26-01-2024 | 06:15

الثّروة الحيوانيّة في مصر... تراجع كبير والسلطات تعلن "إصلاحات جوهرية"

يشير خبراء إلى أنّ تراجع الثروة الحيوانية في مصر قد أسهم بوضوح في تأجيج ارتفاع أسعار اللحوم ومنتجات الألبان، إلى جانب عوامل التضخم الأخرى...
الثّروة الحيوانيّة في مصر... تراجع كبير والسلطات تعلن "إصلاحات جوهرية"
Smaller Bigger

ربما لا ينشغل المواطن المصري هذه الأيّام بأكثر من أحواله المعيشية؛ القضايا النخبوية انزوت إلى الهامش، وشغلت أسعار السلع والخدمات مساحات النقاش العامة، ومن بينها أسعار اللحوم التي ترتفع بصورة مطردة.

 

ويشير خبراء إلى أنّ تراجع الثروة الحيوانية في مصر قد أسهم بوضوح في تأجيج ارتفاع أسعار اللحوم ومنتجات الألبان، إلى جانب عوامل التضخم الأخرى، إذ يراوح سعر كيلوغرام اللحوم الواحد بين 300 و450 جنيهاً مصرياً (الدولار الأميركي يساوي قرابة 31 جنيهاً رسمياً)، تبعاً للنوع والجودة، فيما قفزت أسعار الألبان والأجبان بصورة جنونية.

 

بحسب آخر إحصائية رسمية للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء؛ تراجعت أعداد رؤوس الماشية والحيوانات من 19.9 مليون رأس في عام 2010 إلى 8.1 ملايين رأس في عام 2021، فيما سجّلت مصر نسبة 56.6 بالمئة من الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء في عام 2021، بعدما وصلت هذه النسبة إلى 71.9 بالمئة في عام 2014، وقد كانت 88.8 بالمئة عام 2009.

 

شهدت مصر تراجعاً كبيراً في عدد رؤوس الماشية

 

وتسدّ الحكومة الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج المحلي عن طريق الاستيراد من الخارج، سواء من اللحوم الحية، أو المجمدة؛ إذ أعلن أخيراً وزير الزراعة المصري السيد القصير، استيراد نحو 154 ألف رأس ماشية من دول أفريقية؛ لتلبية احتياجات شهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى.

 

أسباب التراجع

الطبيب البيطري يوسف العبد، رئيس شعبة الأدوية البيطرية بالاتحاد العام للغرف التجارية، يرصد لـ"النهار العربي" بعين الخبير الأسباب التي أدّت إلى تراجع الثروة الحيوانية في مصر، إذ يقول إنّ حجم الثروة الحيوانية لا يتناسب مع إمكانيات الدولة، ولا يلبي طموح المبادرة التي أطلقها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل عامين بشأن تحسين سلالة الثروة الحيوانية.

 

يلفت الطبيب البيطري إلى أنّ تدهور الثروة الحيوانية خلال أكثر من عشر سنوات، يرجع إلى غياب التخطيط، وسوء الإدارة والتنظيم من قبل وزارة الزراعة؛ ما يعوّق تنفيذ المبادرة الرئاسية، لافتاً إلى ضرورة الاعتماد على كوادر فنية كفوءة، وتحسين السلالات الموجودة وتطويرها.

 

ويشير إلى أن بعض الأمراض الوبائية مثل الحمى القلاعية، والجلد العقدي، أسهمت أيضاً في تراجع أعداد الماشية في أعوام: 2018، و2019، و2020، إذ تسببت في نفوق الماشية، وتراجع إنتاج الألبان واللحوم خلال في هذه الفترة.

 

ومن بين الأسباب المباشرة وراء تراجع أعداد الماشية، ارتفاع أسعار الأبقار المستوردة، إذ إن أسعار الأبقار تضاعفت بسبب الارتفاع المطرد لسعر الصرف، وهو ما يعوّق المربي المحلي عن استيراد الأبقار من الخارج لتأسيس مزرعة ماشية.

 

تراجعت نسبة الاكتفاء الذاتي من اللحوم خلال عشر سنوات

 

إحياء "البتلو"

يرى العبد أنّ مصر لديها فرصة حقيقية لرفع حجم الثروة الحيوانية إلى 50 مليون رأس، لكن هذا الهدف يحتاج إلى تفعيل حقيقي لمشروع "البتلو"؛ إذ حقق هذا المشروع نجاحاً باهراً في حقبة الثمانينات.

 

يشار إلى أنّ مشروع "البتلو" انطلق رسمياً؛ وفقاً للقرار الوزاري الرقم 517 لسنة 1986 والذي يمنع ذبح عجول الذكر الجاموسي، حتى يصل وزنها إلى 200 كيلوغرام، بهدف زيادة إنتاجية العجول الجاموس إلى 10 أضعاف وزنها، إذ كانت العجول تذبح عند وزن 40-60 كيلوغراماً فقط.

 

وتحاول وزارة الزراعة المصرية الآن إعادة إحياء مشروع "البتلو"، لكن الدكتور يوسف العبد يرى أن هذه الجهود تتم على الورق أكثر من الواقع. وحتى تنجح عملية الإحياء، ثمّة ضرورة ملحة لدعم صغار الفلاحين، عماد نجاح هذا المشروع؛ على ما يقول.

 

ويشدد على أنّ دعم صغار الفلاحين له أشكال عديدة، منها: تدعيم الأعلاف بصورة مباشرة، واختيار سلالات جيدة، فضلاً عن الإرشاد والتقويم والتحصين من الأمراض الوبائية باستمرار، مثل الحمى القلاعية، والجلد العقدي.

 

تقدم الأبقار المستوردة إنتاجاً مضاعفاً بمرات عدة مقارنة بالأبقار المحلية

 

تطمينات رسمية

من جانبه، يقول الدكتور طارق سليمان، رئيس قطاع الثروة الحيوانية والداجنة بوزارة الزراعة المصرية، في تصريحات خاصة لـ"النهار العربي"، إنّ "هذا القطاع يشهد خلال هذه الفترة إصلاحات جوهرية، لتدارك الأسباب التي أدّت إلى تراجع أعداد رؤوس الماشية أخيراً".

 

ويضيف: "من الخطوات المتخذة لمعالجة القطاع بناء قاعدة بيانات إلكترونية دقيقة لقطاع الثروة الحيوانية، ويتم تحديثها كل عام بإحصاء جميع أنواع الماشية بدقة في مصر، من شأنها المساعدة في ضبط إيقاع الاستيراد، بحيث يتم استيراد الكميات التي تحتاجها السوق المحلية، ليس أكثر أو أقل؛ تجنباً لحدوث إغراق أو تعطيش للسوق، وهو ما يضر بالمربي المحلي في نهاية المطاف".

 

ومن بين منافع قواعد البيانات الأخرى تحديد الاحتياجات من الأمصال واللقاحات، وكذلك كميات الأعلاف، فضلاً عن الكميات المطلوب الإفراج عنها من الذرة الصويا. ويقول سليمان إنه "بفضل الاعتماد على هذه المنظومة، لا نستورد رأس ماشية واحداً لسنا في حاجة إليه".

 

وبعث سليمان برسائل طمأنة مفادها أن "ثمّة ارتفاعاً تدريجياً في نسبة الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء، يتجاوز الـ60 بالمئة هذا العام، بعدما سجّل 53.8 و56.6 بالمئة على التوالي في عامي 2020 و2021".

 

إجراءات تنظيمية وجهود بحثية

وعن جهود السلطات المصرية في دعم الثروة الحيوانية، يقول المسؤول المصري إنّ "الأعلاف تمثل نحو 70 بالمئة من تكاليف تشغيل أي مشروع يستثمر في الثروة الحيوانية والداجنة، ما دفع الحكومة إلى بذل جهود مضنية لتوفير الأعلاف للمربين؛ إذ عملت الجهات المسؤولة أخيراً على تدبير العملة الصعبة لتسريع الإفراج الجمركي عن الذرة وفول الصويا وإضافات الأعلاف، بما يناسب احتياجات الثروة الحيوانية أو الداجنة أو السمكية".

 

ويستطرد: "بالتوازي، أولت الحكومة اهتماماً بما يعرف بالزراعة التعاقدية، إذ يتعاقد الفلاح مع الحكومة على زراعة المحاصيل العلفية بسعر آمن، وعند الحصاد إذا ارتفع السعر العالمي للمحصول عن القيمة التي تعاقدت بها الدولة، يحصل على السعر الأعلى، أما إذا انخفض السعر العالمي، فسيظل يحصل على السعر الآمن المتعاقد عليه، والذي لا يجلب عليه الخسارة، وبالتالي ارتفعت مساحات الأراضي المزروعة بالمحاصيل العلفية".

 

بالتوازي مع هذه الجهود، يقول سليمان إنّ "ثمّة مضماراً آخر تخوض فيه وزارة الزراعة، حالياً؛ إذ تعمل المراكز البحثية بالوزارة على استنباط أصناف جديدة من المحاصيل العلفية، يمكن زراعتها في الأراضي الهامشية أو الهشة، ويمكن ريّها بمياه بها نسبة ملوحة؛ فضلاً عن استنباط أصناف أخرى تُروى بمياه أقل، وتزرع في دورة زراعية أقصر، وتالياً لا تتنافس المحاصيل العلفية مع نظيرتها الاستراتيجية".

 

ويلفت رئيس قطاع الثروة الحيوانية إلى أن ثمّة اتجاهاً عالمياً صاعداً يرمي إلى الحفاظ على إنتاجية قطاع الثروة الحيوانية بالتوازي مع خفض البصمة الكربونية الناتجة من المخلفات، وهو اتجاه تسعى وزارة الزراعة المصرية لمواكبته.

 

ويشير إلى أنه بالرغم من انخفاض أعداد رؤوس الماشية خلال السنوات العشر الماضية، فإن معدل إنتاجية الألبان لم ينخفض، مرجعاً الأمر إلى استيراد أبقار تنتج حوالي 8 أضعاف إنتاج الأبقار المحلية من الألبان.

 

وبحسب تقرير للجهاز المركزي للتعبئة للإحصاء، فقد ازداد الوزن التقديري للإنتاج المحلي من اللبن الخام إلى 6.7 ملايين طـن عام 2022، مقابـل 6.2 ملايين طـن عام 2021، بنسبة زيادة 8.2 بالمئة.

 

وعلى هذا المنوال، تستورد الحكومة أبقاراً للتسمين، تعطي معدلات زيادة وزنية حوالي كيلوغرامين يومياً، فيما تعطي الأبقار المحلية حوالي 700 غرام زيادة فقط. ولجأت وزارة الزراعة إلى عمليات تهجين بين أنواع الأبقار المحلية ونظيرتها المستوردة؛ للحصول على زيادة وزنية مقبولة، والحدّ من الاستيراد.

 

ويختتم المسؤول المصري حديثه بالتأكيد أنّ "قطاع الثروة الحيوانية والداجنة لا يزال صامداً ويلبي احتياجات السوق المحلية، مع تحسن في نسب الاكتفاء الذاتي في معظم المنتجات، رغم ارتفاع الطلب، وانخفاض أعداد رؤوس الماشية".

 

 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية