ديبلوماسية الباندا... حين يتكلم الحيوان النادر لغة السياسة
في عشاء رسمي ببكين، في شباط/فبراير 1972، تحول حديث عابر للسيدة الأميركية الأولى باتريشيا نيكسون عن ولعها بالباندا العملاقة أمام رئيس الوزراء الصيني تشو إنلاي إلى واحدة من أشهر لحظات الديبلوماسية الناعمة في القرن العشرين. فبعد أسابيع، وصلت أنثى الباندا "لينغ لينغ" وذكر الباندا "هسينغ هسينغ" إلى حديقة الحيوان الوطنية في واشنطن، هدية من بكين إلى الشعب الأميركي، مع بدايات التقارب بين البلدين بعد عقود من القطيعة.

ويعد ذلك المشهد محطة بارزة في ما يعرف بـ"ديبلوماسية الباندا"، إذ تستخدم الصين هذا الحيوان النادر، المتوطن في أراضيها، رمزاً للصداقة وحسن النية، وأحياناً مؤشراً ناعماً على طبيعة علاقاتها مع الدول المضيفة. ورغم أن جذور هذا التوظيف تعود إلى روايات قديمة من عصر أسرة تانغ، فإن صيغته الحديثة بدأت بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، ثم انتقلت منذ 1984 من الهدايا الدائمة إلى الإعارات طويلة الأجل، مع بقاء ملكية الباندا وصغارها للصين.

بين الحفظ والقوة الناعمة
من هذه الزاوية، يرى الدكتور محمد زريق، الباحث في العلاقات الدولية والمتخصص في السياسة الخارجية الصينية والقوة الناعمة، وصاحب الورقة البحثية "القوة الناعمة الصينية: دراسة حالة ديبلوماسية الباندا"، أن هذه الديبلوماسية تقف عند تقاطع البيئة والسياسة، فهي ليست برنامجاً للحفاظ على نوع مهدد فقط، ولا أداة رمزية مجردة، بل مزيج من الاثنين.
ويوضح زريق، في تصريحات لـ"النهار"، أن ديبلوماسية الباندا تدعم برامج التكاثر والأبحاث والتعاون البيطري والتعليم العام، لكنها تمنح الصين أيضاً رمزاً ثقافياً شديد التأثير، إذ تعد الباندا "أيقونة مشحونة عاطفياً" قادرة على توليد مشاعر إيجابية تجاه الصين، بطريقة قد لا تحققها الديبلوماسية الرسمية دائماً.
ومع ذلك، لا ينفي زريق البعد السياسي لحركة الباندا، إذ يرى أن إرسالها أو تجديد إعارتها أو عودتها قد يعكس أحيانا مستوى الثقة أو الدفء أو البرود في علاقة بكين بالدولة المضيفة، أو يكشف عن اهتمام استراتيجي صيني بعلاقة معينة. لكنه يشدد في المقابل على أن الباندا لا تصنع مسار العلاقات الخارجية بقدر ما تكشف المناخ الذي تتحرك داخله.
وفي سياق العلاقات العربية الصينية، يتوقف زريق عند حالة قطر، معتبرا أن استقبال الدوحة للباندا "سهيل" و"ثريا" شكّل بوابة رمزية لديبلوماسية الباندا الصينية في العالم العربي والخليج. فقد جاء وصولهما قبيل كأس العالم 2022 في لحظة كانت قطر تستقبل فيها أنظار العالم، ما منح اللفتة الصينية بعداً دولياً، وربطها بصورة أوسع عن التقارب بين بكين والمنطقة العربية.
وأشار إلى أن الحالة القطرية تنسجم مع سياسة صينية أوسع تجاه الشرق الأوسط والخليج، تقوم على تداخل أربعة أعمدة رئيسية: الطاقة، والبنية التحتية، والثقافة، والديبلوماسية العامة.
لماذا الباندا تحديدا؟
وأوضح الحسيني، خلال حديثه لـ"النهار"، أن هذه الخصوصية جعلت الباندا أقرب إلى "علامة وطنية" للصين، على نحو يشبه ارتباط الكنغر في أستراليا أو الدب بروسيا.
وتقول بيانات رسمية صينية إن عدد الباندا العملاقة في البرية داخل الصين يقترب من 1900، فيما بلغ عددها في الأسر عالمياً 757 حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
وأضاف أن جاذبية الباندا لا تقوم على الندرة وحدها، بل على صورتها البصرية أيضاً. فهي تبدو حيوانا هادئاً، ودوداً، وغير عدائي، وهي صورة تساعد الصين على تقديم نفسها كقوة صاعدة تتحرك بثبات وهدوء، من دون أن تبدو هجومية أو صدامية.
وأشار الحسيني إلى أن قيمة الباندا الرمزية تكمن كذلك في قدرتها على الوصول إلى الجمهور العام، لا إلى الحكومات فقط. فشكلها اللطيف وحضورها القريب من الأطفال والعائلات يجعلانها سهلة التداول في الإعلام وحدائق الحيوان والمنتجات الثقافية، بما يحولها إلى وسيلة ناعمة لبناء الألفة مع الصين.
في النهاية، لا تبدو ديبلوماسية الباندا مجرد قصة عن حيوان محبوب، بل عن أصل رمزي تديره بكين بعناية. فهي لا تغير موازين القوى، ولا تحسم الخلافات الكبرى، لكنها تمنح الصين لغة ودية ومحببة تخاطب الجمهور، وتترك في الوقت نفسه مساحة واسعة لقراءة الرسائل السياسية خلف الوداعة.
نبض