من المتابعين إلى الشركات... كيف تبني الإمارات اقتصاداً حول صناعة المحتوى؟
لم يعد نشاط صانع المحتوى يقتصر على الإعلانات والرعايات، بل أصبح نقطة انطلاق لمشاريع وشركات وخدمات إنتاج وتسويق وتكنولوجيا. وفي الإمارات، تتشكل حول هذه الصناعة منظومة تجمع المواهب والمنصات ورأس المال.
لم يعد صانع المحتوى في دولة الإمارات العربية المتحدة مجرد شخص يبني جمهوراً على "إنستغرام" أو "يوتيوب" أو "تيك توك". خلال السنوات الأخيرة، أخذ هذا النشاط يتحول إلى قطاع اقتصادي تتقاطع فيه الإعلانات والإنتاج والتكنولوجيا والتجارة الإلكترونية والاستثمار وإدارة المواهب.
ظهر حجم هذا التحول في النسخة الرابعة من "قمة المليار متابع"، التي عُقدت في دبي من 9 إلى 11 كانون الثاني/يناير 2026. فقد جمعت القمة أكثر من 15 ألف صانع محتوى ومؤثر، واستضافت أكثر من 500 متحدث وخبير بلغ مجموع متابعيهم أكثر من 3.5 مليارات شخص حول العالم.
وتضمن برنامجها أكثر من 580 جلسة وحوار وورشة عمل وفعالية، موزعة على ثلاثة مسارات هي الاقتصاد والمحتوى والتكنولوجيا، إلى جانب مشاركة أكثر من 150 رئيساً تنفيذياً وخبيراً عالمياً. وتعكس هذه الأرقام اتساع المنظومة التي نشأت حول صناعة المحتوى، من المنصات والإعلانات إلى التدريب والاستثمار.
من المؤثر إلى صاحب عمل
يشكل "مقر صناع المحتوى"، أو Creators HQ، أحد المحاور الرئيسية في هذه المنظومة. لقد أُطلق في كانون الثاني/يناير 2025، مع هدف معلن يتمثل في استقطاب 10 آلاف صانع محتوى خلال المرحلة التالية.
وخلال الأشهر الستة الأولى، ضم المقر 2,415 عضواً نشطاً من 147 دولة، كما استقطب 78 شركة عالمية تعمل في قطاع المحتوى من 24 دولة. ويتجاوز مجموع متابعي صناع المحتوى المرتبطين بهذه المنظومة 2.45 مليار شخص، وفق بيانات نشرتها وكالة أنباء الإمارات في آب/أغسطس 2025.
وتكمن القيمة الاقتصادية لصانع المحتوى في أنه لا يملك جمهوراً فحسب، بل قناة مباشرة للوصول إليه. ويمكن تحويل هذه العلاقة إلى عائدات من الإعلانات والرعايات والاشتراكات والتجارة الإلكترونية والفعاليات، أو استخدامها قاعدةً لإطلاق منتج أو شركة أو علامة تجارية.
ويتطلب الانتقال إلى تأسيس مشروع إدارة مالية وقانونية، وفريقاً للإنتاج والتسويق، وبيانات تساعد على فهم الجمهور، وخطة لبناء مصادر متعددة للدخل. وهنا يتطور صانع المحتوى من فرد يقدم مادة رقمية إلى صاحب عمل يدير علامة وفريقاً وعلاقات تجارية.
العائد يمتد إلى أعمال جديدة
ينمو حول صناع المحتوى عدد من الأنشطة المساندة، مثل شركات إدارة المواهب والإنتاج والتصوير والمونتاج والتسويق الرقمي وتحليل البيانات، فضلاً عن الاستوديوهات ومنصات التجارة والتقنيات التي تساعد على إدارة الجمهور وتحويل التفاعل إلى مبيعات.
وتستقبل عضوية Creators HQ صناع المحتوى، مثل مستخدمي "يوتيوب" وصانعي الأفلام والمؤثرين، إضافة إلى العاملين في الأنشطة الداعمة، مثل الإعلام والتكنولوجيا والاستثمار. ويوفر المقر مساحات عمل واستوديوهات للتصوير والبودكاست، وبرامج تدريب وإرشاد، إلى جانب التواصل مع ممثلي منصات التواصل الاجتماعي.
وتشمل الخدمات المعلنة للأعضاء الترشيح للإقامة الذهبية والمساعدة في إجراءات الانتقال، والاستفادة من المرافق وورش العمل وجلسات الإرشاد. ويساعد هذا النوع من الخدمات صناع المحتوى على تنظيم نشاطهم وتطويره ضمن بيئة تجمع بين الإبداع والأعمال.
ويمتد الأثر الاقتصادي إلى الوظائف والخدمات التي يحتاج إليها كل مشروع. فالقناة الناجحة قد يعمل معها محرر ومصور ومصمم ومدير حملات ومختص بالبيانات أو التجارة الإلكترونية. وهكذا يمكن لنشاط بدأ بهاتف وكاميرا أن يتحول إلى شبكة من العقود والوظائف والخبرات المتخصصة.
من الجمهور إلى الاستثمار
تظهر المرحلة التالية عندما ينتقل صانع المحتوى من تحقيق الدخل عبر الإعلانات إلى تأسيس مشروع قابل للنمو. ولهذا الغرض، أُطلق برنامج "مسرّعة مشاريع صناع المحتوى" أو Creators Ventures Accelerator بالشراكة بين Creators HQ وشركة الاستثمار العالمية "500 غلوبال".
وتلقى البرنامج 1,131 طلباً من أكثر من 70 دولة، استوفى 609 منها شروط المشاركة. وتضمنت الطلبات 347 صانع محتوى و262 شركة ناشئة ومنصة أعمال، قبل اختيار 20 مشاركاً ومشروعاً للدفعة الأولى.
وأتاح البرنامج للمشاركين تدريباً على بناء الشركات وتطوير نماذج الأعمال، وفرصة لعرض مشاريعهم أمام مستثمرين، ضمن فرص تمويل واستثمار محتملة تصل قيمتها الإجمالية إلى 50 مليون درهم، أي نحو 13.6 مليون دولار.
ويعكس تخصيص رأس مال لهذا النوع من المشاريع اتساع مفهوم اقتصاد المحتوى. فالاستثمار لم يعد موجهاً إلى المنصات والتطبيقات وحدها، بل يشمل أيضاً أعمالاً يقودها صناع المحتوى وتقوم على المعرفة بالجمهور والقدرة على الوصول إليه.
الذكاء الاصطناعي يدخل الصناعة
يمتد التحول إلى طريقة إنتاج المحتوى نفسها. في النسخة الرابعة من "قمة المليار متابع"، نُظِّمت بالتعاون مع "غوغل جيميني" جائزة عالمية للأفلام المنتجة باستخدام الذكاء الاصطناعي، بلغت قيمتها مليون دولار. وأبدى أكثر من 30 ألف شخص من 116 دولة اهتماماً بالمشاركة، فيما تلقت الجائزة 3,500 فيلم. وفاز بها المخرج التونسي زبير الجلاصي عن فيلمه القصير "ليلي".
ويتيح الذكاء الاصطناعي للأفراد والفرق الصغيرة تنفيذ أعمال كانت تحتاج سابقاً إلى وقت وميزانيات أكبر، من تطوير الأفكار والصور إلى المونتاج والترجمة. ويفتح ذلك الباب أمام مزيد من المبدعين لتجربة أشكال جديدة من السرد والإنتاج.
ومع اتساع استخدام هذه الأدوات، تصبح قيمة الفكرة والهوية الإبداعية وفهم الجمهور أكثر وضوحاً. فالتكنولوجيا توسع إمكانات الإنتاج، بينما تمنح المهارة البشرية المحتوى صوته وشخصيته وقدرته على بناء علاقة مع المشاهد.
التدريب لبناء مسار مهني
تترافق الاستثمارات مع برامج لتطوير المهارات. فقد أطلقت "يوتيوب" وCreators HQ وهي أكاديمية لصناع المحتوى في المنطقة، تقدم فصولاً تدريبية دورية يشرف عليها خبراء في منتجات المنصة واستراتيجياتها، بهدف مساعدة المشاركين على تطوير قنواتهم وبناء مجتمعات رقمية حولها.
وفي حدث منفصل خلال "قمة المليار متابع" في كانون الثاني 2026، تخرج 522 صانع محتوى ومتخصصاً في الإعلام الجديد من سبعة برامج نظمها المكتب الإعلامي لحكومة الإمارات وأكاديمية الإعلام الجديد بالتعاون مع شركاء.
وشملت هذه البرامج صناعة المحتوى المتخصص والتاريخي، والاتصال الحكومي الرقمي، والمحتوى الاقتصادي، والإعلام الاجتماعي. وركزت على تحويل المعرفة المهنية إلى محتوى مبسط وجذاب، وتطوير مهارات الكتابة والتصوير والمونتاج والتسويق واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
وتفيد هذه البرامج في تحويل الموهبة الفردية إلى مسار مهني أكثر تنظيماً. ذلك أن صناعة المحتوى تجمع اليوم بين الإبداع والإدارة وتحليل الأداء وبناء العلامة التجارية وفهم المنصات والسوق.
لماذا يهم ذلك الاقتصاد الإماراتي؟
تتجاوز أهمية اقتصاد صناع المحتوى الإيرادات الإعلانية المباشرة. يدعم القطاع الطلب على الإنتاج والتسويق والتكنولوجيا، ويشجع على تأسيس المشاريع، ويرتبط بالتجارة الإلكترونية والسياحة والإعلام والترفيه والألعاب الرقمية.
كذلك يمكن لصانع محتوى يملك جمهوراً في بلدان متعددة أن يساعد شركة محلية على الوصول إلى أسواق جديدة، أو أن يحول منتجاً صغيراً إلى علامة تجارية عابرة للحدود. وفي الاتجاه المقابل، توفر الشركات والمنصات فرصاً للصناع لتحويل الانتشار إلى نشاط منظم قابل للنمو.
وتظهر القيمة الاقتصادية للجمهور عندما تتحول العلاقة معه إلى منتجات وخدمات وشركات ووظائف وحقوق ملكية فكرية. يشكل عدد المتابعين نقطة بداية، بينما تبني الخبرة والإدارة والاستثمار القيمة على المدى الطويل.
بهذا المعنى، يجمع النموذج الإماراتي عناصر الصناعة في مكان واحد: صانع المحتوى، والمنصة، وشركة الإنتاج، والمستثمر، وبرامج التدريب، والخدمات المساندة. ومن خلال هذا التكامل، يتحول انتباه الجمهور، وهو مورد متزايد القيمة في العصر الرقمي، إلى مشاريع ومنتجات وفرص عمل جديدة.
نبض