تقييم أممي: الحرب تكلف الدول العربية 194 مليار دولار من الخسائر
كشف التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها العسكرية من جهة أخرى، عن نقاط ضعف هيكلية في الدول العربية. وبحسب تقييم أخير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية، عنوانه "التصعيد العسكري في الشرق الأوسط: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية على الدول العربية"، يمكن استمرار هذه الحرب أن يترك ندوباً اجتماعية واقتصادية عميقة في جميع أنحاء الوطن العربي.
ما زال التصعيد العسكري مركزاً جغرافياً، لكن آثاره تتفشى عبر أنظمة مترابطة تتمثل بممرات تجارية وأسواق طاقة وتدفقات مالية وشبكات لوجستية. وهذا حول الحرب إلى صدمة إقليمية منهجية، لكن تأثيراتها غير موحدة بين دول المشرق العربي (العراق والأردن ولبنان وفلسطين وسوريا) وشمال أفريقيا (الجزائر ومصر وليبيا والمغرب وتونس) والدولتين العربيتين الأقل نمواً (السودان واليمن).

الضرر الاقتصادي: ما مدى خطورته؟
بحسب التقييم الأممي، فالواقع قاسٍ، ويستدعي تدابير عاجلة. فالحرب التي تدخل اليوم أسبوعها الخامس سبّبت أضراراً اقتصادية واجتماعية، قد يستغرق التعافي التام منها سنوات أو عقوداً. ويتوقع التقييم تراجع الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة العربية بين 3.7 و6%، بسبب خسارة تتراوح بين 120 و194 مليار دولار، وخسارة نحو 3,64 ملايين وظيفة. بعبارة أوضح: قد تمحو هذه الحرب تقدّماً في التنمية البشرية استغرق تحقيقه عاماً كاملاً.
ومن بين جميع الإحصائيات الواردة في التقييم، ربما تكون الاستجابة لأرقام الفقر هي الأشد إلحاحاً. فبسبب استمرار الحرب في الشرق الأوسط، سنجد بين 3,05 و3,96 ملايين شخص إضافي في الدول العربية تحت خط الفقر، وسيرتفع معدل الفقر الإقليمي إلى ما بين 0.70 و1.00%.
لكن توزّع وزر الفقر غير متساو، إذ يتوقع التقييم أن تمتص دول المشرق العربي، التي تسودها بالفعل أعلى معدلات فقر أساسية في العالم العربي، أكثر من 75% من زيادة عدد الفقراء في المنطقة كلّها.
ما الذي يرفد هذه الخسائر؟
يحدد التقييم الأممي 3 قنوات رئيسية يسبب الصراع من خلالها أضراراً اقتصادية فادحة على المستوى العربي:
1. ارتفاع تكاليف التجارة: الاضطرابات ترفع أسعار البضائع، وأقساط التأمين البحري. خطوط الإمداد تتغير، فتطول مدة الرحلة ما يزيد تكاليف الشحن. تواجه الشركات تأخيراً غير متوقع في تسليم البضائع المشحونة، وارتفاعات مفاجئة وغير محسوبة في التكاليف.
2. خسائر موقتة في الإنتاجية: تقصر الشركات عملياتها على الضروري وحده، أو تغلق أبوابها تماماً، فتتأثر القوى العاملة. وتنهار السياحة التي تمثل المصدر الرئيسي لإيرادات مصر والأردن ولبنان.
3. فقدان رأس المال المحلي: في مناطق النزاع، تتعرض البنية التحتية المادية (مصانع وموانئ ومحطات طاقة وطرق) للتدمير، وهذا يؤدي إلى فقدان القدرة الإنتاجية سنوات عدة.

ما الهشاشة الهيكلية العربية؟
قد تكون أهم النتائج الواردة في تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التشخيص الأساسي للهشاشة الهيكلية في الدول العربية، والتي تزيد من وطأة الصدمات الخارجية. هذا التشخيص قائم على 5 عوامل:
1. الاعتماد على الهيدروكربونات: رغم عقود من الحديث عن تنويع المصادر، تعتمد اقتصادات عربية عدة على عائدات النفط والغاز. وحين تعطلت أسواق الطاقة، اهتز هيكلها الاقتصادي.
2. تركز التجارة في عدد قليل من الممرات البحرية: حين تعطلت الملاحة في مضيق هرمز، لم تجد الدول العربية بديلاً سهلاً وسريعاً.
3. تراجع الأمان اللاجتماعي: في معظم دول المشرق العربي، مظلّات الأمان الاجتماعي ضعيفة أو غائبة. لذا، حين تختفي الوظائف وترتفع الأسعار، يحلّ الفقر بلا مانع.
4. هشاشة موجودة مسبقاً: حلّت دورة التصعيد الحالية في دول مثل لبنان وسوريا والسودان واليمن، وهي أصلاً في أزمة. مؤسساتها ضعيفة، وملاءتها المالية محدودة.
5. تبادل تجاري عشوائي: العالم العربي مترابط اقتصادياً من خلال التجارة والتحويلات المالية وتدفقات الاستثمار والبنية التحتية للطاقة المشتركة، لكنه يفتقر إلى آليات قوية للاستجابة المنسقة في وقت الأزمات.
ما العمل؟
يوصي تقيم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بما يجب أن يحدث، عاجلاً وآجلاً.
1. الأولويات العاجلة
إنهاء الحرب: لا يمكن تحقيق تعافٍ اقتصادي أو اجتماعي مستدام ما دامت الحرب مستمرة؛ وكلّ يوم يضيف أضراراً يستغرق إصلاحها سنوات.
توفير المساعدات الإنسانية: الغذاء والدواء والماء والمأوى والحماية الطارئة للمدنيين في المناطق المتأثرة بالصراع. وهذا يعني إبقاء ممرات إنسانية مفتوحة، وتمويل خطط استجابة أممية طارئة.
حماية اجتماعية للضعفاء: دعم مظلّة أمان اقتصاد – اجتماعي طارئة لملايين الأسر التي تعطّلت سبل عيشها.
الاستثمار في التعافي المبكر: استعادة خدمات الكهرباء والمياه، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وبرامج استعادة سبل العيش.
2. التدابير الآجلة
تخفيف الاعتماد على الهيدروكربونات: توسيع قطاعات التصنيع والخدمات والتكنولوجيا والطاقة المتجددة يقلّل وطأة التعرض لصدمات الطاقة.
الاستثمار في شبكات لوجيستية بديلة: توسيع البنية التحتية لخطوط الأنابيب، والاتفاقيات التجارية الإقليمية، التي تقلل من مخاطر تركّز التجارة في نقاط اختناق بحرية.
تعزيز التعاون الإقليمي: المؤسسات الإقليمية والسياسات المالية المنسقة وآليات الدعم الاقتصادي المتبادل تجعل المنطقة كلّها أشدّ مرونة.
بناء مظلّة أمان اجتماعي صلبة: دول المشرق العربي والدولتان الأقل نمواً بحاجة إلى بنية تحتية دائمة وممولة جيداً لتوفير الحماية الاجتماعية الدائمة، وليس للاستجابة الطارئة في الأزمات وحدها.
نبض