أرباح البنوك السعودية تفوق تقديرات المحللين وسط توترات مضيق هرمز.. والسوق لا يتفاعل بشدة
سجلت تسعة بنوك سعودية صافي أرباح مجمّعة في الربع الثاني من 2026، متجاوزة متوسط تقديرات المحللين. لكن تباطؤ نمو التمويلات لدى أكبر ثلاثة بنوك وتباين أداء الأسهم بعد إعلان النتائج يشيران إلى أن المستثمرين ينظرون إلى ما هو أبعد من صافي الربح، ولا سيما نمو الإقراض والودائع والمخصصات والوضع الجيوسياسي في المنطقة.
أعلنت تسعة بنوك سعودية صافي أرباح مجمّعة بلغ 24.34 مليار ريال، أي نحو 6.49 مليارات دولار، في الربع الثاني من 2026، متجاوزة متوسط تقديرات المحللين، بدعم من نمو الدخل من الاستثمارات والتمويل وتراجع مخصصات خسائر الائتمان لدى بعض البنوك. وجاءت هذه النتائج في ظل تصعيد عسكري متواصل بين الولايات المتحدة وإيران أدى إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الممر الذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية، وارتفاع أسعار النفط وتقلب الأسواق الإقليمية منذ اندلاع المواجهة في أواخر شباط/فبراير 2026.
لكن النتائج تكشف في الوقت نفسه تباطؤاً في نمو التمويلات لدى أكبر ثلاثة بنوك في المملكة، وهي مصرف الراجحي والبنك الأهلي السعودي وبنك الرياض، ما يطرح سؤالاً حول قدرة القطاع على الحفاظ على وتيرة نمو الأرباح إذا هدأت شهية الإقراض أو ارتفعت كلفة المخاطر، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة.
وبحسب بيانات أعلنتها البنوك عبر السوق المالية السعودية "تداول"، ارتفع صافي الربح المجمّع للبنوك التسعة 8.3% في الربع الثاني، مقارنة بنحو 22.47 مليار ريال سعودي، أي نحو 5.99 مليارات دولار، في الفترة المماثلة من العام الماضي.
وتجاوزت الأرباح المجمّعة متوسط توقعات المحللين البالغ نحو 22.97 مليار ريال سعودي، أي نحو 6.12 مليارات دولار، وفق تقديرات عدد من بيوت الأبحاث.

وساعد على هذا الأداء ارتفاع الإيرادات التشغيلية للقطاع، باستثناء بنك الجزيرة، إذ زاد صافي الدخل من الاستثمارات والتمويل بمقدار 2.6 مليار ريال سعودي، أي نحو 693 مليون دولار، وبنسبة 9%، فيما ارتفع دخل العمليات الإجمالي بنحو 3.1 مليار ريال سعودي، أي نحو 827 مليون دولار، وبنسبة 8%.
وجاء الجزء الأكبر من نمو الأرباح من مصرف الراجحي والبنك الأهلي السعودي، إذ شكّل الأول نحو 48% من نمو أرباح القطاع، والثاني نحو 26%، بما يعادل قرابة ثلاثة أرباع الزيادة الإجمالية في أرباح البنوك التسعة.
وحقق مصرف الراجحي صافي ربح بلغ 7.01 مليارات ريال سعودي، أي نحو 1.87 مليار دولار، بنمو 14%، متجاوزاً متوسط التوقعات البالغ 6.84 مليارات ريال سعودي، أي نحو 1.82 مليار دولار، بدعم من ارتفاع صافي الدخل من الاستثمارات والتمويل بنسبة 14% ودخل العمليات بنسبة 13%، بحسب بيان البنك.
وسجل البنك الأهلي السعودي صافي ربح بلغ 6.61 مليارات ريال سعودي، أي نحو 1.76 مليار دولار، مقابل توقعات بنحو 6.05 مليارات ريال سعودي، أي نحو 1.61 مليار دولار.
أما بنك الجزيرة فسجل ثاني أعلى معدل نمو بين البنوك المعلنة، إذ ارتفع صافي ربحه 15.88% إلى 442.8 مليون ريال سعودي، أي نحو 118.1 مليون دولار، مقارنة بتوقعات بلغت 412 مليون ريال سعودي، أي نحو 109.9 ملايين دولار. وفي المقابل، سجل مصرف الإنماء أضعف وتيرة نمو بين البنوك التسعة، إذ ارتفعت أرباحه 1.39% فقط، وهي أدنى وتيرة نمو له منذ الربع الثالث من 2025.

رد فعل السوق: تجاوز التوقعات لا يكفي
أظهرت حركة بعض الأسهم أن تجاوز التوقعات لم يكن كافياً وحده لدفع مكاسب واسعة في القطاع. فقد تراجع سهم بنك الرياض 0.57% في مستهل جلسة الثلاثاء 21 تموز/يوليو 2026، رغم تحقيق البنك صافي ربح بلغ 2.65 مليار ريال سعودي، أي نحو 706.4 ملايين دولار، متجاوزاً متوسط تقديرات المحللين البالغ 2.58 مليار ريال سعودي، أي نحو 688 مليون دولار.
وفي المقابل، بدا رد فعل السوق أكثر إيجابية نسبياً تجاه مصرف الراجحي والبنك الأهلي السعودي، اللذين سجلا أرباحاً تفوقت على التوقعات، مع بقاء قراءة المستثمرين مرتبطة بعوامل أخرى تتجاوز صافي الربح، مثل نمو التمويل والودائع وصافي دخل العمولات والمخصصات.
وقال عبدربه زيدان، رئيس الأبحاث والبيانات المالية في بوابة "أرقام" المالية: "ارتفاع أرباح البنوك لا يعني بالضرورة ارتفاع السهم في نفس الجلسة. المستثمر يقارن النتائج بما كان متوقعاً مسبقاً، وليس بالفترة المماثلة فقط. فإذا كانت الأرباح متوافقة مع التوقعات أو أقل قليلاً من طموحات المستثمرين، فقد يتعرض السهم لضغوط رغم تحقيق نمو في الأرباح، خصوصاً في حال وجود بيئة غير مستقرة للاستثمار كالتوترات الجيوسياسية الحالية التي تشهدها المنطقة".
وأضاف زيدان: "أداء أسهم البنوك لا يعتمد على صافي الربح فقط، بل يراقب المستثمرون مؤشرات أخرى مثل نمو محفظة التمويل، والودائع، وصافي دخل العمولات الخاصة (الهامش)، لذلك قد نرى تبايناً في أداء أسهم القطاع؛ فمثلاً ارتفاع أرباح مصرف الراجحي بنحو 14% لا يعني بالضرورة صعود السهم إذا كانت هذه النتائج قد تم تسعيرها مسبقاً وكانت بعض مؤشرات النمو أو التوزيعات أقل من البنوك الأخرى".
تباطؤ التمويل لدى أكبر ثلاثة بنوك
تكشف نتائج أكبر ثلاثة بنوك سعودية من حيث الأصول والتمويلات والودائع أن وتيرة نمو التمويلات فقدت بعض زخمها في الربع الثاني، بحسب البيانات المالية المعلنة.
ففي مصرف الراجحي، فاق نمو الودائع نمو التمويلات للمرة الأولى منذ الربع الثالث من 2024، فيما تباطأ نمو التمويلات إلى أدنى وتيرة منذ الربع الرابع من 2018.
وفي البنك الأهلي السعودي، تباطأ نمو التمويلات على أساس سنوي إلى أدنى وتيرة منذ الربع الثاني من 2019.
أما بنك الرياض فسجل أدنى وتيرة نمو في التمويلات منذ الربع الثالث من 2018، رغم نمو ودائع العملاء 9.9% إلى 348.27 مليار ريال سعودي، أي نحو 92.9 مليار دولار.
ويطرح هذا التباطؤ المتزامن لدى أكبر ثلاثة بنوك في المملكة تساؤلات حول أسبابه، سواء كان مرتبطاً بتشديد معايير الإقراض، أو تراجع الطلب على التمويل، أو إعادة توجيه استراتيجي نحو تعزيز قاعدة الودائع بدلاً من التوسع الائتماني السريع. ولا تتيح البيانات المتاحة الجزم بسبب واحد لهذا التباطؤ، إذ يتطلب ذلك إفصاحات إضافية من البنوك أو مؤشرات تفصيلية عن الطلب على الائتمان وجودة الأصول وتوجهات التسعير.

المخصصات تدعم الأرباح.. لكن الصورة متفاوتة
استفاد القطاع المصرفي إجمالاً من تراجع مخصصات خسائر الائتمان المتوقعة والخسائر الأخرى، التي انخفضت بنحو 147 مليون ريال سعودي، أي نحو 39.2 مليون دولار، أو 7% على أساس مجمّع، باستثناء بنك الجزيرة. وقد وفّر ذلك دعماً إضافياً لنمو الأرباح، رغم استمرار بعض البنوك في زيادة مخصصاتها بشكل منفرد.
لكن هذا التراجع المجمّع يخفي تبايناً واسعاً بين البنوك. فقد انخفضت مخصصات البنك السعودي الأول بنسبة حادة بلغت 98%، وبمقدار 211 مليون ريال سعودي أي نحو 56.3 مليون دولار، ما شكّل عاملاً رئيسياً في نمو أرباحه. كما تراجعت مخصصات البنك العربي الوطني 17%، أو ما يعادل 36 مليون ريال سعودي أي نحو 9.6 مليون دولار، بما دعم أرباحه.
في المقابل، ارتفعت مخصصات بنك الرياض 29%، أو 90 مليون ريال سعودي أي نحو 24 مليون دولار، ما حدّ من نمو أرباحه إلى 2% فقط رغم نمو إيراداته التشغيلية 5%.
كما تحول البنك الأهلي السعودي من عكس مخصصات بقيمة 170 مليون ريال سعودي أي نحو 45.3 مليون دولار في الربع الثاني من 2025 إلى تكوين مخصصات بقيمة 258 مليون ريال سعودي أي نحو 68.8 مليون دولار في الربع الثاني من 2026، بأثر سلبي بلغ 428 مليون ريال سعودي أي نحو 114.1 مليون دولار. وقد حدّ ذلك من انتقال النمو التشغيلي، البالغ 11%، كاملاً إلى صافي الربح، الذي نما 7.64%.
وقد يكون هذا التحول في المخصصات من العوامل التي ساهمت في القراءة المتحفظة نسبياً لسهم الأهلي، إلى جانب مؤشرات أخرى يراقبها المستثمرون مثل نمو التمويل والودائع والهامش.
وعلى النقيض، واصل مصرف الراجحي تحقيق نمو قوي في أرباحه، رغم ارتفاع مخصصاته 47%، أو 281 مليون ريال سعودي أي نحو 74.9 مليون دولار. أما بنك الجزيرة، فبقيت مخصصاته مستقرة تقريباً خلال الربع، ما يعني أن نمو أرباحه جاء بصورة أساسية من مصادر تشغيلية، أبرزها ارتفاع دخل الاستثمارات بأكثر من 163%، بحسب بيان البنك.
ماذا تعني النتائج؟
تؤكد نتائج الربع الثاني أن البنوك السعودية ما زالت قادرة على تحقيق نمو في الأرباح، مستفيدة من قوة الدخل التشغيلي وتحسن بعض بنود المخصصات. لكن قراءة المستثمرين تبدو أكثر انتقائية، إذ لم يعد نمو صافي الربح وحده كافياً لتقييم الأداء، خصوصاً عندما تظهر إشارات تباطؤ في التمويل أو ارتفاع في كلفة المخاطر لدى بعض البنوك.
وتبقى نقطة الاختبار الرئيسية في الأرباع المقبلة هي ما إذا كان تباطؤ الإقراض لدى البنوك الكبرى مؤقتاً، أم بداية مرحلة أكثر هدوءاً في نمو الائتمان داخل أكبر اقتصاد عربي.
نبض