الحوثيون يتحركون في باب المندب والعالم والأسواق لم تتحرك بعد
العالم تعايش مع إغلاق مضيق هرمز منذ خمسة أشهر دون أن يهتز كثيراً، وثمة أسباب تجعل من إغلاق باب المندب أزمة إقليمية محدودة الأثر أكثر منها زلزالاً نفطياً عالمياً جديداً.
الصين: المتضرر الصامت الذي لا يريد حلاً سريعاً
الصين من أكثر الدول تأثراً بالصراع، إذ إن وارداتها النفطية تراجعت إلى مستويات منخفضة نسبياً منذ إغلاق هرمز. لكن مخزونها الاستراتيجي الضخم يمنحها هامش أمان يكفيها لفترة، ما يقلل من إلحاح الأزمة بالنسبة لها. والأهم من ذلك أن بكين ليست في عجلة من أمرها لإنهاء الأزمة بالكامل، لأن استمرار الحرب والعقوبات على إيران يتيح لها الاستمرار في شراء النفط الإيراني بأسعار مخفّضة تحت غطاء الحظر. أي حل سريع للنزاع الإيراني-الأميركي قد يعني إغلاق هذا الباب الرخيص أمام الصين، وهذا تحديداً ما لا تريده بكين. هذه مفارقة تستحق التوقف عندها: الصين متضررة تكتيكياً، لكنها مستفيدة استراتيجياً من استمرار الغموض.
لماذا لا يهتز السوق كثيراً؟
الفارق الجوهري بين هرمز وباب المندب هو من يتحمّل الضرر. إغلاق باب المندب يضرب بشكل مباشر مصافي آسيا، بينما تجد أوروبا مخرجاً بديلاً عبر قناة السويس دون الحاجة للالتفاف الكامل حول أفريقيا. أما الولايات المتحدة، فهي في وضع أفضل من الجميع؛ فهي مكتفية ذاتياً من النفط تقريباً، وتعمل حالياً على رفع استيراد أو إنتاج النفط الفنزويلي بعد أن خفّفت واشنطن العقوبات على شركة "بتروليوس دي فينزويلا" (PDVSA) في إطار سعيها لتعويض النقص العالمي في الإمدادات خلال حرب إيران. هذا التوزيع غير المتكافئ للضرر - آسيا تدفع الثمن الأكبر، وأوروبا وأميركا أقل تأثراً - يفسّر جزئياً برودة السوق النسبية مقارنة بحجم التهديد المعلن.

كلفة الالتفاف حول أفريقيا: الرحلة الجنونية
إذا اضطرت الناقلات النفطية للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بدل عبور باب المندب وقناة السويس، فإن الكلفة والزمن يتضاعفان تقريباً. تشير تقديرات قطاع الشحن إلى أن مدة الرحلة بين آسيا وشمال غرب أوروبا ترتفع من نحو 16 يوماً إلى 32 يوماً، أي زيادة تقارب 14 يوماً إضافياً في كل اتجاه، مع كلفة إضافية تقترب من مليون دولار لكل رحلة لناقلة واحدة من فئة "أفرامكس" (Aframax). هذه ليست مجرد أرقام تقنية؛ إنها تعني عملياً أن أي كمية نفط خليجي تصل إلى آسيا ستُسعّر بعلاوة تأمين وشحن أعلى بكثير، وأن المصافي الآسيوية ستكون الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، تماماً كما جرى مع تدفقات النفط السعودي من ميناء ينبع التي واجهت تأخيرات مماثلة سابقاً حين أُجبرت على مسارات بديلة.

مخرج جزئي محدود: صفقات المبادلة
من الحلول التي تخفف الضغط جزئياً، تبرز صفقات المبادلة (اswap) التي تتيح لدول الخليج بيع نفطها عبر البحر الأحمر إلى شركات تجارية تزوّد أوروبا، في حين تتولى هذه الشركات نفسها بيع كميات مماثلة من مخزوناتها الأخرى إلى الصين وآسيا من مواقع بعيدة عن مضيق هرمز. لكن المنطق التجاري يشير إلى أنها تبقى محدودة الحجم بطبيعتها، لأنها تعتمد على مرونة تشغيلية وشبكات عملاء لا تتوفر لكل منتج أو كل شركة، وهي أقرب إلى حل مؤقت لا بديل استراتيجي شامل.
السعودية بين الصمت التكتيكي والحاجة إلى غطاء دولي
من غير المتوقع أن تصمت الرياض إلى الأبد على استمرار الاعتداءات الحوثية في باب المندب، خاصة أن الضرر الأكبر من إغلاقه يقع عليها تحديداً بوصفها المصدّر الأول عبر هذا الممر بعد أن تحوّلت جزئياً إليه إثر إغلاق هرمز. لكن أي رد سعودي مباشر يحتاج غطاءً دولياً وشرعية واسعة، تحديداً لأن أي تصعيد عسكري في هذا الممر الحساس يحمل مخاطر انزلاق إقليمي أوسع. ومصر أيضاً من الدول المتضررة من تعطّل الملاحة في باب المندب، بحكم ارتباط الأمر المباشر بحركة الملاحة في قناة السويس ومورد العملة الصعبة المرتبط بها، لكن الضرر الاقتصادي والاستراتيجي الأكبر يبقى على السعودية بوصفها المصدّر النفطي الأول المعتمد على هذا الممر.
في المحصلة، لا يبدو باب المندب اليوم مرشحاً ليكون صدمة نفطية عالمية بحجم المخاوف المعلنة، بقدر ما قد يتحول إلى أزمة كلفة وتوزيع أعباء بين آسيا وأوروبا والولايات المتحدة. الأسواق تعلّمت، منذ إغلاق هرمز، أن تتعامل مع الخطر الجيوسياسي كواقع قابل للتسعير لا ككارثة فورية. لكن هذا لا يعني أن المخاطر محدودة بالكامل. فكلما طال تعطّل الممرات البحرية، ارتفعت كلفة التأمين والشحن، وتزايد الضغط على المصافي الآسيوية، وتقلّصت قدرة الدول الإقليمية على إدارة الأزمة بالصمت أو الحلول المؤقتة.
المشكلة، إذاً، ليست في أن العالم سيتوقف عند باب المندب، بل في أنه قد يعتاد سريعاً على أزمة جديدة كما اعتاد على أزمة هرمز. وهذا الاعتياد هو الخطر الحقيقي: أن تتحول الممرات البحرية العربية، من شرايين للتجارة والطاقة، إلى نقاط ابتزاز دائمة تُدار بردود فعل بطيئة، وحسابات مترددة، وأسواق لا تتحرك إلا عندما تصبح الكلفة أعلى من القدرة على امتصاصها.
نبض