.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في ربيع عام 2023، شنت قناة "فوكس نيوز" حملة ضد النسخة التي أطلقتها شركة "ليغو" نسخة من ألعابها التركيبية، لأنها تضمنت إمكانية تركيب شخصيات تعاني إعاقات جسدية كالأطراف المبتورة أو التي تتحرك على كرسي مدولب، وأخرى مصابة بالـ "منغوليزم" [متلازمة داون]، وثالثة تعاني التوحد أو اضطراب "قصر الانتباه وفرط النشاط الحركي" واختصاراً "إيه دي آتش إس". ولم يكن ذلك بعيداً من نقاش مماثل عن التغيير في نسخ لعبة "باربي" الشهيرة التي انتقد فيلمها في ذلك العام نفسه بأنه يروّج للمثلية والهويات الجنسية غير التقليدية، أو مجتمع "الميم"، يندرج ضمن الذائقة الثقافية لتيار عريض مؤيد لترمب. ويحتاج ذلك إلى نقاش آخر.
لعبة اليد والخيال
استكمالاً، يعتبر النقاش عن حركة "ووك" و"باربي" و"الميم" وغيرها، من أبرز النقاشات الثقافية والسياسية التي يعايشها الجيل زد [وتشمل العودة القوية للدين] خصوصاً في الغرب، لكن ليس حصراً فيه.
ولسوف ينأى هذا المقال بنفسه عن ذلك الدخول في ذلك النقاش الذي يشير إلى الأهمية الكبرى للألعاب التي توصف بأنها تصنع "نماذج الطفولة"، على غرار لعبة "ليغو". [ينطبق الوصف على لعبة عيون الطفولة مع أشرطة الرسوم المتحركة، وكذلك الحال بالنسبة إلى الألعاب الرقمية والافتراضية]، ويعنى أن نماذج "ليغو" التي تتداولها يد الطفل الذي يقودها خياله ووعيه المتفتح تدريجياً، تُرسِّخ بصورة غير مباشرة [أو عبر تحت الوعي Subconscious، بتعبير مدرسة التحليل النفسي] الصور والتصرفات والسلوكيات والمفاهيم التي تنغرس باعتبارها نموذج عن الطبيعي.
بالتالي، يتأثر بها" كل ما يليها خلال تطور الطفل إلى مراهق ثم شاب وبالغ. وباختصار، تشكّل "نماذج الطفولة" قالباً ومسطرة ومعياراً تعمل بخفاء، وتشتغل على العالم السحري للخيال الذي يتداخل بقوة مع مسار تطور التفكير والإدراك والمعرفة.
من التقاط المكعب إلى استراتيجيات البناء
في لعبة "ليغو"، الأرجح أن التأثير يبدأ من التآزر المستمر والمتواصل بين اليد والعين، وهي بداية التطور للجهاز العصبي للإنسان، ثم للبناء المعرفي والإدراكي فيه.
وبوصف مختصر، يبدأ تأثير "ليغو" بالقدرة البسيطة لليد على الإمساك بمكعب بين الإبهام وبقية الأصابع، ثم رصفه مع مكعب آخر. ويتعزز التأثير مع تنامي العلاقة بين الخيال والتفكير، أي تصور أشكال ثم تركيبها. ويترافق ذلك مع تطور معروف في الطفولة هو لعبة الخيال، بمعنى أن الطفل يبدأ باستعمال خياله، ويتصرف مع المتخيّل كأنه شيء موجود. ويتزامن ذلك أيضاً مع تطور في إدراكه للعب مع الآخرين [بداية من الأم والاخوة]، ما يرسم بداية لخط في تطور العلاقات الاجتماعية للطفل.
ثم يتطور الوضع، مع النمو الفكري والمعرفي للطفل، فتتفتح آفاق نقل الأفكار والصور المتخلية إلى مخططات استراتيجية [ينفذها الدماغ عبر توزيعها على خطوات متتالية في الزمان والمكان، ما يزيد النمو الإدراكي لهذين البعدين]، يعمل الطفل على صنعها في فكره، ثم يترجمها بتركيب قطع "ليغو" على نسق الخيال واستراتيجية تحويله إلى مخطط بناء واقعي.
ومع التقدم في العمر، تصبح لعبة "ليغو" محاكاة بالقطع البلاستيكية لأشياء الحياة الواقعية أو المُدركة سواء بالخيال أو بالمفاهيم المجردة. وحينها تظهر تلك التراكيب المتشابكة والمتطورة التي تعبّر عن قوة الفكر والدماغ والسيطرة على مقدرات اليد، على غرار صنع الجسور والأبنية أو الأهرامات أو صور تاريخية أو طواحين الهواء أو أشياء ربما ستكون بداية لآلات يبتكرها من وصل إلى أطراف الطفولة، حين ينتقل إلى الشباب.