قوانين جديدة أقرها النواب تثقل المالية العامة... التكلفة 600 مليون دولار سنويا والمتوافر أقل
فيما دخل رسم البنزين وتعديل رسوم المستوعبات حيز التنفيذ سريعا، لم يبحث مجلس النواب في جلسته الأخيرة رفع ضريبة القيمة المضافة، وهو الإجراء الذي كانت الحكومة تعوّل عليه لتوفير الجزء الأكبر من التمويل.
صحيح أن تحسين أوضاع موظفي القطاع العام يشكل مطلبا اجتماعيا مشروعا بعد سنوات من تآكل الأجور، بيد أن الكلفة الفعلية لهذه القرارات أصبحت موضع تساؤل، خصوصا أن معظم مصادر التمويل التي طرحتها الحكومة لم توفر الإيرادات المطلوبة. ومع كل قانون جديد يضيف أعباء على الخزينة، يتعاظم الخوف من العودة إلى الحلقة نفسها التي دفعت ثمنها المالية العامة والاقتصاد بعد سلسلة الرتب والرواتب عام 2017.
لم تكن الجلسة التشريعية الأخيرة لمجلس النواب مجرد جلسة لإقرار قوانين مالية، بل محطة رتبت التزامات جديدة على الدولة، أبرزها فتح اعتماد إضافي بقيمة 56.5 تريليون ليرة في موازنة عام 2026 لتمويل 6 رواتب إضافية للعسكريين وموظفي القطاع العام، بمفعول رجعي اعتبارا من الأول من آذار، إلى جانب إقرار اتفاقات قروض وتشريعات مالية وإدارية أخرى.
وكانت الحكومة قد أقرت هذه الزيادة في شباط الماضي، إلا أن صرفها بقي معلقا بسبب غياب التمويل الكافي. وتقدّر كلفتها بأكثر من 600 مليون دولار سنويا، أي ما يعادل نحو 30% من كتلة الرواتب والأجور، بما جعل توفير الموارد اللازمة لها العقدة الأساسية.
ولتمويل هذه الزيادة، اقترحت الحكومة رفع ضريبة القيمة المضافة من 11% إلى 12%، وفرض رسم إضافي بقيمة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، وزيادة رسوم المستوعبات، إلى جانب إجراءات لتحسين الجباية.
وفيما دخل رسم البنزين وتعديل رسوم المستوعبات حيز التنفيذ سريعا، لم يبحث مجلس النواب في جلسته الأخيرة رفع ضريبة القيمة المضافة، وهو الإجراء الذي كانت الحكومة تعوّل عليه لتأمين الجزء الأكبر من التمويل.
لكن النتائج جاءت دون التوقعات. فالرسم على البنزين لم يؤمن، وفق الأرقام المتداولة، أكثر من 30 مليون دولار شهريا، بعدما تراجع استهلاك المحروقات خلال الأشهر الماضية بنحو 25% إلى نحو 300 ألف صفيحة، ما يعني أن إيراداته السنوية لن تتجاوز 360 مليون دولار. كذلك انعكس تباطؤ حركة الاستيراد على رسوم المستوعبات التي انخفضت إيراداتها بدورها. أما الرهان على زيادة ضريبة القيمة المضافة TVA بنسبة نقطة مئوية واحدة، فقد اصطدم بارتفاع الأسعار عالميا وتراجع القدرة الشرائية محليا، فيما سقط أيضا المقترح القاضي بفرض رسم يراوح بين 1 و3% على السلع المسببة للتلوث.
وبذلك بقي الإنفاق الإضافي الذي يمثل نحو 10.5% من موازنة 2026، من دون مصدر تمويل واضح، فيما تبدو الخيارات المتبقية جميعها مرتفعة الكلفة، سواء عبر ضخ مزيد من الليرات في السوق، أو الضغط على احتياطات العملات الأجنبية، أو فرض ضرائب ورسوم جديدة تنعكس مباشرة على المواطنين.

نفقات جديدة من دون رؤية مالية
المشكلة لا تكمن في أحقية تحسين أوضاع الموظفين، بل في إقرار نفقات جديدة من دون رؤية مالية متكاملة، وفق النائب غسان حاصباني الذي يشير إلى أن قوانين عدة باتت تقر بصورة مجتزأة، فيما تضاف إليها خلال الجلسات النيابية تعديلات توسع دائرة المستفيدين من دون أي دراسة مسبقة للكلفة أو لمصادر التمويل.
ويلفت إلى أن الحكومة، وتحديدا وزير المال ياسين جابر، يعلن وجود صعوبة في تحصيل الإيرادات المقدرة في الموازنة، ما يطرح تساؤلات عن قدرتها على تغطية النفقات الإضافية، خصوصا مع اللجوء إلى نقل اعتمادات من الاحتياط، فيما تتراجع الإيرادات الفعلية عن التقديرات التي بنيت عليها الموازنة.
وبحسب حاصباني، فإن "استمرار هذا النهج سيضع الدولة أمام معادلة صعبة، إذ ستتراكم الالتزامات المالية في مقابل موارد غير كافية، ما قد يفرض على وزارة المال ترتيب أولويات الإنفاق وتأجيل بعض المستحقات، لأن الأموال المتاحة لن تكفي لتغطية جميع النفقات".
ويشدد على أن "أيّ نفقة جديدة يجب أن يقابلها مورد جديد أو فائض في الإيرادات، وهو ما لم يتحقق في ملف الرواتب الإضافية، بعدما سقط خيار رفع ضريبة القيمة المضافة، فيما أثبتت الرسوم الأخرى محدودية قدرتها على تغطية الكلفة الفعلية".
ولا يكشف حاصباني سرا بتأكيده أن تعديلات تجرى أحيانا في اللحظات الأخيرة في الهيئة العامة لمجلس النواب تغير بصورة جوهرية حجم الإنفاق، من دون أن تمر باللجان المختصة أو تخضع لدراسة وزارة المال، ما يفاقم الفوضى في التشريع والإنفاق العام.

مخاوف من تكرار تجربة 2017
لا يقتصر الخلل، بحسب حاصباني، على الجانب المالي، بل يمتد إلى إدارة القطاع العام. إذ يدعو إلى إعداد دراسة شاملة لحاجات الإدارات، وإعادة توزيع الموظفين الحاليين لسد الشواغر قبل اللجوء إلى توظيفات جديدة أو تثبيت متعاقدين، فضلا عن إعداد رؤية متكاملة لتصحيح الأجور وربطها بخطة إصلاح إداري وإدارة فعالة للموارد البشرية.
ويرى أن "إعادة توزيع الموظفين بين الإدارات قد تؤمن جزءا كبيرا من الحاجات من دون تحميل الخزينة أعباء إضافية، فيما يفترض بوزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية أن تقود هذه العملية بالتوازي مع إعادة هيكلة القطاع العام".
يبقى تحسين أوضاع موظفي القطاع العام حقا مشروعا، لكن التجربة اللبنانية أظهرت أن أيّ زيادة لا تستند إلى موارد مستدامة سرعان ما تفقد قيمتها تحت وطأة التضخم وارتفاع الأسعار. ومع استمرار غياب الإصلاحات البنيوية، تتزايد المخاوف من أن تتحول القرارات الأخيرة إلى محطة جديدة تعيد إنتاج تداعيات سلسلة الرتب والرواتب عام 2017، حين انتهت الزيادات إلى استنزاف المالية العامة، فيما تبخرت مكاسبها تدريجا مع ارتفاع الأسعار واتساع العجز.
نبض