحت جزءاً من الثقافة البصرية لجيلٍ كامل، يوضح عبود، فطفل في سن صغيرة قد يتعرّض منذ سنواته الأولى لصور محاكاة العنف، ما يجعل الدماغ يطبع هذه المشاهد ضمن سياق "اللعب" أو "التجربة الافتراضية". ومع مرور الوقت، تتراكم هذه الخبرة لتخلق نوعاً من التطبيع مع فكرة العنف، حتى لو كان افتراضياً.

في السياق المهني الأكثر تقدماً، حيث يتم التحكم عن بُعد بوسائل تقنية، قد يشعر البعض بأن ما يقومون به أقرب إلى "مهمة رقمية" منه إلى فعل مباشر. إذ يوضح عبود أنّ هذا الفصل النفسي بين الفعل والنتيجة يمكن أن يخلق مسافة داخلية تسمح بالاستمرار في الأداء، لكنه في الوقت نفسه يفتح باباً على تفسيرات مختلفة، فهناك مَن يرى في ذلك واجباً مهنياً أو امتداداً لقناعة أيديولوجية أو دفاعاً عن أرضه، ما يعزز الشعور بالمعنى أو حتى بالرضا الداخلي، بينما قد يختبر آخرون صراعاً أخلاقياً عميقاً. والأمر هنا يعود إلى بنية الشخص النفسية، فهناك أشخاصاً قريبون في مسرح الجريمة ولا يتأثرون. وبحسب عبود، عادة ما يبرّر المجرم لنفسه ارتكابه للجريمة، لكن أيضاً، عدم وجود القاتل على مسرح الجريمة قرب الضحية ورؤية الدم والدمار، قد يخفف من تأثير الجريمة عليه. 

هنا تظهر أهمية الفروق الفردية. فليس كل شخص يتفاعل مع هذا النوع من التجارب بالطريقة نفسها، يؤكّد عبود. بعضهم قد يطوّر تبريرات داخلية لسلوكياته، مثل الإيمان بأنه يواجه "عدواً" أو يؤدي "واجباً ضرورياً"، بينما قد يعاني آخرون من توتر وإحباط نفسي وإحساس بالذنب، عندما تتعارض الأفعال مع القيم والمبادئ الداخلية والإنسانية. فالتكنولوجيا لم تغيّر فقط أدوات الحرب أو العمل، بل غيّرت أيضاً المسافة النفسية بين الفعل والنتيجة، وبين الإنسان ووعيه الأخلاقي. 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 6/24/2026 9:19:00 PM
مثل اليوم الأربعاء أمام محكمة بانكستاون في أستراليا لنفي اتهامات تتعلق بقضية عنف أسري.
شمال إفريقيا 6/23/2026 10:35:00 PM
بعد سنوات من الجدل القضائي... تنفيذ حكم الإعدام بحق "فتاة بورسعيد"