الاقتصاد السوري: الاستثمار وإعادة الإعمار
د. نواف القنطار
تمثل الاستثمارات في سوريا ركيزةً محورية لإعادة بناء الاقتصاد والمساهمة في تحقيق التنمية المستدامة، إلا أن تحقيق هذا الهدف يظل رهناً بقدرة الدولة على تنفيذ إصلاحاتٍ هيكلية وتعزيز بيئة أعمالٍ تنافسية، ذلك أن التوازن بين إعادة الإعمار المادي والإصلاح المؤسساتي يعدّ الإطار الأمثل لتمكين الاستثمارات من أداء دورها التنموي في المرحلة المقبلة.
وإذا ما نظرنا إلى البيئة الاقتصادية السورية منذ عام 2025 فنجد أن مرحلة التحول هدفت، بحسب الخطاب الرسمي والسياسات المعلنة، إلى إعادة تنظيم قطاع الأعمال وتحفيز الاستثمار ضمن أولويات التعافي الاقتصادي، باعتبار أن الاستثمارات، المحلية والعربية والأجنبية، تشكل أداةً مركزية لإعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية، واستعادة الثقة بالسوق، وتوليد فرص العمل. غير أن هذا التحول يواجه تحدياتٍ بنيوية متراكمة، ما يجعل تقييم فرص الاستثمار مرتبطاً بمدى قدرة السياسات الجديدة على معالجة الاختلالات الهيكلية السابقة وتوفير بيئة أعمالٍ مستقرة وقابلة للتنبؤ.
تشير التقديرات المقارنة لاقتصادات ما بعد النزاع إلى أن وضوح القواعد التنظيمية واستقرارها يشكلان عاملاً حاسماً في جذب الاستثمارات الطويلة الأجل، خصوصاً حين تقترن الحوافز بتحسينٍ فعلي مع كفاءة المؤسسات العامة، إلا أن جاذبية السوق السورية تظل محكومةً بمجموعةٍ من الصعوبات العملية، أولها القيود التمويلية، إذ يواجه المستثمرون محدودية الوصول إلى مصادر تمويلٍ خارجية مخفوضة التكلفة، وارتفاعاً في تكلفة رأس المال المحلي، وثانيها تقلبات سعر الصرف، مع أن الحكومة حاولت في السنة السابقة السيطرة على سعر الصرف، إلا أن التقديرات تشير إلى عدم يقينٍ نقدي، ما يؤثر في تقدير المخاطر والعوائد ويحدّ من قابلية التخطيط المتوسط والطويل الأجل، وثالثها تحديات البنية التحتية التي ترفع أكلاف التشغيل وتطيل زمن تنفيذ المشروعات المختلفة.
برزت كذلك عقبات تتعلق بتعدد الجهات الناظمة وتداخل الصلاحيات، ما قد يؤدي إلى ازدواجية الإجراءات وطول مدد الموافقات بالنسبة الى الشركات الراغبة في الاستثمار. كما تُعد مسألة تنفيذ العقود وتسوية المنازعات التجارية عاملاً مؤثراً في قرارات المستثمرين، إذ يتطلب جذب الاستثمارات النوعية منظومةً قضائيةً وتجارية سريعةً وشفافة وقابلةً للتنبؤ، ناهيك بالثقة بالقوانين والتشريعات الناظمة أصلاً. وفي هذا السياق، نجد أن بناء الثقة المؤسساتية وتعزيز الحوكمة الاقتصادية يمثلان شرطين ضروريين لتحويل الحوافز النظرية إلى تدفقاتٍ استثمارية فعلية، وتظهر التجارب المقارنة أن نجاح الإصلاحات الاستثمارية في البيئات الانتقالية يرتبط بتسلسل السياسات واتساقها، فالحوافز الضريبية تفقد أثرها إن لم تُدعم باستقرارٍ سياسي واقتصادي ونقدي، ويبقى تبسيط الإجراءات محدود الجدوى إن لم يقترن بتنفيذٍ فعّال للقوانين وغيرها من الإجراءات الاقتصادية.
بدورها تقف البيئة الاستثمارية في سوريا عند مفترق طرق، ما بين فرص التعافي التي تعلن السياسات التحفيزية الجديدة عنها، والتحديات البنيوية التي لا تزال تؤثر في قرارات المستثمرين، ويتوقف تحقيق الأثر التنموي للاستثمارات على قدرة الحكومة على ترسيخ الاستقرار السياسي والاقتصادي وتحسين جودة البنية التحتية، وتوفير آلياتٍ فعّالة لحماية الحقوق التعاقدية. وفي حال تحقق قدرٍ كافٍ من الاتساق والموثوقية في السياسات، يمكن الاستثمارات أن تؤدي دوراً محورياً في إعادة تنشيط الاقتصاد ودعم مسار التعافي المستدام.
غير أن أهم السياسات والاتجاهات التي تواجهها السلطة الحالية في سوريا في سياق التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مع الإشارة إلى الصعوبات الفعلية التي تواجه تنفيذ هذه السياسة، في ضرورة سعيها إلى تأسيس هيكلٍ سياسي جديد يعبر عن مرحلةٍ انتقالية تتجاوز إرث الحكم السابق، والإعلان عن تشكيل حكومةٍ تكنوقراطية ذات برامج إصلاحية، مع وعدٍ بالشفافية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتشكيل مجلس شعبٍ جديد يتولى السلطة التشريعية بآلياتٍ انتخابية.
بيد أن الاستثمار يحتاج إلى بيئةٍ مستقرة، ليس في سوريا فحسب، وإنما أيضاً في الإقليم والعالم، فها هي المنطقة تعيش الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غير مستقرة توحي حرباً واسعة من نوعٍ جديد تؤثر في البلدان المحيطة والقريبة من سوريا، وفي مقدمها بلدان الخليج العربي التي تعاني حالياً من أزمةٍ قد تؤثر على خيارات المستثمرين العرب في تحويل استثماراتهم إلى الأسواق السورية.
وعلى رغم أن السلطة السورية الحالية تبدي رغبةً في إعادة الاندماج التدريجي في النظام الاقتصادي الإقليمي والدولي بعد عقودٍ من العزلة، بما في ذلك محاولة جذب الاستثمارات الأجنبية وتحسين العلاقات التجارية الإقليمية، فإنها تواجه في الوقت نفسه ضغوطاً داخلية لاعتماد سياساتٍ اجتماعية فعّالة تلبي احتياجات السكان في مجالاتٍ مثل الصحة والتعليم، والتوظيف، والإسكان، بالإضافة إلى النهوض بالبنى التحتية، ما يتطلب موارد ماليةً كبيرة وجهوداً إصلاحيةً واسعة النطاق.
نبض