ديون تونس.. كيف ينعكس تأثيرها على مستقبل العملة ومعدلات التّضخم في 2024؟
"التعويل على الذات" هدف تضعه الحكومة التونسية أمامها خلال العام الجاري لتوفير عائدات مالية لخزينة الدولة وتحسين الوضع الاقتصادي للبلاد، وذلك عبر إدماج العاملين في القطاع الموازي ومقاومة التهرب الضريبي والحصول على تمويلات مباشرة من البنك المركزي.
تونس نجحت أخيراً في سداد "كل ديونها" المستحقة عن العام الماضي، والتي كانت في حدود 11.714 مليار دينار (3.79 مليارات دولار)، وفقاً لبيانات البنك المركزي التونسي.
وعلى الرغم من ذلك، ما زالت الديون تُمثل تحدياً قوياً للحكومة التونسية خلال العام الجاري، في ضوء المطالبة بسداد نحو 4 مليارات دولار، بزيادة 40 في المئة عن 2023، وبالتزامن مع ضعف الخيارات التمويلية الخارجية المتاحة وقائمة من التحديات تؤرق المنظومة الاقتصادية.

الإجراءات الأخيرة
وشهدت المرحلة الأخيرة على صعيد إدارة الأزمة التونسية مجموعة من الإجراءات بهدف الوفاء بديونها الخارجية ومواجهة التحديات الداخلية، بداية من تصديق البرلمان التونسي على طلب حكومي للحصول على تمويل مباشر من البنك المركزي بقيمة سبعة مليارات دينار (2.25 مليار دولار)، بهدف سداد الديون الخارجية.
كما اتجهت إلى رفع أسعار مياه الشرب بنسبة تصل إلى 16 في المئة أخيراً، لمواجهة الشح المائي نتيجة جفاف السنوات الخمس الماضية.
تأثير متوقع
وفي ضوء تلك الإجراءات والديون المستحقة، يتوقع اقتصاديون وخبراء في تصريحات خاصة الى "النهار العربي" أن تنعكس الخطوات الأخيرة والخاصة بالاقتراض المباشر من طرف البنك المركزي والإجراءات الداخلية لمواجهة التحديات الاقتصادية، بالسلب على مستقبل سعر صرف الدينار التونسي ومعدلات التضخم خلال المدى المتوسط.
وأكد الخبراء أن معدلات نمو الاقتصاد التونسي من المتوقع أن تتأثر خلال العام الجاري في ضوء تلك التوجهات، وفي ظل تراجع موارد الدولة من العملة الأجنبية والتحويلات الخارجية وضعف الخيارات التمويلية المتاحة أمام الحكومة التونسية.
تخفيض التصنيف
ومع جملة التحديات المستمرة، خفضت وكالة "فيتش" تصنيف تونس في حزيران (يونيو) الماضي إلى الدرجة العالية المخاطر -CCC، في ظل الضائقة التي تواجهها البلاد ومع عدم اليقين بشأن قدرة الدولة على حشد التمويل الكافي لتلبية احتياجاتها المالية. وهو ما يراه الخبراء بمثابة تحد إضافي ويعرقل قدرة الدولة التونسية على تدفق تمويلات خارجية من مؤسسات دولية، تدعم بدورها اتخاذ خطوات إصلاحية لمواجهة التحديات الاقتصادية المتلاحقة.

تأثير مباشر على العملة والتضخم
وفي ضوء تلك التحديات، يرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية رضا الشكندالي في تصريحات خاصة الى"النهار العربي"، أن سلسلة الإجراءات الأخيرة وأبرزها اللجوء نحو الاقتراض المباشر من طرف البنك المركزي في ضوء التزامات السوقين الخارجي والداخلي، ستكون له تأثيرات بطبيعة الحال على سعر صرف الدينار التونسي وعلى التضخم المالي، وكذلك القدرة على دورية ما يلزم الاقتصاد التونسي من مواد أساسية ومواد أولية ضرورية لإنتاج الشركات ودفع النمو الاقتصادي.
ويقول ان هذا اللجوء جاء في وقت تعاني الحكومة التونسية صعوبات كبيرة على مستوى تعبئة الموارد الخارجية من العملة الصعبة، بعد تعطل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي واشتراط إقراض تونس ببدء برنامج اقتصادي مع صندوق النقد.
وأشار إلى أن الأمور أصبحت أكثر صعوبة بعد إدراج صندوق النقد الدولي تونس في القائمة السلبية، والتي كان لها تأثير على صعيد ثقة البلدان التي كانت أبدت استعدادها لمساعدة تونس في بداية العام، ما أثر في ثقة الممولين وبالتالي ليس هناك سوى خيار وحيد للحكومة وهو اللجوء للاقتراض المباشر من البنك المركزي.
خطط الدولة لعام 2024
وأكدت وزيرة المالية التونسية سهام البوغديري نمصية لهيئة الخبراء المحاسبين التونسية أن أولوية الحكومة في هذا العام ستكون لإدماج العاملين في القطاع الموازي ومقاومة التهرب الضريبي.
برنامج إنقاذ مالي
ويقترح الشكندالي برنامج إنقاذ مالي سريع للاقتصاد التونسي لتعزيز أصول البنك المركزي بالعملة الصعبة، بما يسهم في تماسك قيمة الدينار ويدعم قدرة الدولة على تسديد ديونها الخارجية، وكذلك تمكين السلطات التونسية من التزود بالمواد الاساسية والأولية لعملية الإنتاج.
البرنامج المقترح يعتمد على أربعة محاور رئيسية متمثلة في:
- قطاع الفوسفات، مؤكداً ضرورة أن يكون هذا القطاع تحت إدارة الجيش الوطني على مستوى الإنتاج، من حيث نقل الفوسفات إلى المجامع الكيميائية، بالإضافة إلى نقل الفوسفات المحول إلى مواد كيمائية الى الموانئ تمهيداً لتصديره.
- ثاني المحاور خاص بالتونسيين في الخارج وتحويلات المهاجرين المهمة والتي كانت سبباً في دعم خزينة البنك المركزي في العام السابق، لذلك لا بد من تمكين التونسيين في الخارج من فتح حسابات بالعملة الصعبة في البنوك التونسية وتمكينهم من الفوائد.
- ثالث المحاور، وهو المؤسسات المصدرة في تونس وهي مؤسسات في أغلبها أجنبية، وقد أخضعتها الحكومات التونسية السابقة لإجراءات أفقدتها تنافسيتها في الأسواق الدولية وتراجعت صادراتها، الأمر الذي تسبب في خروج بعضها من تونس والاستثمار في بلدان أخرى بسبب الضرائب، وهو ما يتطلب إعادة النظر ودعم هذه المؤسسات مرة أخرى.
- المحور الأخير، يتعلق بالأموال المتداولة نقداً بالعملة الصعبة في الأسواق الموازية، الأمر يتطلب إعفاءها من الضرائب لتمكين أصحابها من ادخارها في البنوك، بهدف الاستفادة منها في دعم خزينة البنك المركزي.
انتعاش متواضع
ووفقاً للبنك الدولي، يتوقع أن يسجل اقتصاد تونس معدل نمو نحو 1.2% في 2023، وهو انتعاش متواضع مقارنة ببلدان المنطقة، حيث يعتبر نصف معدل النمو في تونس خلال 2022.
وأكد التقرير أن تحقيق نسبة نمو 3% في عام 2024 يخضع لتطورات تواصل الجفاف، وظروف التمويل ومدى وتيرة الإصلاحات في تونس.
نبض