أسبوع صعب في طوكيو: السندات تهتز والين تحت الضغط
شهد الأسبوع الماضي واحداً من أكثر الأسابيع حساسية وتعقيداً لليابان منذ سنوات، بعدما تداخلت ثلاثة مسارات في وقت واحد: اضطراب غير اعتيادي في سوق السندات الحكومية طويلة الأجل، رسائل نقدية دقيقة من بنك اليابان، وتصريحات سياسية رفعت منسوب القلق بشأن المسار المالي. جاء ذلك قبل أيام قليلة من اجتماع مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي المرتقب يوم الأربعاء 27 كانون الثاني/يناير، ما زاد من حدة التذبذب في زوج الدولار/ين وفي أسواق العوائد العالمية.
البداية كانت مع سوق السندات اليابانية، حيث شهدت العوائد ارتفاعاً حاداً وسريعاً، خصوصاً على الآجال الطويلة. هذا الارتفاع لم يكن مجرد انعكاس لتوقعات تضخم أعلى أو نمو اقتصادي أقوى، بل حمل في طياته إعادة تسعير أعمق لمخاطر السياسة المالية. القفزات القوية في عوائد سندات 20 و30 وحتى 40 عاماً أوحت بأن المستثمرين بدأوا يطالبون بعلاوة مخاطرة أعلى للاحتفاظ بالديون اليابانية، في ظل إشارات سياسية واضحة إلى إنفاق أكبر واحتمال خفض الضرائب. اللافت أن بعض هذه العوائد تخطّت نظيراتها من السندات الألمانية المماثلة في الأجل، في تحوّل غير مألوف في ميزان تسعير المخاطر بين الاقتصادات المتقدمة.
ورغم هذه القفزات، استقر عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات قرب مستوى 2.25% مع نهاية الأسبوع الماضي، بعد أن أبقى بنك اليابان سعر الفائدة دون تغيير كما كان متوقعاً، وذلك عقب رفعه الشهر الماضي إلى 0.75%، وهو أعلى مستوى للفائدة منذ نحو 30 عاماً. البنك المركزي شدد في بيانه على أنه لا يزال مستعداً لمواصلة رفع أسعار الفائدة، إذا ما تحققت توقعاته الاقتصادية وتوقعات التضخم، والتي قام بمراجعتها صعوداً، في إشارة واضحة إلى أن مسار تطبيع السياسة النقدية لم ينتهِ بعد.
ذروة ارتفاع العوائد كانت قد سُجّلت في وقت سابق من الأسبوع الماضي، عندما قفز العائد القياسي إلى أعلى مستوياته منذ 27 عاماً، بالتزامن مع استعداد رئيسة الوزراء لحلّ البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة بهدف تعزيز موقعها السياسي ودفع أجندة اقتصادية أكثر توسعاً. هذه الأجندة شملت مقترحات لدعم الاستهلاك وخفض ضريبة المبيعات على الغذاء، ما أثار مخاوف حادة في الأسواق بشأن الوضع المالي، وكيفية تعويض الإيرادات الضريبية المفقودة، واحتمال زيادة الإصدارات الحكومية مستقبلاً، وبالتالي ارتفاع كلفة خدمة الدين العام. هذا السياق يفسّر لماذا كان الضغط الأكبر على العوائد طويلة الأجل تحديداً، وليس فقط على عائدات السندات لأجل عشر سنوات.
لاحقاً، هدأت هذه المخاوف جزئياً بعدما دعت وزيرة المالية المشاركين في السوق إلى التزام الهدوء، وهو ما ساهم في تراجع العوائد عن قممها الأسبوعية، من دون أن يبدّد القلق الأساسي المرتبط بالمسار المالي والسياسي.

في خضم هذا المشهد، حاول بنك اليابان تحقيق توازن دقيق في رسائله. فمن جهة، أكّد رفع توقعاته للتضخم والنمو، ما عزز الرهان على استمرار التطبيع النقدي. ومن جهة أخرى، شدّد على استعداده للتحرك بمرونة في سوق السندات إذا ما ارتفعت العوائد بوتيرة سريعة أو غير منظمة، في إشارة إلى أن الاستقرار المالي لا يزال خطاً أحمر بالنسبة إلى البنك المركزي.
هذا التوازن وضع المستثمرين أمام معادلة معقدة: سياسة نقدية أقلّ تيسيراً تدعم الين نظرياً عبر تقليص فجوة العوائد مع الولايات المتحدة، في مقابل مخاوف مالية وسياسية قد تضغط على الثقة وتحدّ من مكاسب العملة. هذه المعادلة انعكست بوضوح على تحرّكات زوج الدولار/ين، الذي اقترب مجدّداً من مستويات شديدة الحساسية قرب 160 ين للدولار، قبل أن يشهد حركة انعكاس حادّة.
التحول السريع في اتجاه الين لم يكن نتيجة البيانات الاقتصادية وحدها، بل ارتبط أيضاً بتصاعد الحديث في الأسواق عن تدخل محتمل من السلطات اليابانية. إشارات مثل فحص الأسعار واتصالات غير مباشرة مع البنوك كانت كافية لإشعال موجة شراء قوية للين، في تذكير واضح بأن مستويات معينة في الدولار/ين لا تزال تمثل "خطوطاً حمراء" من وجهة نظر صناع القرار في طوكيو. تصريحات رئيسة الوزراء التي تعهدت بالتحرك ضد المضاربات عززت هذا الانطباع، وأعادت إلى الأذهان سيناريوات تدخّل سابقة شهدها السوق في الأعوام الماضية.
لكن الصورة لا تكتمل من دون التوقف عند العامل الخارجي الأهم هذا الأسبوع، وهو اجتماع مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي المنتظر يوم الأربعاء. هذا الاجتماع يأتي في لحظة مفصلية للأسواق العالمية، إذ يترقب المستثمرون نبرة الفيديرالي بشأن مستقبل أسعار الفائدة، خاصة بعد سلسلة من البيانات المتباينة حول التضخم والنمو في الولايات المتحدة. أي إشارة إلى التمسك بموقف متشدد لفترة أطول قد تعيد توسيع فجوة العوائد بين الدولار والين، ما يضغط مجدداً على العملة اليابانية ويحد من أثر ارتفاع العوائد المحلية. في المقابل، إذا بدا الفيديرالي أقل تشدداً أو أكثر ميلاً للتيسير، فقد يمنح ذلك الين متنفساً إضافياً، ويعزز تأثير التحولات الجارية في السياسة النقدية اليابانية.
تحركات الدولار/ين هذا الأسبوع لم تكن نتاج العوامل اليابانية وحدها، بل نتيجة تفاعل دقيق بين ما يحدث في طوكيو وما يُنتظر من واشنطن. ارتفاع عوائد السندات اليابانية، ورسائل بنك اليابان، وتصريحات الحكومة، كلها عوامل داخلية قوية، لكنها تصطدم دائماً بميزان القوى العالمي الذي يقوده الدولار وسياسة الفيديرالي.
مما لا شكّ فيه أن اليابان دخلت مرحلة جديدة من التسعير في الأسواق المالية. لم يعد الأمر مقتصراً على سياسة نقدية فائقة التيسير كما في السابق، ولا على ضعف مزمن في الين، بل أصبح مزيجاً معقداً من تطبيع تدريجي للفائدة، وحساسية سياسية ومالية مرتفعة، واحتمال تدخل مباشر عندما تتجاوز الأسواق حدوداً معينة. ومع اقتراب اجتماع الفيديرالي، يبدو أن الأسبوع الماضي لم يكن سوى بداية فصل أكثر تقلباً لزوج الدولار/ين ولسوق السندات اليابانية، حيث ستظل الثقة، وليس الأرقام وحدها، هي العامل الحاسم في تحديد الاتجاه.
نبض