الفيدرالي الأميركي تحت الاستدعاء: عندما تصبح الفائدة ملفا سياسيا
لم تعد معركة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مع التضخم وحدها على الطاولة. دخلت السياسة من باب النيابة، وباتت استقلالية البنك المركزي تُختبر على أرضٍ لم يعتد الوقوف عليها: مذكرات استدعاء من هيئة محلّفين كبرى وتهديد بإجراءات جنائية.
رئيس البنك جيروم باول قال إن الفيدرالي تلقى مذكرات استدعاء من وزارة العدل، وإن الخطوة ترتبط بشهادته أمام الكونغرس في حزيران/ يونيو بشأن أعمال تجديد مقر البنك، لكنه وضعها في إطار أوسع: ضغط متصاعد ومحاولة لدفع السياسة النقدية إلى السير وفق "تفضيلات الرئيس" لا وفق البيانات والظروف الاقتصادية. الرسالة هنا ليست قانونية فقط. الرسالة أن سعر الفائدة، للمرة الأولى بهذه الصراحة، يُدفع إلى ساحة الردع السياسي.
من شهادة تجديدات إلى اختبار استقلال
قصة التجديدات ليست جديدة، لكن توقيتها صار هو القصة. الوثائق المالية للبنك تُظهر أن تكلفة المشروع قفزت إلى 2.5 مليار دولار في 2025 مقارنة بـ1.9 مليار دولار في 2023. الفيدرالي عزى الزيادة إلى فوارق بين تقديرات المواد والمعدات والعمالة. وفي شهادته السابقة، كان باول قد نفى روايات عن "ترف تصميمي" مثل غرفة طعام لكبار الشخصيات وحدائق على الأسطح، مؤكدا أن خطط المشروع تطورت وأن بعض العناصر لم يعد ضمن المخطط.
لكن ما كان يُقرأ كجدل إداري حول تكلفة مشروع، تحول إلى مادة تُستخدم لتوسيع معركة أقدم: معركة "من يملك القرار" في الفائدة. فالبيت الأبيض يريد خفضاً أسرع وبأثر مباشر على تكلفة الاقتراض الحكومية وعلى ملف الإسكان، بينما الفيدرالي يكرر أنه لن يتحرك من دون أدلة واضحة على مسار التضخم وسوق العمل.
الأسواق التقطت الإشارة بسرعة
رد فعل الأسواق جاء فورياً لأن الحدث ليس خبراً عادياً في سجل واشنطن. العقود الآجلة للأسهم الأميركية تراجعت، والدولار ضعف، والذهب وسّع مكاسبه إلى مستوى قياسي جديد عند 4600 دولار للأونصة. العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد أند بورز 500 هبطت بما يصل إلى 0.7%. هذا ليس انقلاباً في التسعير، لكنه علامة على شيء أخطر: عودة علاوة الأخطار السياسية إلى قلب تسعير أميركا.
وعندما تتراجع الثقة باستقلال السياسة النقدية، لا يهم فقط اتجاه الفائدة، بل معنى الفائدة نفسها. لأن الأسواق اعتادت أن تقرأ قرارات الفيدرالي باعتبارها خلاصة بيانات، لا حصيلة ضغط.
الفائدة خُفضت… لكن الباب ليس مفتوحاً
على صعيد السياسة النقدية، خفض الفيدرالي الشهر الماضي سعر الفائدة إلى نطاق مستهدف بين 3.5% و3.75%، في ثالث خفض متتالٍ بمقدار ربع نقطة، بعد فترة تثبيت طويلة خلال معظم 2025. لكن الإشارة الأوضح هي أن اللجنة ليست في عجلة من أمرها لمزيد من الخفوضات قبل ظهور بيانات إضافية عن التضخم والوظائف.
الاجتماع المقبل محدد في 27 و28كانون الثاني/يناير، وتسعير العقود الآجلة يُظهر احتمالاً ضعيفاً لتحرك جديد في ذلك الموعد. هنا تكمن المفارقة: الإدارة تريد “ضغطاً الآن”، بينما آلية الفيدرالي مبنية أصلاً على الإبطاء والانتظار. وعندما يتقاطع الإيقاعان، تظهر الأزمة.

من يُعيّن ومن يُقال: معركة المقاعد أيضاً
باول يواجه معضلة مزدوجة. ولايته كرئيس للفيدرالي تنتهي في أيار/ مايو، لكنه يبقى محافظاً حتى 2028. بقاؤه في مجلس المحافظين بعد أيار ليس تفصيلاً بروتوكولياً، لأنه يعقد حسابات التوازن داخل المجلس في لحظة تريد فيها الإدارة الأميركية تثبيت أكثرية مريحة.
ترامب قال إنه اختار بالفعل مرشحه لاستبدال باول، من دون إعلان الاسم رسمياً، بينما يُتداول اسم مدير المجلس الاقتصادي الوطني كيفين هاسيت كأحد الأوفر حظاً. وفي موازاة ذلك، يوجد مسار آخر لا يقل حساسية: محاولة استثنائية لاستهداف عضو في مجلس المحافظين، ليزا كوك، عبر مسار قانوني ينتظر أن تنظر فيه المحكمة العليا لاحقاً هذا الشهر. تزامن هذه الملفات يرسم خطاً واحداً: إعادة تشكيل هيكل القرار لا مجرد توجيه القرار.
القانون الذي أنشأ الاحتياطي الفيدرالي لا يمنح الرئيس حق الإقالة من دون أسباب. الإزالة من مجلس المحافظين مشروطة بسبب وجيه، وغالباً ما يُفهم على أنه تقصير جسيم أو إساءة أو إهمال. لهذا تُستخدم مسألة التجديدات كأرضية سبب محتملة، أو كذريعة لصناعة سبب، وهذا الفارق وحده كافٍ لرفع منسوب التوتر.
وزارة العدل في المنتصف
التحقيق، بحسب ما ورد، يُدار من مكتب المدعي الأميركي لمقاطعة كولومبيا. كما أن النائبة العامة بام بوندي وجهت مكاتب الادعاء للنظر في قضايا يُشتبه بأنها تتعلق بإساءة استخدام أموال دافعي الضرائب. البيت الأبيض أحال الأسئلة على وزارة العدل، وترامب قال في مقابلة إنه لا يعلم بالتحقيق. لكن السوق لا تتعامل مع من يعلم بقدر ما تتعامل مع ما الذي يحدث.
النتيجة أن صورة وزارة العدل نفسها تدخل دائرة الاختبار، لأن المعركة لم تعد تقنية. عندما يصبح تهديد الاتهام الجنائي جزءاً من حديث الفائدة، تتحول القضية من ملف إنفاق إلى ملف دولة.
ما الذي يُراقَب الآن؟
المسألة في جوهرها ليست إن كانت تكلفة التجديدات ارتفعت، فالأرقام واضحة. المسألة إن كانت السياسة الأميركية تعيد تعريف حدود الاستقلال النقدي، في لحظة حساسة من دورة خفوضات الفائدة. الأسواق ستراقب ثلاثة أشياء متزامنة:
أولاً، مسار التحقيق نفسه وتوقيته وما إذا كان سيتوسع أو يتراجع.
ثانياً، طريقة تواصل الفيدرالي في اجتماع كانون الثاني، لأن أي إشارة إلى حذر مبالغ قد تُقرأ استجابة للضغط، وأي إشارة إلى تشدد مبالغ قد تُقرأ تحدّياً سياسياً.
ثالثاً، مسار التعيينات والمقاعد، لأن معركة الاستقلالية لا تُحسم بخطاب، بل تُحسم بمن يجلس حول طاولة القرار.
باول قال إنه سيكمل عمله بنزاهة وبإلتزام خدمة الأميركيين. لكن الاختبار الحقيقي ليس في العبارة، بل في قدرة المؤسسة على الاستمرار في إتخاذ القرار حين تصبح تكلفة القرار أعلى من القرار نفسه. في هذه اللحظة، الفائدة ليست مجرد رقم. إنها حدود ما تستطيع السياسة أن تفعله، وحدود ما يستطيع الفيدرالي أن يرفضه.
نبض