من الدنمارك إلى اليابان ... هكذا يحسم العلم الجدل في علاقة اللقاحات بطيف التوحد

صحة وعلوم 14-01-2026 | 14:10

من الدنمارك إلى اليابان ... هكذا يحسم العلم الجدل في علاقة اللقاحات بطيف التوحد

ماذا حدث في اليابان عندما أُوقِف لقاح  MMR؟ إلامَ خلصت التحليلات الشمولية واللجان العالمية المستقلّة؟ ولماذا تُعدّ بعض الرسوم البيانية المنتشرة مثالاً مدرسياً على الترابط الظاهري، أو العلاقة الارتباطية الظاهرة، بما يخدع العين ولا يقنع العلم؟
من الدنمارك إلى اليابان ... هكذا يحسم العلم الجدل في علاقة اللقاحات بطيف التوحد
صورة تعبيرية
Smaller Bigger

تتكرّر بين الحين والآخر موجاتٌ من المنشورات ومقاطع الفيديو التي تزعم أن اللقاحات، خصوصاً لقاحات الحصبة، والنكاف، والحصبة الألمانية (MMR)، تُسبّب اضطراب طيف التوحّد. وفي أغلب الأحيان، تُقدَّم هذه المزاعم بأسلوبٍ عاطفي يستغلّ القلق الطبيعي لدى الأهل على أطفالهم، ثم تُدعَّم برسوم بيانية (مبهرة) أو اقتباساتٍ مجتزأة تُوحي بوجود إثبات علميّ، بينما تغيب عنها المعايير الأساسية للبحث العلمي.


المشكلة هنا ليست في اختلاف الآراء، بل في أن هذا النوع من الخطاب يحوّل قضية صحّة عامة إلى ساحة تشويش قد تنتهي بقرارٍ خطير: الامتناع عن التطعيم، ثمّ عودة أمراضٍ معدية شديدة كانت برامج التحصين قد خفّضت عبئها عالمياً بشكلٍ هائل.
ولأن النقاش العلمي لا يُحسم بالمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا بالمقاطع القصيرة، ولا بالانطباعات، بل بالوزن التراكمي للأدلة، فإن هذا المقال يقدّم قراءة صحافيّة علميّة مبسّطة، ولكن دقيقة: ماذا تقول أكبر الدراسات السكانية؟ ماذا حدث في اليابان عندما أُوقِف لقاح MMR؟ إلام خلصت التحليلات الشمولية واللجان العالمية المستقلة؟ ولماذا تُعدّ بعض الرسوم البيانية المنتشرة مثالاً مدرسياً على الترابط الظاهري أو العلاقة الارتباطية الظاهرة، بما يخدع العين ولا يقنع العلم؟


كيف بدأت (الخرافة) علمياً؟ ورقة واحدة ثم سُحِبت:
يستند كثيرٌ من محتوى التضليل إلى قصةٍ بدأت عام 1998، حينما نُشرت ورقة في مجلة The Lancet، وزعمت وجود ارتباط بين لقاح MMR والتوحّد. لاحقاً، تبيّن أن هذه الورقة مشوبة بمشكلاتٍ أخلاقية ومنهجية جسيمة، وانتهى الأمر  بسحبها رسمياً من المجلة، مع توثيقٍ واسع لكونها مثالاً كلاسيكياً لكيف يمكن لادّعاء ضعيف أن يصنع ضجيجاً يفوق الحقيقة العلمية، ثمّ يدفع المجتمعات لسنواتٍ إلى مطاردة سراب.
هذه القصة ليست تفصيلاً تاريخياً عابراً، بل درسٌ منهجي أساسي: العلم لا يقف عند ورقة واحدة، بل يختبر الادعاء عبر دراساتٍ مستقلّة، وعلى عيناتٍ ضخمة، وبتصميماتٍ صارمة، وفي بلدانٍ مختلفة، وعندها فقط يتكوّن الحكم العلمي.


ماذا تقول أكبر الدراسات السكانية؟ الدنمارك نموذجاً:
عند اختبار سؤالٍ مثل: "هل يزيد لقاح MMR خطر التوحّد؟"، فإن أقوى التصاميم البحثية تكون في الدراسات السكانية الضخمة، التي تتابع مئات الآلاف من الأطفال، وتقارن الملقّحين بغير الملقّحين، مع ضبط عوامل التحيّز قدر الإمكان.
في هذا السياق، تبرز الدراسة الدنماركية الكبرى المنشورة عام 2019، والتي تابعت أكثر من 650 ألف طفل ضمن دراسة حشدية وطنية واسعة. خلصت هذه الدراسة بوضوح إلى أن لقاح MMR غير مرتبط بزيادة خطر التوحّد، ولا يدعم فكرة أنه يُطلق الاضطراب لدى الأطفال المعرّضين وراثياً.
ولمن يظن أن هذه النتائج وليدة السنوات الأخيرة فقط، فإن دراسة دنماركية سابقة نُشرت في مجلة "نيو إنغلاند" الطبية (New England Journal of Medicine)، التي تابعت أكثر من نصف مليون طفل، خلصت هي الأخرى إلى عدم وجود أي ارتباط بين تلقّي لقاح MMR وتشخيص التوحّد.
عندما تتكرر النتيجة نفسها عبر الزمن، وباستخدام تصميمات مختلفة، وعلى عيناتٍ ضخمة، يصبح الادّعاء المعاكس بحاجة إلى دليلٍ أقوى بكثير من شهادةٍ فردية أو رسمٍ بياني.
اليابان - التجربة التي لا يمكن تجاهلها:
من أقوى ما تقدّمه الصحة العامة ما يُعرف بـ "التجارب الطبيعية". ففي اليابان، أُوقِف استخدام لقاح MMR عام 1993. ولو كان اللقاح سبباً رئيسياً لزيادة التوحّد، لتوقّعنا، منطقياً وإحصائياً، انخفاضاً واضحاً في معدلات التشخيص بعد الإيقاف.
لكن ما أظهرته دراسة سكانية شاملة، تابعت سكاناً بالكامل في منطقة من يوكوهاما، هو أن معدلات تشخيص التوحّد استمرت بالارتفاع حتى بعد سحب اللقاح، بل إن الزيادة تواصلت عبر سنوات لاحقة.
هذه النتيجة تقوّض الفرضية السببية من أساسها: عندما يغيب المتّهم، ويبقى المنحنى في صعود، فهناك تفسير آخر يجب البحث عنه.
عندما يلخّص العلم نفسه: التحليلات الشمولية ولجان الخبراء:
قد يقول البعض إن هناك دراسات متفرقة تلمّح إلى علاقة ما. لهذا السبب تحديداً وُجدت التحليلات الشمولية (Meta-analyses)، التي تجمع أفضل الدراسات المتاحة وتقيّمها وفق معايير موحّدة للجودة والتحيز.
ومن أبرز هذه التحليلات دراسة منشورة عام 2014 في مجلة Vaccine، خلصت إلى أن اللقاحات، بما فيها لقاح MMR، وكذلك المكوّنات، التي دار حولها جدل مثل الثيميروسال،  ليست مرتبطة بالتوحّد؛ ذلك بعد تحليل شامل لدراسات حشدية ودراسات حالات شواهد عالية الجودة.
على مستوى اللجان المستقلة، خلص تقرير Institute of Medicine إلى أن الأدلة العلمية المتاحة تدعم رفض العلاقة السببية بين لقاح MMR والتوحّد.
أخيراً، أكدت اللجنة العالمية لسلامة اللقاحات التابعة لمنظمة الصحة العالمية، بعد مراجعة عشرات الدراسات المنشورة بين 2010 و2025، عدم وجود أيّ رابط سببي بين اللقاحات واضطرابات طيف التوحّد، مجدّدةً الاستنتاجات السابقة بشأن الثيميروسال والألمنيوم.
لماذا لا تُحسم الحقيقة بصفحة ويب أو موقع تواصل اجتماعي؟
في خضم هذا الجدل، أثارت تحديثات جديدة على صفحات إلكترونية تابعة لبعض المؤسسات الصحية نقاشاً واسعاً بين العلماء والخبراء، لأنها بدت كأنها تبتعد عن ما استقرّت عليه عقود من الدراسات الوبائية واسعة النطاق.
لكن المعيار العلمي الحقيقي لا يُقاس بتغيّر صياغة صفحة إلكترونية، بل بالأدلة المحكمة، والتحليلات الشمولية، ومراجعات اللجان المستقلّة. وعندما تعود الهيئات العلمية الدولية لتؤكد استنتاجاتها بعد مراجعات جديدة، فإن الرسالة العلمية تكون واضحة: العلم لا يتغيّر بالضجيج.
كيف تخدعنا الرسوم البيانية؟
من أكثر أساليب التضليل شيوعاً رسمُ خطّين صاعدين على المخطط نفسه: ارتفاع تشخيص التوحّد عبر السنين، وارتفاع عدد اللقاحات أو الجرعات، ثمّ الإيحاء بأن أحدهما يسبّب الآخر لمجرد أنهما يصعدان معاً.
هذا مثال مباشر على ما يُعرف إحصائياً بـالترابط الظاهري، حيث قد يرتفع متغيران في الحقبة الزمنية نفسها لأسباب مستقلة تماماً، مثل تغيّر معايير التشخيص، وزيادة الوعي، وتحسّن أنظمة التسجيل، من دون أن يكون أحدهما سبباً للآخر.
فالعلم لا يعتمد على تشابه المنحنيات، بل يسأل: هل توجد مقارنة عادلة بين مجموعات؟ هل ضُبطت عوامل التشخيص؟ هل تتكرر النتيجة في دول وثقافات مختلفة؟ وعندما نعود إلى هذا المستوى من التحليل، نجد أن الدليل الأقوى، من الدنمارك إلى اليابان، ينفي الارتباط السببي.
لماذا يتكرر التضليل رغم وضوح الأدلة؟
لأن التوحّد اضطرابٌ معقّد متعدد العوامل، يميل بعض الناس - تحت ضغط القلق والرغبة في تفسير سريع - إلى تبنّي تفسيرٍ واحدٍ سهل، حتى لو كان غير صحيح. وتساهم خوارزميات المنصات الرقمية في تضخيم الروايات الصادمة المختزلة، على حساب الخطاب العلمي المتزن القائم على تراكم الأدلة.
 
الخلاصة التي لا لبس فيها، وفق أكبر الدراسات السكانية، والتحليلات الشمولية، وتقييمات اللجان الدولية المستقلة، هي أن اللقاحات لا تُسبّب اضطراب طيف التوحّد. إن تحويل القلق المشروع لدى الأهل إلى قناعةٍ خاطئة مبنية على معلومات مضللة قد يقود إلى قراراتٍ خطيرة، أبرزها الامتناع عن التطعيم، وما يرافق ذلك من عودة أمراضٍ معدية شديدة كان العالم قد نجح في كبحها عبر برامج التحصين.
في العالم العربي، كما في بقية أنحاء العالم، لا تكمن المشكلة في نقص الوعي، بل في فيض المعلومات غير المنقّحة، وسرعة تداول الرسائل العاطفية التي تتفوّق في انتشارها على الخطاب العلمي. من هنا، تصبح المسؤولية المعرفية مشتركة بين المختصين ووسائل الإعلام وصنّاع المحتوى، تقوم على مبدأ واضح: مواجهة المعلومة المضللة بلغة مفهومة، وبأدلة منشورة، وبميزانٍ علمي لا يتغيّر بتغيّر الضجيج.
فحماية الطفل العربي لا تبدأ بإثارة الخوف، بل بترسيخ الثقة بالعلم القائم على الدليل، وبالفصل الواضح بين القلق الإنساني المشروع، والادعاءات التي لم تصمد أمام اختبار البحث العلمي عبر القارات والثقافات.

 

الدكتور عادل عبد الرحمن الصالحي

استشاري علوم العلاج النفسي والعصبي - مركز البحوث النفسية
هيئة البحث العلمي/  بغداد - العراق

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/19/2026 1:19:00 PM
علمت "النهار " أن فرنسا ستساعد الجيش اللبناني على وضع استراتيجية يقدمها للمؤتمر، لا تشمل فقط لائحة معدات وتمويل ولكن استراتيجية لنزع السلاح في كل البلد 
المشرق-العربي 1/18/2026 10:56:00 PM
تهيئة الظروف الملائمة للمشاريع الاقتصادية والتنموية.
المشرق-العربي 1/19/2026 5:12:00 AM
اشتباكات عنيفة بين "قسد" والجيش السوري في محيط سجن الأقطان بالرقة.
المشرق-العربي 1/19/2026 12:16:00 PM
المخابرات التركية كانت على تواصل مع الولايات المتحدة والحكومة السورية قبل إبرام الاتفاق.