لم يعد الأمر للميدان: تصريح واحد كفيلٌ بإرباك الأسواق المالية!

اقتصاد وأعمال 24-03-2026 | 13:32

لم يعد الأمر للميدان: تصريح واحد كفيلٌ بإرباك الأسواق المالية!

السوق لم تعد تتعامل مع الحرب كحدث، بل كسلسلة احتمالات تُعَاد صياغتها مع كل تصريح. 
لم يعد الأمر للميدان: تصريح واحد كفيلٌ بإرباك الأسواق المالية!
الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض. (فرانس برس)
Smaller Bigger

في الحروب الكلاسيكية، كانت الأسواق تنتظر الدخان لترى اتجاهها. اليوم، يكفي تصريح. في حرب إيران الجارية، لم يعد السؤال الأهم ماذا يحدث في الميدان، بل ماذا يُقَال عنه. بين هذين المستويين – الواقع والسردية – تتأرجح أسعار النفط والعملات والمعادن والأسهم، كأنها تبحث لا عن حقيقة ثابتة، بل عن رواية أكثر إقناعاً.

منذ أواخر شباط/فبراير، ومع تصاعد الأعمال العسكرية، كان واضحاً أن كل شيء يبدأ من مضيق هرمز. ليس لأنه ممر جغرافي فحسب، بل لأنه شريان الطاقة العالمي الذي يمر عبره نحو خُمْس تجارة النفط، أي ما يقارب 17 إلى 20 مليون برميل يومياً، وما يعادل نحو ثلث التجارة النفطية المنقولة بحراً. 

مجرد التهديد بتعطيل هرمز – حتى من دون إغلاق فعلي – كان كافياً لإطلاق موجة صعود حادة في أسعار النفط، دفعت البرميل من مستويات قريبة من 70 دولاراً قبل الأزمة إلى حدود المئة، ثم إلى عتبات أعلى مع تصاعد الضربات على منشآت الطاقة في المنطقة. لم تكن هذه القفزة مفاجئة إذا أخذنا في الاعتبار أن الشرق الأوسط يؤمّن نحو 30 في المئة من الإنتاج النفطي العالمي، في وقت تبقى فيه الطاقة الإنتاجية الاحتياطية العالمية – المتركزة أساساً في الخليج العربي – محدودة نسبياً، وتُقدَّر بنحو ثلاثة إلى خمسة ملايين برميل يومياً.

في تلك المرحلة، كانت القاعدة واضحة وبسيطة: كلما اقترب الخطر من هرمز، ارتفعت أسعار النفط، وتراجعت مؤشرات الأسهم، وقفز الدولار. علاقة تكاد تكون ميكانيكية، تكررت في أزمات سابقة من عام 1973 إلى عام 2022. ومع تصاعد التوتر في الأسبوعين الأولين من آذار/مارس، اقترب النفط من عتبة 110 دولارات للبرميل، في جلسات شهدت تقلبات حادة تجاوزت أحياناً 10 في المئة، وهي من أعنف التحركات التي تشهدها الأسواق منذ سنوات.

غير أن هذه القاعدة بدأت تتصدع في 23 آذار، عندما دخل عنصر جديد إلى المعادلة: التصريح السياسي بوصفه حدثاً قائماً بذاته. مع صدور موقف من الرئيس الأميركي دونالد ترامب يشير إلى وجود "نقاط اتفاق" مع إيران، وإلى تأجيل تنفيذ تهديده بضرب منشآت الطاقة والكهرباء الإيرانية في حال لم تفتح طهران مضيق هرمز في شكل كامل، لم يتغير شيء فعلي في الإمدادات أو في وضع مضيق هرمز، لكن شيئاً أكبر أثراً تغيّر: توقعات السوق.

خلال ساعات، تراجع النفط بنحو 10 في المئة، ليتخلى عن جزء كبير من مكاسبه، في واحدة من أسرع عمليات إعادة التسعير في أسواق الطاقة. في المقابل، قفزت الأسهم الأميركية، مسجلة ارتفاعات بأكثر من 500 نقطة في مؤشر "داو جونز"، وتراجع الدولار، مع تحسن مفاجئ في الشهية إلى المخاطرة. 

هذه التحركات لم تكن انعكاساً لوقائع جديدة، بل لتبدل في السيناريو المرجح: إذا كان ثمة احتمال – ولو محدود – لمسار تفاوضي، قد لا تتحقق أسوأ سيناريوهات انقطاع الإمدادات. كان هذا التصريح بمثابة نقطة التحول الأكثر وضوحاً في سلوك الأسواق منذ بداية الأزمة، إذ نقلها خلال ساعات من تسعير سيناريو التصعيد إلى تسعير احتمال التهدئة.

هنا يمكن رصد التحول الأعمق: السوق لم تعد تتعامل مع الحرب كحدث، بل كسلسلة احتمالات تُعَاد صياغتها مع كل تصريح. كلمة واحدة عن "مفاوضات" كانت كافية لسحب عشرات الدولارات من سعر البرميل، وتحريك تدفقات مالية واسعة بين الأصول خلال ساعات.

لكن هذه السردية لم تصمد طويلاً. في اليوم التالي، جاء النفي الإيراني لوجود مفاوضات ليعيد الأسواق إلى الواقع. ارتفع سعر النفط مجدداً، واستعاد جزءاً من خسائره، وعادت حال الحذر إلى الأسهم، بينما استعاد الدولار زخمه. هذا الارتداد السريع لم يكن مجرد تصحيح، بل تذكير بأن الأسواق، على الرغم من حساسيتها للتصريحات، لا تستطيع تجاهل الأساسيات طويلاً.

في هذا السياق، ظهرت طبقة ثانية من الأثر لا تقل أهمية عن النفط نفسه: التضخم والسياسة النقدية. لا يعني ارتفاع أسعار الطاقة فقط نقصاً في الإمدادات، بل ضغوطاً تضخمية عالمية. تقدّر بعض النماذج الاقتصادية أن كل ارتفاع بنحو 10 دولارات في سعر النفط يمكن أن يضيف ما بين 0.2 و0.3 نقطة مئوية إلى معدلات التضخم، في وقت يبقى فيه الاقتصاد العالمي – ولاسيما في الاقتصادات الآسيوية المستوردة للطاقة – شديد الحساسية لأسعار الطاقة. هذا العامل تحديداً دعم الدولار، ليس فقط كملاذ آمن، بل كعملة مدعومة بتوقعات بقاء معدلات الفائدة مرتفعة نسبياً لفترة أطول.

 

ناقلة غاز مسال في مضيق هرمز. (رويترز)
ناقلة غاز مسال في مضيق هرمز. (رويترز)

 

في المقابل، وجد الذهب نفسه في موقع أكثر تعقيداً. على الرغم من التوترات الجيوسياسية، لم يستفد المعدن الأصفر بالشكل التقليدي، لأن قوة الدولار وارتفاع العوائد حدّا من جاذبيته. هنا أيضاً يظهر كيف لم تعد العلاقة بين الحرب والمعادن الثمينة مباشرة كما في السابق، بل أصبحت تمر عبر قنوات نقدية أكثر تعقيداً.

أما في أسواق الأسهم، فقد بدا واضحاً أن المستثمرين لا يتعاملون مع الأزمة ككتلة واحدة، بل يميزون بين قطاعات رابحة وأخرى خاسرة. مع تراجع أسعار النفط بعد تلك التصريحات، استفادت قطاعات مثل الطيران والسفر والتكنولوجيا من انخفاض تكلفة الطاقة، بينما تعرضت أسهم شركات الطاقة إلى ضغوط. وفي الخليج، كان الأثر أكثر مباشرة، إذ انعكست التهديدات الأمنية هبوطاً في مؤشرات الأسواق سريعاً، قبل أن تعود إلى الارتفاع مع إشارات التهدئة.

وإلى جانب هذه التحركات السعرية، شهدت الأسواق تحولات في تدفقات رؤوس الأموال، إذ انتقلت مبالغ كبيرة بين الأسهم والملاذات الآمنة خلال أيام، في انعكاس مباشر لسرعة تبدل التوقعات. كذلك سُجِّل ارتفاع ملحوظ في تكلفة الشحن والتأمين في المنطقة، التي قد تتضاعف عدة مرات في مناطق النزاع، ما أضاف طبقة إضافية من الضغط على الأسواق، حتى في غياب تعطيل كامل للإمدادات.

ما تكشفه هذه الصورة ليس مجرد تقلب عابر، بل تحول في طبيعة السوق نفسها. في الماضي، كانت الأسواق تنتظر الحدث لتتفاعل معه. اليوم، هي تتفاعل مع الإشارات التي تسبقه، بل ومع الروايات التي قد لا تتحقق أصلاً. وهذا ما يجعلها أكثر سرعة، وأكثر تقلباً، وربما أكثر هشاشة.

في ضوء ذلك، يمكن إعادة قراءة مسار الأسابيع الماضية بوصفه ثلاث حركات متتابعة: أولاً، صدمة هرمز التي دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع الحاد. ثانياً، صدمة التصريحات السياسية التي خفضت الأسعار ورفعت مؤشرات الأسهم في ساعات. وثالثاً، صدمة النفي التي أعادت التوازن، لكن على أرضية أكثر هشاشة.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط إلى أين تتجه الأزمة، بل إلى أي حد يمكن للأسواق أن تستمر في التداول على أساس التصريحات. كلما زادت الفجوة بين الواقع والسردية، ازدادت احتمالات التقلبات الحادة. وفي مشهد يستعيد بعض ملامح صدمات عامي 1973 و2022، يكفي تصريح واحد عن ممر يمر عبره خُمْس نفط العالم – إغلاقاً أو تفاوضاً – ليعيد كتابة أسعار العالم.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 3/23/2026 9:45:00 AM
هبطت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم نيسان/أبريل بنسبة 5 بالمئة إلى 4347 دولاراً.
لبنان 3/22/2026 11:45:00 PM
يوجد 23 أسيراً لبنانياً لدى إسرائيل...
هدّد ترامب السبت بتدمير منشآت الطاقة الإيرانية إذا لم تفتح طهران بالكامل مضيق هرمز
لبنان 3/22/2026 11:00:00 PM
أعلن صفا أن الحزب نجح في معالجة الخروقات الأمنية والتكنولوجية التي عانى منها في الحروب السابقة وتوعد بـ "مفاجآت" ميدانية.