قبل أشهر، كان العالم يعول كثيراً على نمو الصين كأحد أهم قاطرات النمو الاقتصادي العالمي، لكن الازمات المتوالية، خاصة في القطاع العقاري، ضربت هذه الطموحات في مقتل.
ومع بداية عام 2024، كانت الصين بالفعل تتخذ إجراءات متتالية لدعم اقتصادها المتعثر. ورغم أن العالم لا يتوقع انتعاشة كبرى في الصين خلال الأشهر المقبلة، لكن عيون العالم هذه المرة تركز على العنصر البشري لدعم الاقتصاد الدولي، متمثلا في السياح.
وتعد الصين أحد أهم مخازن القيمة السياحية على مستوى العالم خلال العقود الأخيرة، وكنزاً حقيقياً لأغلب الدول في قطاع السياحة كونها أحد أكبر أسواق السياحة الخارجية على وجه الأرض. ويرجع ذلك بالأساس لطبقتها الوسطى الشابة هائلة العدد، وهي الطبقة القادرة على الإنفاق والسفر.
وقبل جائحة كورونا في عام 2019، كانت الصين الدولة الأولى عالمياً من حيث عدد السياح المغادرين، بما يصل في المتوسط إلى 155 مليون شخص سنويا حتى عام 2029، وذلك بحسب تقديرات "ماكينزي" للاستشارات.
ويوم الجمعة الماضي، توقعت منظمة السياحة العالمية أن تتعافى السياحة العالمية في 2024 بالكامل من تداعيات جائحة كوفيد-19، وأن يزيد عدد السياح الدوليين بما يصل إلى 2 بالمئة مقارنة بعام 2019، وهو عام الذروة سياحياً على مستوى العالم.
وأضافت المنظمة أن زيادة عدد الرحلات الجوية وتعافي الأسواق الآسيوية سيتيحان عودة كاملة لأنشطة السياحة في أنحاء العالم هذا العام، على الرغم من أن عدم الاستقرار الجيوسياسي في الشرق الأوسط ومناطق أخرى يشكل خطرا على قطاع السياحة لأنه قد يؤثر على رغبة الأفراد في تنفيذ خططهم للسفر. ووفقا لتقرير المنظمة، بلغت مساهمة قطاع السياحة في الاقتصاد العالمي في 2023 نحو 3.3 تريليون دولار، مع توقعات انتعاشها أكثر خلال العام الجاري.
وفيما يخص الصين تحديداً، توقعت منظمة السياحة العالمية أن تنتعش السوق الصينية في 2024 بعد أن أتاحت الحكومة لمواطني فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا وماليزيا السفر دون تأشيرة حتى 30 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.

قفزة داخلية
وفي بشائر داخلية، قد تعكس مبكرا زيادة الرغبة والإقبال على السفر خارجيا، أظهرت بيانات رسمية ارتفاع إيرادات السياحة في الصين خلال عطلة العام القمري الجديد التي انتهت يوم السبت الماضي، بما يعادل 47.3 بالمئة على أساس سنوي، متجاوزة بذلك مستويات عام 2019 المرجعي، وذلك بفضل ازدهار السياحة الداخلية خلال عطلة أطول من المعتاد.
وقفز الإنفاق على السياحة الداخلية في الصين 47.3 بالمئة إلى 632.7 مليار يوان (87.96 مليار دولار) مقارنة بنفس فترة العطلات في 2023، كما ارتفع عدد الرحلات الداخلية خلال عطلة هذا العام 34.3 بالمئة مقارنة بالعام الماضي، وفقا لبيانات نشرتها وزارة الثقافة والسياحة الأحد الماضي.
ومقارنة مع عطلة مطلع العام القمري في 2019 قبل الجائحة، ارتفع الإنفاق على السياحة الداخلية 7.7 بالمئة، وزادت الرحلات الداخلية 19 بالمئة، وفقا لبيانات الوزارة. وأشارت الوزارة إلى أن البر الرئيسي الصيني سجل مغادرة 3.6 مليون سائح ووصول 3.23 مليون سائح خلال العطلة، حيث أدت السياسات المواتية مثل الإعفاءات المتبادلة من التأشيرات، إلى تسريع انتعاش أسواق السياحة الخارجية والداخلية.
انتعاشة إقليمية
وعلى مستوى أوسع قليلاً، إقليمياً، فقد توافد المسافرون الصينيون على المناطق السياحية الساخنة في جميع أنحاء آسيا خلال عطلة العام القمري الجديد، حيث تجاوزت أعداد الزائرين والإنفاق في وجهات مثل سنغافورة وتايلاند وماليزيا مستويات ما قبل كوفيد-19.
ومع بحث الصينيين عن مغامرات وأماكن جديدة للزيارة، يبدو الشرق الأوسط في بؤرة الاهتمام، حيث ارتفع السفر إلى السعودية بأكثر من 9 أضعاف عن مستويات 2019، وارتفعت الحجوزات إلى الإمارات بنسبة 60 بالمئة، وفقا لحسابات "تريب دوت كوم".
وأدى وصول السياح الصينيين إلى دول جنوب شرق آسيا بدون تأشيرة إلى تعزيز حركة المرور، وأشار إلى انتعاش قوي في السفر منذ أن رفعت بكين القيود الصارمة المتعلقة بفيروس كورونا في أوائل عام 2023 والتي أغلقت حدود الصين تقريبًا لمدة ثلاث سنوات.

وتوفر هذه الزيادة أيضًا ارتياحًا موضع ترحيب للبلدان التي تعتمد صناعاتها السياحية على الصينيين وإنفاقهم لتحقيق النمو، على الرغم من أن توقعات التعافي المستدام في السفر إلى الخارج قد طغت عليها توقعات تباطؤ اقتصاد البلاد والأسواق المالية المتقلبة التي دفعت المستهلكين إلى تقليص الإنفاق.
وقال بنك "إتش إس بي سي" في مذكرة بحثية: "على الرغم من الرياح المعاكسة للاقتصاد الكلي، نعتقد أن المواطنين الصينيين ما زالوا على استعداد للإنفاق على التجارب المتعلقة بالسفر... نعتقد أن الإنفاق المرتبط بالسفر يمكن أن يستمر في تجاوز هذا الاستهلاك المحلي الإجمالي".
وقفزت الحجوزات إلى سنغافورة وتايلاند وماليزيا مجتمعة بأكثر من 30 بالمئة في الفترة من 10 إلى 17 شباط (فبراير) مقارنة بعام 2019، وفقًا لمشغل موقع السفر "تريب دوت كوم"، مع زيادة الزوار الصينيين إلى هونغ كونغ وماكاو واليابان وكوريا الجنوبية أيضًا. وتضاعفت حجوزات الفنادق في بانكوك ثلاث مرات خلال تلك الفترة على أساس سنوي، بينما قفزت حجوزات سنغافورة تسعة أضعاف.
وقالت منصة الدفع عبر الهاتف الصينية "أليباي" إن الإنفاق في سنغافورة وتايلاند وماليزيا مجتمعة زاد بنسبة 7.5 بالمئة مقارنة بمستويات 2019، وزاد نحو 7 أضعاف العام الماضي.
نبض