العضو المنتدب لـ"جوست فاير" لـ"النهار": الشركات تعيد بناء استراتيجيات التمويل وإدارة المخاطر بسبب الحرب
مع استمرار تأثيرات حرب إيران والتشديد النقدي في الاقتصادات الكبرى، تتجه الشركات في المنطقة إلى إعادة تقييم نماذج أعمالها وخططها التوسعية، في محاولةٍ للتكيف مع واقعٍ اقتصادي جديد يتسم بارتفاع تكلفة التمويل وتقلبات الأسواق.
وفي هذا السياق، يؤكد سامي شاوش، العضو المنتدب لشركة "جوست فاير" للاستشارات المالية، لـ"النهار"، أن المرحلة الحالية تفرض على الشركات تبني استراتيجياتٍ أكثر مرونة، مع التركيز على إدارة المخاطر وتعزيز الكفاءة التشغيلية، بما يضمن الحفاظ على الاستقرار المالي وتحقيق النمو المستدام.
وفي ما يأتي نص الحوار:
في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة عالمياً وتأثيرات حرب إيران، كيف تقيم المشهد المالي الحالي، وما أبرز التحديات التي تواجه الشركات في المنطقة اليوم؟
-المشهد المالي العالمي يمر بمرحلةٍ شديدة التعقيد، إذ تتداخل العوامل الجيوسياسية مع الضغوط الاقتصادية، وهو ما يزيد من حالة عدم اليقين، في ضوء تأثيرات حرب إيران، ولا سيما منها ما يتعلق بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، وهو ما ينعكس بشكلٍ مباشر على أكلاف التشغيل للشركات.
في المنطقة، تواجه الشركات تحدياتٍ متعددة، أبرزها ارتفاع أكلاف التمويل، تقلب أسعار العملات، وضبابية الطلب في بعض القطاعات، إلى جانب ضغوط التضخم، هذه العوامل مجتمعةً تدفع الشركات إلى تبني سياساتٍ أكثر تحفظاً في الإنفاق وإعادة ترتيب أولوياتها الاستثمارية.
مع استمرار تشديد السياسات النقدية في عددٍ من الاقتصادات الكبرى، كيف ينعكس ذلك على تكلفة التمويل وفرص التوسع للشركات؟
-تشديد السياسات النقدية يؤدي بشكلٍ مباشر إلى ارتفاع أسعار الفائدة عالمياً، وهو ما يرفع تكلفة الاقتراض سواء عبر البنوك أو أسواق الدين. وبالنسبة الى الشركات، خصوصاً في الأسواق الناشئة، يصبح الوصول إلى التمويل أكثر تكلفة وتعقيداً.
هذا الوضع ينعكس على خطط التوسع، بحيث تميل الشركات إلى تأجيل بعض الاستثمارات أو إعادة هيكلة مشاريعها لتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي. في المقابل، نلاحظ توجهاً أكبر نحو الشراكات الاستراتيجية أو التمويل البديل كوسيلةٍ لتخفيف الأعباء التمويلية.
وفي هذا الإطار، تلعب السياسات الحكومية الداعمة دوراً مكملاً، إذ يسعى بعض الدول إلى توفير تسهيلاتٍ ائتمانية وبرامج تحفيزية لتقليل أثر ارتفاع تكلفة التمويل على الشركات ودعم استمرارية النشاط الاقتصادي.
هل نلاحظ تغيراً في سلوك المستثمرين حيال المخاطر خلال هذه المرحلة، وما هي أبرز التوجهات الجديدة في إدارة المحافظ الاستثمارية؟
-بالفعل، هناك تحوّل واضح في سلوك المستثمرين نحو مزيدٍ من الحذر. نلاحظ زيادة الإقبال على الأصول الدفاعية، مثل السندات الحكومية والقطاعات المستقرة، في مقابل تراجعٍ نسبي في الاستثمارات العالية المخاطر.
كذلك برزت توجهات جديدة في إدارة المحافظ، مثل تنويع الاستثمارات جغرافياً وقطاعياً بشكلٍ أكبر، وزيادة الاعتماد على استراتيجيات التحوط، بالإضافة إلى التركيز على السيولة وإدارة المخاطر بشكلٍ أكثر احترافية.
في ظل التقلبات في أسعار العملات والطاقة، كيف يمكن الشركات التحوّط بفعالية والحفاظ على استقرارها المالي؟
-التحوط أصبح عنصراً أساسياً في إدارة الشركات اليوم، ويمكن تحقيق ذلك من خلال استخدام أدواتٍ مالية مثل العقود الآجلة والمشتقات، بالإضافة إلى تنويع مصادر الإيرادات والعملات.
كما تلعب الإدارة التشغيلية دوراً مهماً، من خلال تحسين كفاءة الأكلاف، وإعادة هيكلة سلاسل الإمداد لتقليل الاعتماد على مناطقٍ جغرافية معينة، بما يساهم في تقليل المخاطر المرتبطة بالتقلبات.
ما دور الاستشارات المالية اليوم في مساعدة الشركات على إعادة هيكلة أعمالها والتكيف مع بيئةٍ اقتصادية غير مستقرة؟
-دور الاستشارات المالية أصبح أكثر أهميةً من أي وقتٍ مضى، إذ لم يعد يقتصر على تقديم توصياتٍ تقليدية فحسب، بل يمتدّ إلى المشاركة في صياغة استراتيجياتٍ متكاملة لإعادة الهيكلة.
وتشمل هذه الاستراتيجيات تحسين هيكل رأس المال، إعادة جدولة الديون، تقييم الاستثمارات، ورفع كفاءة التشغيل. كذلك تساعد الاستشارات الشركات على اتخاذ قراراتٍ مبنية على بياناتٍ وتحليلات دقيقة، بما يعزز قدرتها على التكيف مع المتغيرات.
كيف تنظرون إلى فرص النمو في قطاعاتٍ معينة رغم الضغوط الاقتصادية، وهل هناك قطاعات واعدة يمكن أن تقود المرحلة المقبلة؟
-رغم التحديات، لا تزال هناك فرص نمو قويةً في عددٍ من القطاعات، في مقدمها قطاع الطاقة، ولاسيما منها الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى القطاع التكنولوجي الذي يشهد توسعاً مستمراً.
كما يبرز القطاع اللوجستي وسلاسل الإمداد كأحد المستفيدين من إعادة هيكلة التجارة العالمية، إلى جانب القطاع الصحي والخدمات المالية الرقمية. هذه القطاعات تمتلك مقومات نموٍ طويلة الأجل، وتستفيد من التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي.
أخيراً، ما هي نصيحتكم للمستثمرين وأصحاب الأعمال لاتخاذ قراراتٍ مالية أكثر مرونةً وفعالية في ظل حالة عدم اليقين الحالية؟
-النصيحة الأساسية هي تبنّي نهجاً مرناً قائماً على إدارة المخاطر بشكلٍ استباقي، بحيث أن على المستثمرين وأصحاب الأعمال تجنّب القرارات العاطفية، والاعتماد على التحليل المالي الدقيق.
كما أن تنويع الاستثمارات، والحفاظ على مستويات سيولةٍ مناسبة، ومراقبة التطورات الاقتصادية بشكلٍ مستمر، تعدّ من الركائز الأساسية لاتخاذ قراراتٍ أكثر كفاءة في ظل هذه المرحلة، التي أصبحت فيها المرونة وسرعة التكيف من أهم عوامل النجاح والاستدامة.
نبض