الشركات الأجنبية تقلّص عملياتها... كيف تؤثر التوترات الجيوسياسية على بيئة العمل في العراق؟

اقتصاد وأعمال 01-05-2026 | 10:23

الشركات الأجنبية تقلّص عملياتها... كيف تؤثر التوترات الجيوسياسية على بيئة العمل في العراق؟

يحذر الخبراء من أن استمرار التوترات قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة وتراجع فرص العمل في العراق، ما يتطلب اتخاذ إجراءات حكومية عاجلة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
الشركات الأجنبية تقلّص عملياتها... كيف تؤثر التوترات الجيوسياسية على بيئة العمل في العراق؟
عاطلون عن العمل في بغداد. (فرانس برس)
Smaller Bigger

 

تشهد سوق العمل في العراق تحولات حادة ومركبة بفعل تداعيات حرب إيران التي اندلعت في المنطقة واستمرت أربعين يوماً تقريباً، ولا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم في ظل توتر إقليمي متصاعد منذ شهرين، وسط مخاوف متزايدة من انهيار الهدنة وعودة المواجهات في أي لحظة.

 

لم يقتصر تأثير هذا المشهد المضطرب على البعدين الأمني والسياسي فحسب، بل انعكس بصورة مباشرة على بنية الاقتصاد العراقي، ولا سيما على سوق العمل التي تعد من أكثر القطاعات هشاشة في مواجهة الأزمات الجيوسياسية.

 

إعادة تقييم

 

برزت تداعيات واضحة على نشاط الشركات العاملة داخل العراق، خصوصاً الأجنبية منها، والتي ترتبط أعمالها بشكل وثيق بالاستقرار الأمني والاستثماري، لا سيما في قطاع النفط والطاقة. فقد دفعت حالة عدم اليقين المتزايدة، وتنامي المخاطر الأمنية المرتبطة بتصاعد العمليات العسكرية والاستهدافات المتبادلة داخل الأراضي العراقية، عدداً من هذه الشركات إلى إعادة تقييم وجودها، ما أدى إلى تقليص عملياتها، أو تعليق بعض مشاريعها مؤقتاً.

 

وأمام هذه المعطيات، بدأت ملامح التأثير تظهر بوضوح على العمالة المحلية: لجأ بعض الشركات إلى تسريح عدد من العاملين، خاصة من العراقيين، ضمن إجراءات تقشفية تهدف إلى تقليل التكاليف التشغيلية وتحجيم المخاطر. كما اتجهت شركات أخرى إلى تقليص أعداد موظفيها أو تجميد التوظيف، في خطوة احترازية تعكس حجم القلق من تدهور الأوضاع الأمنية، خصوصاً مع تصاعد حدة التوترات المرتبطة بنشاط الفصائل المسلحة والردود العسكرية التي تستهدف مواقع داخل مدن عراقية متعددة.

 

هذا التداخل بين العاملين الأمني والاقتصادي يضع سوق العمل العراقية أمام تحديات متزايدة، في ظل بيئة استثمارية مضطربة، وغياب مؤشرات واضحة على استقرار قريب، ما ينذر بمزيد من الضغوط على العمالة، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع فرص العمل، خاصة في القطاعات الحيوية المرتبطة بالاستثمار الأجنبي.

 

الشركات الأجنبية المختصة بالطاقة في العراق تعيد تقييم عملياتها. (فرانس برس)
الشركات الأجنبية المختصة بالطاقة في العراق تعيد تقييم عملياتها. (فرانس برس)

 

اختبار صعب

 

يقول الخبير في الشؤون الاقتصادية ناصر الكناني لـ"النهار" إن استمرار حالة التوتر يضع سوق العمل أمام اختبار صعب قد يمتد أثره سنوات، إذا لم تتخذ إجراءات عاجلة لاحتواء الأزمة. فالهدنة الهشة لم تنه حالة القلق لدى الشركات العاملة في العراق، خصوصاً الأجنبية منها، بل عمقت مخاوفها تجاه بيئة الاستثمار".

 

وبين الكناني أن القرارات الأخيرة لبعض الشركات بتقليص نشاطها أو تسريح جزء من موظفيها مؤشر أولي على تحولات أشد عمقاً قد تشهدها السوق في الفترة المقبلة، والقطاعات المرتبطة بالاستثمار الأجنبي، وفي مقدمها النفط والطاقة، تعد الأكثر تأثراً، نظراً لاعتمادها على بيئة أمنية مستقرة وسلاسل إمداد منتظمة، وهو ما تعرض لاهتزاز واضح بفعل التصعيد العسكري داخل الأراضي العراقية، مضيفاً: "تصاعد المخاطر الأمنية يدفع الشركات إلى تبني سياسات تقشفية، غالباً ما تكون على حساب العمالة المحلية، وعمليات التسريح وتقليص التوظيف لا تعكس قرارات مؤقتة، بل تؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة، وزيادة الضغط على سوق العمل غير المنظم، فضلاً عن تراجع مستويات الدخل للأسر العراقية، ما ينعكس بدوره على الاستهلاك المحلي ويعمّق من حالة الركود الاقتصادي".

 

وبحسبه، لا يقتصر الخطر على فقدان الوظائف الحالية، بل يمتد إلى تعطل فرص العمل المستقبلية، في ظل إحجام المستثمرين عن إطلاق مشاريع جديدة أو التوسع في أعمالهم داخل العراق، كما ان استمرار هذا المناخ قد يؤدي إلى فقدان الثقة تدريجياً بالسوق العراقية كوجهة استثمارية، مشدداً  على ضرورة تبني إجراءات حكومية عاجلة تشمل تعزيز الاستقرار الأمني، وتقديم ضمانات للمستثمرين، وإطلاق برامج دعم للعمالة المتضررة للحد من تداعيات الأزمة، كما يتطلب التعامل مع هذه المرحلة تنسيقاً عالياً بين الجهات الاقتصادية والأمنية لتفادي انزلاق سوق العمل نحو أزمة أعمق".

 

استجابة ظرفية فحسب

 

من جهته، يقول المستشار الحكومي عائد الهلالي لـ"النهار" إن الحكومة العراقية تتابع عن كثب تداعيات التوترات الإقليمية الأخيرة على سوق العمل، "والمرحلة الحالية تتطلب إدارة حذرة ومتوازنة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي ومنع تفاقم آثار الأزمة على العمالة المحلية"، مضيفاً: "ما شهده بعض الشركات، خصوصاً الأجنبية العاملة في قطاعات النفط والطاقة، من تقليص النشاطه أو إعادة هيكلة عدد من وظائفها، يعد استجابة ظرفية لارتفاع المخاطر الجيوسياسية، وليس بالضرورة مؤشراً على انسحاب واسع من السوق العراقية، والحكومة على تواصل مستمر مع هذه الشركات لضمان استمرار عملياتها وتقليل تأثير قراراتها على العاملين العراقيين".

 

ويضيف: "السلطات تعمل على تفعيل حزمة من الإجراءات لدعم سوق العمل، من بينها تشجيع الاستثمار المحلي، وتسهيل بيئة الأعمال، إلى جانب وضع برامج لمعالجة أي ارتفاع محتمل في معدلات البطالة، خاصة في المناطق التي تعتمد بشكل كبير على الشركات الأجنبية، خاصة أن الحكومة تدرك حساسية المرحلة، وتسعى إلى تحقيق توازن بين المتطلبات الأمنية واستمرارية النشاط الاقتصادي".

 

ويؤكد المستشار الحكومي ان "التحدي الأكبر يكمن في احتواء حالة القلق لدى المستثمرين، والعراق ما يزال يمتلك مقومات اقتصادية قوية، في مقدمتها قطاع الطاقة، والبنية التحتية القابلة للتطوير، والسوق الاستهلاكية الواسعة، والرسالة الأساسية للحكومة هي أن العراق ملتزم بحماية الاستثمارات وتوفير بيئة عمل آمنة قدر الإمكان رغم التحديات القائمة".

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 2:25:00 PM
بدأت الإجراءات القضائية المذكورة على أثر ادعاءات وجّهها المدّعون إلى مصرف لبنان، مفادها أنه أسهم في استقطاب ودائعهم بالدولار الأميركي من خلال تطمينات مضلّلة حول سلامة الأموال وإمكانية الوصول إليها