تسعى كثير من دول العالم خلال الأشهر الأخيرة لترسيخ التعامل بالعملات الوطنية في التجارة البينية، دون اللجوء إلى الدولار أو العملات الأخرى القوية، وذلك لأسباب متباينة، تتراوح بين تقليص الاعتماد على الدولار ودعم العملات المحلية أو حتى وصولاً إلى تخفيف آثار العقوبات الغربية على بعض الدول.
وتبدو روسيا والصين في طليعة الدول التي تقود هذا المسار، وكلتاهما عضو كبير في مجموعة "بريكس"، وأيضاً على خلاف كبير مع الولايات المتحدة؛ سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي.
وفي آب (أغسطس) الماضي، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة "بريكس"، إن روسيا تدعم زيادة دور دول "بريكس" في النظام النقدي والمالي الدولي والتوسع في استخدام العملات الوطنية.
وأضاف أن روسيا ستسهل تنفيذ استراتيجية الشراكة الاقتصادية لمجموعة "بريكس" ووضع معالم جديدة طويلة الأجل للتعاون، "من بينها زيادة دور دولنا في النظام النقدي والمالي الدولي، وتطوير التعاون بين البنوك وتوسيع استخدام العملة الوطنية، وتعميق التعاون على طول خط السلطات المالية والضريبية ومكافحة الاحتكار".
وقبل تصريحات بوتين بأسابيع عدة، قال رئيس أمانة منتدى الشراكة الروسية الأفريقية بالخارجية الروسية أوليغ أوزيروف، إن العمل يجرى حالياً للانتقال إلى العملات الوطنية في التسويات مع دول أفريقيا، مشيراً إلى أن المصرف المركزي الروسي يعمل مع وزارة المالية الروسية؛ لتنفيذ الانتقال إلى العملات الوطنية في التسويات المتبادلة مع البلدان الأفريقية.
وخلال أول اجتماعات "بريكس" في 2024 الأسبوع الماضي في موسكو، أثيرت بقوة مسألة "العملة المشتركة" للتجارة بين دول المجموعة. لكن الصعوبات اللوجستية لإتمام هذا المشروع، وبعضاً من الخلافات الداخلية أيضاً، دفعت تجاه "إرجاء" هذه الخطوة والتركيز أكثر على التعامل بالعملات الوطنية كخطوة أولى من أجل تعزيز التجارة البينية من جهة، وتقليص هيمنة الدولار من جهة أخرى.
وطالب ممثلو الدول المجتمعون بضرورة تعزيز وتعظيم دور بنك التنمية الجديد وبنك التنمية المتعدد الأطراف الذي أنشأته "بريكس"، وترتيب احتياطي الطوارئ لتوفير السيولة إذا كان هناك ضغوط على ميزان المدفوعات داخل المجموعة. وكان من اللافت ترحيب كل الدول المشاركة بهذه التوجهات دعماً للعملات الوطنية.
وفيما تبدو روسيا عاملاً مشتركاً من أجل تحريك وتحرير تجارتها من قيود غربية عقب حرب أوكرانيا، فإن الدول الشريكة ستستفيد أيضاً من ذلك عبر تقليص الاعتماد على الدولار وزيادة العائد المحلي.
وأفاد مصدر بإدارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يوم الثلثاء، بأنه من المقرر أن تبحث روسيا وتركيا تعزيز التجارة بالعملات الوطنية، خلال زيارة الرئيس الروسي المرتقبة للبلاد.
وأوضح المصدر، لوكالة سبوتنيك الروسية للأنباء، أن "تعزيز التجارة بالعملات الوطنية هو أحد البنود المدرجة في جدول الأعمال الاقتصادي، ويُبقي القادة دائماً هذا الموضوع في مركز اهتمامهم ويهتمون بالإحصاءات ذات الصلة"، مضيفاً أنه "ستتم مناقشة آفاق التعاون الثنائي بشأن توسيع مجالات التجارة بعملاتنا (الليرة والروبل)".

ومن جهة أخرى، فإن دولاً تواجه نقصاً حاداً في العملات الأجنبية على غرار مصر، تطمح في تخفيف الضغط عن اقتصاداتها عبر التجارة بالعملات الوطنية.
وفي صيف العام الماضي، قال رئيس أمانة منتدى الشراكة الروسية الأفريقية بالخارجية الروسية أوليغ أوزيروف، إن العمل يجرى حالياً للانتقال إلى العملات الوطنية في التسويات مع دول أفريقيا. مشيراً إلى أن المصرف المركزي الروسي يعمل مع وزارة المالية الروسية؛ لتنفيذ الانتقال إلى العملات الوطنية في التسويات المتبادلة مع البلدان الأفريقية.
وفي شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، قال مايك أوغبالو، كبير المسؤولين التنفيذيين بمنصة نظام الدفع والتسوية لعموم أفريقيا، إن مصر شريك بالغ الأهمية على طريق تفعيل منصة الدفع والتسوية التي تستهدف تعزيز التبادل التجاري للسلع والخدمات بالعملات الوطنية بين الدول الأفريقية، ما يقلل الاعتماد على الدولار والعملات الصعبة.
وشدد أوغبالو، في تصريحات لـ"وكالة أنباء الشرق الأوسط" المصرية الرسمية، على أهمية انضمام مصر للنظام كونها ثاني أكبر اقتصاد في القارة الأفريقية، قائلاً: "لا يمكننا أن نصمم أو ننفذ نظاماً للدفع بالنسبة لعموم القارة من دونها... وقطعنا شوطاً كبيراً في مفاوضات الانضمام الرسمي من جانب مصر، حيث كان واضحاً تماماً بالنسبة إلينا منذ اليوم الأول الاهتمام الشديد الذي أبدته مصر بوضع نظام يتيح التسوية للصفقات التجارية بين الدول الأفريقية بالعملات المحلية".
وتابع: "الآن وقد انتهينا من تصميم هذه المنصة، فقد مضينا قدماً في محادثاتنا مع مصر باتجاه الاتفاق تمهيداً لتنفيذه، ونعتقد تماماً أنه خلال العام الجاري 2024 ستنضم مصر إلى نظام الدفع والتسوية، وسيكون تطبيق النظام انطلاقاً من البنك المركزي المصري، حيث سيعلن مجلس المحافظين الانضمام، ومن ثم ستنضم البنوك التجارية".

يقول خبير أسواق المال، حسام الغايش، في تصريحات خاصة لـ "النهار العربي"، إن ثمة عوامل يُمكن أن تكون مؤثرة بشكل واسع في تعزيز التبادل التجاري بالعملات الوطنية بين الدول وبعضها البعض بعيداً عن الدولار الأميركي؛ أهمها ما يرتبط بمدى التوازن في الميزان التجاري بين تلك الدول (على المستوى الثنائي أو من خلال التجمعات الاقتصادية المنخرطة بها مثل مجموعة بريكس).
ويفسر ذلك بقوله: "إذا كان هناك توازن حقيقي بين قيمة الواردات والصادرات، فإن ذلك من شأنه دفع التبادلات التجارية بالعملات الوطنية، لتكون ذات جدوى اقتصادية حقيقية ومؤثرة، أما في حالة وجود فجوة في الميزان التجاري، فإن المقاصة أو فرق الأسعار يتم بعملة دولية مثل الدولار الأميركي بطبيعة الحال، وبالتالي لن تكون الجدوى الاقتصادية لعملية التبادل بالعملات الوطنية مجدية بالنسبة للدولة التي تواجه عجزاً في الميزان التجاري مع نظيرتها التي يتم التبادل معها بالعملة الوطنية".
ويعتقد بأن ذلك من شأنه أن يشجع الدولة التي تشهد عجزاً في ميزانها التجاري، على السعي لخلق فرص في الأسواق الأخرى، لإحداث التوازن والاستفادة من عوائد التبادل التجاري بالعملات الوطنية، ويعد ذلك من أهم ما يمكن التعويل عليه فيما يتعلق بالتكتلات الاقتصادية مثل البريكس، من خلال خلق فرص بين الدول الأعضاء لتعزيز التبادل فيما بينهم بعيداً عن الدولار.. وبما يتطلب دراسة الأسواق بشكل جيد وخلق فرص للدول الأعضاء في تلك التجمعات لتكون التبادلات بالعملات الوطنية ذات جدوى بالنسبة للجميع.
وحول مدى تأثر هيمنة الدولار الأميركي بهذه التوجهات، يوضح الغايش، في معرض حديثه مع "النهار العربي"، أنه ليس من السهولة بمكان مواجهة هيمنة العملة الأميركية، رغم اهتزازها في السنوات القليلة الماضية وتقلص نسبتها من حجم التبادلات التجارية العالمية وإن كان ذلك بنسبة طفيفة (..) لكن على المدى الطويل يُمكن أن تهدد تلك التوجهات بالفعل هيمنة الدولار، مع انضمام دول أخرى للتكتلات الاقتصادية الهادفة لمواجهة تلك الهيمنة، والتوسع في التبادلات التجارية بالعملات الوطنية مع توازن تلك التبادلات.
نبض