الأسواق بين الحذر والفرص... هذا ما ينتظر في 2026
مع اقتراب عام جديد، تتزايد أهمية قراءة المشهد الاقتصادي العالمي من خلال البيانات والمؤشرات الكلية، في ظل مرحلة انتقالية تمر بها الأسواق بعد سنوات من التشديد النقدي والتقلبات الحادة. وتعتمد التوقعات للمرحلة المقبلة على مسارات التضخم، واتجاهات أسعار الفائدة، وحركة السيولة العالمية، إضافة إلى العوامل الجيوسياسية التي بات تأثيرها أكثر وضوحاً على قرارات المستثمرين.
في ما يتعلق بأسواق العملات، من المرجح أن يشهد العام الجديد حالة من التباين في الأداء بين العملات الرئيسية والناشئة. الدولار الأميركي قد يتجه نحو ضعف نسبي إذا بدأت مؤشرات خفض أسعار الفائدة بالظهور بشكل فعلي، خصوصاً إذا استمرّ تراجع التضخم من دون دخول الاقتصاد في ركود عميق. في المقابل، قد تستفيد العملات الأوروبية مثل اليورو والجنيه الإسترليني من أيّ تحسّن تدريجي في النمو، بشرط نجاح البنوك المركزية في إدارة التوازن بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار. أما عملات الأسواق الناشئة، فقد تكون من أبرز المستفيدين في بيئة تتسم بانخفاض الفائدة العالمية وتراجع قوة الدولار، خصوصاً تلك المدعومة بأسس اقتصادية قوية واحتياطيات نقدية مريحة.
أما الذهب، فيبقى أحد الأصول الأكثر جاذبية في فترات عدم اليقين، سواء على الصعيد المالي أم الجيوسياسي. ومع احتمالات تراجع العوائد الحقيقية وعودة جزء من السيولة نحو الأصول الآمنة، قد يشهد الذهب مساراً تصاعدياً تدريجياً، مدعوماً أيضاً بزيادة الطلب من البنوك المركزية. في المقابل، يظل النفط مرتبطاً بشكل وثيق بتوازن العرض والطلب العالمي، حيث ستلعب سياسات الإنتاج ومستويات النمو الاقتصادي دوراً محورياً في تحديد اتجاه الأسعار. السيناريو الأكثر ترجيحاً يشير إلى تحركات سعرية متوازنة نسبياً، مع قابلية لارتفاعات موقتة عند حدوث توترات جيوسياسية أو تحسن ملموس في النشاط الصناعي العالمي.
أسواق الأسهم بدورها قد تدخل مرحلة مختلفة عن تلك التي شهدت ارتفاعات قوية مدفوعة بالتوقعات فقط، لتنتقل نحو مرحلة إعادة تسعير تعتمد بشكل أكبر على الأداء الفعلي للشركات والسياسات النقدية. وإذا بدأت البنوك المركزية خفض الفائدة بشكل تدريجي ومدروس، فإن ذلك قد يوفر دعماً لأسهم النمو، ولا سيما في قطاع التكنولوجيا، مع تحسن ظروف التمويل وتراجع كلفة الاقتراض. وفي الوقت نفسه، قد تحافظ القطاعات الدفاعية على جاذبيتها كخيار أكثر استقراراً في بيئة لا تزال تتسم بالتقلب وعدم اليقين، بينما تبقى الأسواق الناشئة مرشحة لاستقطاب تدفقات رأسمالية إيجابية إذا تحسنت شهية المخاطرة عالمياً.

بالنظر إلى الأفق الأبعد، فإن بعض الأصول قد تدخل عام 2026 بزخم تصاعدي واضح، مدعومة بعوامل هيكلية طويلة الأجل. من أبرز هذه العوامل التحول الرقمي المتسارع، والتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، وزيادة الاستثمار في البنية التحتية والطاقة، إضافة إلى استمرار الطلب على الأصول التحوطية في ظل التغيرات الاقتصادية العالمية. كما أن استقرار السياسات النقدية وعودة التوازن إلى معدلات التضخم قد يعيدان الاهتمام بالسندات وبعض الأصول في الأسواق الناشئة.
في المحصلة، فإن العام الجديد يحمل مزيجاً من الفرص والتحديات، ما يجعل الاعتماد على التحليل القائم على البيانات، وإدارة الأخطار، وتنويع الاستثمارات عناصر أساسية لتحقيق نتائج مستدامة. ومع اقتراب عام 2026، قد تكون الاستراتيجية الأكثر فاعلية هي تلك التي تجمع ما بين المرونة والانضباط، بعيداً عن القرارات العاطفية أو التوقعات غير المدروسة.
نبض