6 أشهر من الحرب الإقليمية: ماذا جرى في الأسواق العالمية؟

اقتصاد وأعمال 02-09-2026 | 11:20

6 أشهر من الحرب الإقليمية: ماذا جرى في الأسواق العالمية؟

امتصّ الذكاء الاصطناعي صدمة الأسهم، وامتصّت المخزونات الاستراتيجية جزءاً من صدمة النفط، وتمكّن الاقتصاد العالمي من احتواء التضخم من دون ركود كبير. لكن استمرار الحرب قد ينقل الصدمة من أسعار الطاقة إلى تكلفة التمويل، ويجبر البنوك المركزية على تشديد السياسة النقدية مجدداً، في وقت تواجه فيه الحكومات ديوناً قياسية وعوائد سندات مرتفعة.

6 أشهر من الحرب الإقليمية: ماذا جرى في الأسواق العالمية؟
ساعدت طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي والأرباح القوية للشركات في فصل وول ستريت، إلى حد بعيد، عن أخبار الحرب. (أ ف ب)
Smaller Bigger

بعد ستة أشهر من اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير 2026، تبدو النتيجة في الأسواق العالمية أكثر تعقيداً من المعادلة التقليدية: حرب تساوي انهيار الأسهم، وقفزة الذهب، وهروباً جماعياً إلى السندات.

 

حدث العكس في أكثر من سوق. فالنفط كان الرابح الواضح من علاوة الحرب، فيما أظهرت الأسهم العالمية مناعةً لافتة. الذهب فشل مدة طويلة في أداء وظيفة الملاذ الآمن، وتحولت السندات الحكومية هي نفسها إلى مصدر قلق، بينما أثبتت بيتكوين مرة أخرى أنها أقرب إلى أصلٍ عالي المخاطر منها إلى "ذهبٍ رقمي".

 

بعد جائحة كورونا والحرب الروسية- الأوكرانية وسلسلة صدمات التضخم والفائدة، يبدو أن الأسواق دخلت حرب إيران وهي أكثر استعداداً للصدمات. لكن هذه المناعة لا تأتي بلا ثمن: خلف هدوء مؤشرات الأسهم، تتراكم ضغوط الطاقة والتضخم والديون وأسعار الفائدة.

 

الأسهم: الحرب لم توقف قطار الذكاء الاصطناعي

 

المفاجأة الكبرى كانت في الأسهم. فمنذ اندلاع الحرب، ارتفع مؤشر MSCI للأسهم العالمية، الذي يغطي 47 دولة، بنحو 9%، وأضافت الأسواق نحو 7 تريليونات دولار إلى قيمتها، لترتفع القيمة الإجمالية للمؤشر إلى مستوى قياسي يقارب 105 تريليونات دولار.

 

وفي الولايات المتحدة، كان قطاع التكنولوجيا أشد وضوحاً في تحدي الخوف الجيوسياسي. وحتى 27 آب/أغسطس، كان مؤشر ناسداك مرتفعاً نحو 14.2% منذ بداية العام، بينما ارتفع S&P 500 بنحو 12.9%. وساعدت طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي والأرباح القوية للشركات في فصل وول ستريت، إلى حد بعيد، عن أخبار الحرب. فقد قفزت أرباح شركات S&P 500 في الربع الثاني بنحو 33.5% على أساس سنوي.

 

يصف براناف أغاروال، محلل "فيدليتي"، هذا السلوك بأن المستثمرين يتعاملون مع الحرب بـ"نظرة مسترخية" نسبياً، على أساس أنها لن تتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية دائمة.

 

هذه إحدى أهم خلاصات الأشهر الستة: السوق أصبحت أكثر تمييزاً بين الخطر الجيوسياسي والخطر الذي يهدد أرباح الشركات فعلياً. وحتى الآن، ما دام قطاع التكنولوجيا يحقق نمواً استثنائياً والاقتصاد الأميركي يتجنب الركود، لم تكن الحرب وحدها كافية لكسر الاتجاه الصاعد.

 

 

صورة لرجل يمشي في شارع وول ستريت (أ ف ب)
صورة لرجل يمشي في شارع وول ستريت (أ ف ب)

 

 

النفط... الرابح الحقيقي من الحرب

 

إذا كانت الأسهم قد قاومت الحرب، فإن النفط سَعَّرها مباشرة. فقد لامس خام برنت 120 دولاراً للبرميل في نيسان/أبريل، ولا يزال متوسطه في 2026 يدور قرب 90 دولاراً، مقارنة بنحو 70 دولاراً في 2025. ومع تجدد الضربات مطلع أيلول/سبتمبر، عاد برنت إلى نحو 95 دولاراً.

 

السبب يتجاوز إنتاج إيران نفسه إلى الجغرافيا: مضيق هرمز. فقبل الحرب، مرّ عبر المضيق نحو 21.6 مليون برميل يومياً من الخام والسوائل النفطية في الربع الأخير من 2025. وفي الربع الثاني من 2026 هبط الحجم إلى 4.9 ملايين برميل يومياً فقط. تاريخياً، يعبر هرمز ما يعادل نحو خُمس استهلاك العالم من السوائل النفطية، بينما لا تستطيع خطوط الأنابيب البديلة في السعودية والإمارات تعويض سوى جزء من هذه الكميات.

 

وهنا تكمن خطورة استمرار الحرب: العالم استهلك بالفعل جزءاً من أدوات الطوارئ. ففي آذار/مارس، قررت الدول الـ32 الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية طرح 400 مليون برميل من مخزوناتها الاستراتيجية، في أكبر عملية إفراجٍ جماعي في تاريخ الوكالة. وقال مديرها التنفيذي فاتح بيرول إن التحدي الذي تواجهه سوق النفط "غير مسبوق في حجمه".

 

أما الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي، فقد انخفض إلى نحو 289.7 مليون برميل، بالقرب من أدنى مستوياته منذ 1982. وهذا يعني أن كل شهر إضافي من اضطراب هرمز يجعل التدخل التالي أكثر تكلفة وأقل سهولة.

 

الذهب: لماذا خسر صفة الملاذ الآمن؟

 

هنا جاءت المفارقة الثانية. كان الذهب قد بلغ قمة تاريخية قرب 5,600 دولار للأونصة في 29 كانون الثاني/يناير، قبل اندلاع الحرب. لكن منذ بداية القتال وحتى تموز/يوليو فقد المعدن الأصفر قرابة 25% من قيمته، قبل أن يستعيد أكثر من 15% في آب/أغسطس. وفي 2 أيلول/سبتمبر كان يتداول قرب 4,303 دولارات.

 

فكيف يهبط الذهب فيما الحرب تتسع؟ الأسواق لم تنظر إلى الحرب كخطر أمني فحسب، بل كـصدمة تضخمية. ارتفاع النفط يعني تضخماً أعلى، والتضخم يعني احتمال فوائد أميركية أعلى، والفوائد المرتفعة ترفع عوائد السندات وتقوي الدولار، فتزيد تكلفة الاحتفاظ بالذهب الذي لا يدرّ فائدة.

 

وخلصت دراسة أكاديمية نشرتها Economics Letters حول سلوك الأصول بعد تصعيد الحرب الإيرانية إلى نتيجة لافتة: "الذهب أظهر خصائص ملاذ آمن ضعيفة، بينما كان النفط أوضح أداة تحوّط قصيرة الأجل من الحرب".

 

الدولار يصعد والسندات هي الضحية

 

استفاد الدولار جزئياً من هذه المعادلة، فارتفع بنحو 1.4% أمام سلة العملات الرئيسية منذ بدء الحرب. ومع عودة المخاوف التضخمية في مطلع أيلول، صعد مؤشر الدولار إلى نحو 99.8 نقطة، فيما أصبحت الأسواق تسعّر احتمالاً يقارب 68% لرفع الفائدة الأميركية ربع نقطة في اجتماع أيلول.

 

والسبب واضح: التضخم لم يُهزم. فقد بلغ تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركية 3.7% في تموز، فيما استقر التضخم الأساسي عند 3.3%، بعيداً من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.

 

لكن المفارقة أن قوة الدولار لم تترافق مع قوة سندات الخزانة. فالسندات الأميركية خسرت نحو 3.5% على أساس العائد الإجمالي منذ بداية الحرب. ووصل عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى 5.337% في آب، وهو الأعلى منذ 2007.

 

ولم تكن أميركا وحدها. ففي اليابان، اخترق عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات مستوى 3% للمرة الأولى منذ 1996. إنها موجة عالمية عنوانها واحد: المستثمرون يطالبون بعائد أعلى كي يقرضوا حكومات مثقلة بالدين في عالم عاد إليه التضخم.

 

وهذا ربما يكون الخطر المالي الأكثر أهمية إذا استمرت الحرب: انتقال الصدمة من برميل النفط إلى تكلفة تمويل الدول نفسها.

 

 

بيتكوين (أ ف ب)
بيتكوين (أ ف ب)

 

 

 

بيتكوين: لم تصبح الذهب الرقمي!

 

أما بيتكوين، فلم تنجح هي الأخرى في اختبار الملاذ الآمن. كانت هذه العملة قد بلغت قمة قياسية قرب 126 ألف دولار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، لكنها فقدت نحو نصف قيمتها بحلول حزيران/يونيو 2026 واقتربت من مستوى 60 ألف دولار. ومع تصاعد الحرب، تصرفت بيتكوين مثل أصلٍ عالي المخاطر حساسٍ للفائدة والسيولة أكثر منها مخزناً للقيمة.

 

وهذا ما أكدته أيضاً الدراسة الأكاديمية لسلوك الأسواق خلال حرب إيران: لم تقدم بيتكوين "حماية قوية" للمستثمرين عند تصاعد الخطر. لكن الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد. وبعد ستة أشهر، لم تُسقط الحرب الأسواق العالمية. بل كشفت أن الأسواق اكتسبت شيئاً من "المناعة" حيال الصدمات الجيوسياسية بعد كورونا وأوكرانيا والسنوات الطوال من اضطراب التضخم.

 

لكن المناعة ليست حصانة. حتى الآن، امتص الذكاء الاصطناعي صدمة الأسهم، وامتصت المخزونات الاستراتيجية جزءاً من صدمة النفط، واحتوى الاقتصاد العالمي التضخم من دون ركود كبير. فالمشكلة تبدأ إذا تحولت الحرب من صدمة تمتد ستة أشهر إلى واقع اقتصادي دائم.

 

عندها، لن يكون السؤال ما إذا كان برنت عند 90 أو 100 دولار، أو الذهب عند 4,300، بل ما إذا كانت أسعار الطاقة المرتفعة ستجبر البنوك المركزية على دورة جديدة من التشديد النقدي، فيما الحكومات تواجه أصلاً ديوناً قياسية وعوائد سندات عند أعلى مستوياتها منذ عقود.

 

وهنا قد تكون أهم حصيلة للأشهر الستة الماضية: الأسواق لم تخف من الحرب نفسها بقدر ما بدأت تخاف من فاتورتها الطويلة.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/30/2026 6:52:00 PM
تمت مداهمة مكان اختبائه في مدينة صافيتا بريف طرطوس.‏
آراء 8/30/2026 1:13:00 PM
ماذا يحدث عندما تنشأ قطيعة خطيرة وغير قابلة للإصلاح بين البطريرك وسينودس أساقفة الكنيسة البطريركية، ويرفض البطريرك، رغم طلب السينودس، تقديم استقالته؟
اقتصاد وأعمال 9/1/2026 4:02:00 PM
بحسب الوثائق والتقارير، خضعت منشأة "كورال" لسلسلة من عمليات الكشف والتدقيق من جهات رقابية ورسمية ودولية.