تزامنت أخبار وبيانات اقتصادية عدة في الساعات الأخير لشهر كانون الثاني (يناير) 2024، فاتحة باب التكهنات واسعاً أمام إمكانية تعديل السعودية لسياساتها النفطية الخاصة بخفض الإنتاج من أجل الحفاظ على توازن الأسواق العالمية.
من أهم تلك المؤشرات، كان إعلان شركة "أرامكو" النفطية السعودية فجأة للجميع يوم الثلثاء أنها تلقّت توجيهات من وزارة الطاقة بالمحافظة على مستوى الطاقة الإنتاجية القصوى عند 12 مليون برميل يومياً، والتخلي عن خطة لزيادتها إلى مستوى 13 مليون برميل يومياً، وهو الهدف الذي سبق إعلانه في ربيع عام 2020 خلال فترة مواجهة على الحصص بين السعودية وروسيا.
ونقلت "رويترز" عن مصدر مطلع، أن خفض "أرامكو" للطاقة القصوى المستهدفة "ليس له علاقة بالمشكلات الفنية لتطوير البرنامج بل هو توجيه من الحكومة"، مشيراً إلى أنه إذا قررت الحكومة السعودية التراجع عن قرارها مرة أخرى، فإن "أرامكو" مستعدة لاستئناف خططها، مؤكداً مواصلة "أرامكو" "دفع الزخم نحو مجالات نمو الشركة" بما في ذلك الغاز والطاقة الجديدة.
وأكد المصدر أن "أرامكو" لم تغير وجهة نظرها بشأن سيناريوهات الطلب المستقبلي، ولا تزال تعتقد أن النفط والغاز سيكونان ضروريين للحصول على طاقة يعتمد عليها بأسعار معقولة.
وفي محاولة لفهم أعمق، فإن بعض الآراء اتجهت نحو احتمالية أن تكون توقعات السعودية للطلب العالمي خلال العام الجاري قد تراجعت، ولذلك قررت الاتجاه بعيداً من خطط زيادة الطاقة الإنتاجية، خاصة في ظل الثبات النسبي لأسعار النفط خلال الأشهر الأخيرة حول متوسط 80 دولاراً للبرميل.
ويرى هؤلاء المراقبون أن رقم 80 دولاراً للبرميل له دلالة خاصة ووجاهة، فهو من جهة يوفر لمنتجي النفط - ومن بينهم السعودية بالقطع - مستوى مريحاً من العائدات المتأتية من كم أقل من الصادرات؛ لكنه على الجانب الآخر يوفر أيضاً مستوى مريحاً للمكاسب لمنتجي النفط الصخري، ويدخلهم بقوة إلى معادلة الإنتاج العالمي، ما يسهم مساهمة كبيرة في استمرار تخمة المعروض النفطي في ظل ركود النمو الصيني.
لكن بعض المحللين أشاروا إلى أن "إرجاء" خطط أرامكو لزيادة مستويات الإنتاج هو "خيار استراتيجي" من أجل ضمان سلامة الأسواق، خاصة أن الإنتاج الفعلي للسعودية حالياً يتركز حول 9 ملايين برميل يومياً فقط وفقاً لتفاهمات الرياض مع مجموعة "أوبك+"، والتي تتضمن خفضاً طوعياً من السعودية في حدود مليون برميل يومياً... لكن مع الإبقاء على إمكانية العودة لخطط التوسع في حال عودة التنافسية أو المضاربات بين المنتجين.
اقرأ أيضاً: صندوق النقد يرفع توقّعاته للنمو العالمي لعام 2024
وهناك رأي ثالث، أشار إلى أن التخلي المؤقت عن خطط أرامكو لتوسيع الطاقة الإنتاجية يعني خفضاً هاماً للنفقات في هذه المرحلة بما قد يصل إلى 5 مليارات دولار سنوياً، وفقاً لتقرير حديث نشرته "آر بي سي كابيتال ماركتس". ومما قد يدعم هذه الرؤية، أن أرامكو قالت في بيانها إنها ستعمل "على تحديث التوجيه الاسترشادي للإنفاق الرأسمالي عندما يتم الإعلان عن نتائج عام 2023 في آذار (مارس)". وذلك قبل ساعات فقط من خبر نقلته "بلومبرغ" يفيد بأن السعودية تدرس خططاً لإحياء طرح لاحق في شركة أرامكو خلال شباط (فبراير)، في صفقة بمليارات الدولارات من المرجح أن تصنف من بين أكبر مبيعات الأسهم في السنوات الأخيرة، وفقاً لأشخاص مطلعين على الأمر.
وقالت المصادر التي طلبت عدم الكشف عن هويتها لأن المعلومات خاصة، إن "المملكة تعمل مع مجموعة من المستشارين، وتسعى إلى جمع ما لا يقل عن 40 مليار ريال (10 مليارات دولار) من بيع الأسهم في سوق الأسهم السعودية. ومن شأن الصفقة الناجحة أن تجلب الأموال اللازمة لتمويل خطة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الطموحة لتنويع الاقتصاد".
وتأتي خطط البيع الجديدة بعد 4 سنوات من جمع السعودية حوالي 30 مليار دولار في الطرح العام الأولي لشركة أرامكو، والذي كان أكبر بيع للأسهم في العالم على الإطلاق.
أما الرأي الرابع فيشير إلى رغبة الرياض في تحقيق مزيد من التوازن الاقتصادي، عبر تخصيص مزيد من بنود الإنفاق في القطاعات غير النفطية، على غرار السياحة والعقارات والبنوك والصناعات وغيرها، وذلك في إطار تنويع الاقتصاد بعيداً من النفط.
وما يدعم هذا الرأي بقوة كان بيانات الناتج المحلي الإجمالي للسعودية التي نشرت يوم الأربعاء، وأظهرت أن الأنشطة النفطية انخفضت 16.4 بالمئة في الربع الرابع مقارنة بالعام السابق، فيما نما الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي 4.3 بالمئة على أساس سنوي وزادت الأنشطة الحكومية 3.1 بالمئة. كما أظهرت البيانات أن اقتصاد المملكة انكمش 0.9 بالمئة في 2023 متأثراً بالقطاع النفطي بينما نمت الأنشطة غير النفطية 4.6 بالمئة.
وأظهرت بيانات وزارة الاستثمار السعودية أيضاً أن صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى السعودية سجل 11.4 مليار ريال (2.93 مليار دولار) في الربع الثالث من 2023، مشيرة إلى أنها عدلت منهجيتها لحساب الاستثمار الأجنبي المباشر، وذلك عبر الأخذ في الاعتبار جميع معايير دليل ميزان المدفوعات الصادر عن صندوق النقد الدولي، على أن يعتمد التحليل على البيانات المالية للشركات المستقلة، وليس الشركات التي تم دمجها، لتجنب احتساب الشركات التابعة مرتين.
وعلقت مؤسسة كابيتال إيكونوميكس على البيانات السعودية قائلة إن "البيانات المفصلة المعدلة في ضوء العوامل الموسمية تظهر أنه على الرغم من انكماش الأنشطة النفطية في المملكة 2.7 بالمئة على أساس فصلي في الربع الأخير من العام الماضي، بعد تمديد خفض طوعي لإنتاج النفط بمقدار مليون برميل يومياً، فقد أنهى الاقتصاد غير النفطي العام على أساس قوي. ونمت الأنشطة غير النفطية 2.6 بالمئة على أساس ربع سنوي في الربع الأخير من 2023 وهي أسرع وتيرة نمو منذ الربع الأول من 2021".
اقرا أيضا: أزمة البحر الأحمر تتسبب في تأخر الإمدادات 10- 15 يوماً في ميناء برشلونة
كما أشارت كابيتال إيكونوميكس إلى أن تقديراتها تشير إلى تراجع إيرادات السعودية من صادرات النفط الخام 23.5 بالمئة إلى 250 مليار دولار في 2023، مقابل 327 ملياراً في 2022 وذلك في ضوء خفض المملكة للإنتاج خفضاً كبيراً خلال العام الماضي.
وتوقع التقرير أن السعودية، رغم تأجيل خطط رفع الطاقة الإنتاجية، ستعود إلى اتباع جهود وزير النفط السابق علي النعيمي في الفترة بين 2014-2016 الرامية إلى تعزيز الإنتاج، لاستعادة حصتها السوقية؛ وذلك في ظل ذروة تلوح في الأفق للطلب على النفط.
نبض