السياحة العالمية تتجه للنمو 3.1% في 2026 إلى 1.53 مليار مسافر
ترسم مراجعة "بي إم آي" لمنتصف العام صورة قطاع ينتقل من مرحلة التعافي بعد الجائحة إلى سباق على القيمة لا العدد، إذ تتجه الوجهات إلى جذب المسافرين الأعلى إنفاقاً، بينما تضغط النزاعات وكلفة السفر على الطلب، وتدفع الأسر المتوسطة والمنخفضة الدخل نحو رحلات إقليمية أقصر.
خفضت "بي إم آي"، التابعة لـ"فيتش سولوشنز"، توقعاتها لنسبة نمو عدد السياح عالمياً في 2026 إلى 3.1% على أساس سنوي، ليصل العدد إلى 1.53 مليار سائح، مقارنة بتوقع سابق بنمو 5.9% إلى 1.59 مليار سائح، بحسب تحديثها الصادر في 4 آب/أغسطس 2026.
وقالت الشركة إن التوقعات الجديدة تستند إلى بيانات عالية التواتر لحركة السياحة بين كانون الثاني/يناير وحزيران/يونيو 2026، مشيرة إلى أن عدد الوافدين بلغ 1.48 مليار في 2025.
ورغم بقاء النظرة العامة إيجابية، ترى "بي إم آي" أن المخاطر تميل إلى الجانب السلبي بفعل التوترات الجيوسياسية.
من عدد السياح إلى قيمة الإنفاق
توقعت "بي إم آي" أن تركز الأسواق السياحية في 2026 على "نوعية" السياح لا عددهم فقط، عبر استهداف المسافرين طويلي المدى والأعلى إنفاقاً لزيادة الإيرادات.
وذكرت أن فرنسا لا تزال تستهدف رفع إيرادات السياحة الدولية 41% إلى 100 مليار يورو (115.1 مليار دولار) بحلول 2030، انطلاقاً من مستوى 2025، في إطار استراتيجية تهدف إلى تقليص فجوة الإيرادات مع الولايات المتحدة وإسبانيا والمملكة المتحدة.
وتشير "بي إم آي" إلى مبادرات مشابهة في أسواق أخرى. فقد واصلت أستراليا حملة "تعال وقل مرحباً" في أسواق مصدرية رئيسية مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا، بينما أطلقت كينيا حملة "اختبر الدهشة" مستهدفة 5.5 ملايين زائر دولي بحلول 2028.
كما تنفذ المكسيك جولة ترويجية تحت اسم "التقِ المكسيك" في مدن أميركية وكندية، وأعلنت مبادرة ترويجية بقيمة 100 مليون بيزو مكسيكي، فيما اختتمت "براند يو إس إيه" مهمة مبيعات إلى المكسيك في كانون الثاني/يناير 2026.
إنفاق متفاوت بين شرائح الدخل
تقول "بي إم آي" إن إنفاق المستهلكين عالمياً يُتوقع أن ينمو 3.6% في 2026، متجاوزاً مستويات ما قبل الجائحة بـ4.4%. إلا أن هذا التعافي لا ينعكس بالتساوي على شرائح الدخل.
فالأسر ذات الدخل المرتفع تواصل دعم الطلب على السفر الفاخر والتجارب السياحية الأعلى كلفة، بينما تعيد الأسر المتوسطة والمنخفضة الدخل توزيع ميزانيات السفر بدلاً من إلغائها كلياً، عبر استبدال الرحلات الدولية الطويلة برحلات إقليمية أو متوسطة المدى أقل كلفة.
وهذا التحول، بحسب الشركة، يضغط على متوسط الإنفاق لكل رحلة، كما يزيد المنافسة بين الوجهات الإقليمية ومتوسطة المدى. في المقابل، يستفيد المسافرون الأعلى دخلاً من أثر الثروة الناتج من ارتفاع أسعار الأصول، ومن انتقال الإنفاق نحو التجارب والرفاه الشخصي.
وتبرز الهند، في قراءة "بي إم آي"، كعامل دعم هيكلي للسياحة الداخلية والخارجية بفضل توسع الطبقة الوسطى وارتفاع القوة الشرائية الحقيقية، بينما تواجه الصين تعافياً أكثر حذراً بسبب ضعف سوق العقارات، وارتفاع بطالة الشباب، وزيادة الادخار الاحترازي. وتتوقع الشركة أن تتعافى السياحة المحلية في الصين بوتيرة أسرع من السفر الخارجي.
التوترات تضغط على الرحلات بعيدة المدى
في الشرق الأوسط، ترى "بي إم آي" أن الأوضاع السياسية تؤثر بقوة في تدفقات السياحة إلى دول المنطقة كما أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً، ينعكس على وقود الطائرات وكلفة السفر، إلى الوجهات بعيدة المدى.
كما توقعت "بي إم آي" استمرار الحرب الروسية-الأوكرانية خلال العام، مع بقاء احتمالات وقف إطلاق النار محدودة. وفي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وصفت وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس بأنه هش، مشيرة إلى احتمال استمرار الحروب بالوكالة وبقاء بؤر مثل بلاد الشام وإيران في حالة تقلب.
وترى الشركة أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة ستسرع التحول نحو سياحة متعددة الأقطاب، حيث تتجه الأسواق إلى تعزيز الحركة السياحية من الحلفاء السياسيين.
ورغم أن الولايات المتحدة شاركت في استضافة كأس العالم 2026 مع كندا والمكسيك بين 11 حزيران/يونيو و19 تموز/يوليو، توقعت "بي إم آي" أن تكون مكاسب الوافدين محدودة بسبب تجنب بعض المسافرين الأجانب السوق الأميركي نتيجة ردود الفعل وتشديد إجراءات الهجرة.
قيود أشد على الإيجارات قصيرة الأجل
على صعيد الإقامة السياحية، توقعت "بي إم آي" أن تواجه الإيجارات قصيرة الأجل تنظيماً أشد في 2026 مع تعافي حركة السفر وارتفاع الطلب على خيارات الإقامة الأقل كلفة والأكثر خصوصية. ووصفت العام بأنه نقطة تحول في طريقة تعامل السلطات مع هذه السوق.
في أوروبا، دخل تنظيم الاتحاد الأوروبي 2024/1028 حيز التنفيذ في 20 أيار/مايو 2026، ملزماً المضيفين بالحصول على رقم تسجيل فريد يظهر في كل الإعلانات، كما يلزم المنصات بالتحقق من الامتثال ومشاركة بيانات النشاط شهرياً مع السلطات الوطنية وإزالة الإعلانات غير المطابقة. وتراوح الغرامات بين 10 آلاف و50 ألف يورو أو أكثر.
وتشمل الإجراءات الأوروبية التزام برشلونة بإلغاء 10,101 رخصة لشقق سياحية بحلول تشرين الثاني/نوفمبر 2028، وخفض أمستردام سقف التأجير السنوي إلى 15 ليلة في الأحياء المركزية، مقارنة بحد سابق بلغ 30 ليلة على مستوى المدينة.
كما تفرض فرنسا حداً أقصى يبلغ 120 ليلة سنوياً للمساكن الرئيسية، بينما تقيد إيطاليا المعاملة الضريبية التفضيلية بحد أقصى لعقارين لكل مالك.
وامتد التشدد إلى خارج أوروبا. ففي الولايات المتحدة، فرضت رود آيلاند ضريبة 5% على تأجير المنازل الكاملة قصير الأجل بدءاً من كانون الثاني/يناير 2026، بينما أدخلت هيوستن وأوستن في تكساس التسجيل الإلزامي للمشغلين.
الذكاء الاصطناعي يدخل تخطيط السفر
تتوقع "بي إم آي" أن يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل التخطيط للسفر في 2026، مع اعتماد المسافرين على أدوات لتنظيم العطلات تستند إلى البيانات الفورية والتوصيات الشخصية والحجز السلس.
وتشمل المنصات التي رصدها التقرير "ليلى" و"مايندتريب" و"سيرتش سبوت" و"ووندر بلان"، إضافة إلى "تشات جي بي تي"، ومنصات مخصصة مثل "مايرا" التابعة لـ"ميك ماي تريب" و"إيه آي ديسكفري" من "سكاي سكانر".
لكن الشركة أشارت إلى فجوة اعتماد لا تزال قائمة، إذ إن 55% من المسافرين لم يستخدموا الذكاء الاصطناعي بعد في التخطيط للسفر. كما تبقى جودة التخصيص، ودقة البيانات الفورية، والانتقال من الإلهام إلى الحجز الفعلي من أبرز التحديات.
وتتبنى شركات السفر والفنادق أدوات محادثة وحجز تعتمد على الذكاء الاصطناعي. فقد أطلقت "آي إتش جي" تطبيقاً على "تشات جي بي تي"، واختبرت "هيلتون" خدمة مساعد رقمي مولد بالذكاء الاصطناعي، كما أطلقت "ويندهام" تطبيق حجز أصلياً على "تشات جي بي تي"، في حين طرحت "ماريوت" خدمة "آسك بونفوي".
وتلفت "بي إم آي" إلى أن النموذج المفضل في القطاع لا يزال قائماً على قيادة بشرية مدعومة بالتكنولوجيا، لا على تفويض كامل للذكاء الاصطناعي. وتبقى الثقة، وأمن المدفوعات، والمسؤولية القانونية، ومنع الاحتيال، وخصوصية البيانات، مسائل أساسية أمام تبني أوسع لهذه الأدوات.
السياحة الفاخرة تبقى أكثر صموداً
أما السياحة الفاخرة، فتوقعت "بي إم آي" أن تبقى صامدة في 2026 بدعم إنفاق الأسر الأعلى دخلاً، رغم الاضطراب الناجم عن المخاطر الجيوسياسية.
وقالت إن السفر إلى مناطق مثل آسيا والمحيط الهادئ، والكاريبي، وشمال أفريقيا، خصوصاً المغرب ومصر، وأفريقيا جنوب الصحراء، يواصل النمو.
وترصد الشركة ثلاثة اتجاهات رئيسية في السفر الفاخر: السفر القائم على التجربة والسرد، والتخصيص المدعوم بالتكنولوجيا، والتركيز على الاستدامة والخصوصية وتجنب الوجهات المزدحمة.
وبحسب "بي إم آي"، أصبح المسافرون الأعلى دخلاً يختارون الوجهات بناءً على التجربة التي يريدونها، مثل دورات الطهي أو المنتجعات الحرارية أو مسارات الدراجات، بدلاً من تخطيط الرحلات حول مدن ومعالم شهيرة.
كما يتجهون إلى الإقامة لفترات أطول في أماكن أقل عدداً، مع تراجع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في قرارات السفر لهذه الشريحة.
خمس حقائق رئيسية
1. خفضت "بي إم آي" توقعاتها لنمو السياحة العالمية في 2026 إلى 3.1%، مقارنة بتوقع سابق بلغ 5.9%.
2. تتوقع الشركة وصول عدد السياح عالمياً إلى 1.53 مليار في 2026، ارتفاعاً من 1.48 مليار في 2025.
3. توقعت "بي إم آي" نمو إنفاق المستهلكين عالمياً 3.6% في 2026، مع تباين واضح بين شرائح الدخل.
4. دخل تنظيم أوروبي جديد للإيجارات قصيرة الأجل حيز التنفيذ في 20 أيار/مايو 2026، مع غرامات قد تتجاوز 50 ألف يورو.
5. قالت "بي إم آي" إن 55% من المسافرين لم يستخدموا بعد أدوات الذكاء الاصطناعي في التخطيط للسفر.
نبض