31-03-2024 | 13:29

مئة وخمسون عاماً على رحيل الليبرالي النّهضوي فرنسيس المرّاش

​ ​ فرنسيس المراش الحلبي رائد نهضوي طرح في الفكر العربي الحديث في مرحلة مبكرة الأفكار التأسيسية للفكر الليبرالي في العالم العربي، وأعاد انتاج مقولاته ومبادئه في الثقافة العربية، بأسلوب عبقري وابداعي، في وقت كان فيه الفكر العربي يتعثر في الخروج من ظلامية القرون الوسطى. إلاَ أن المرَاش ،على الرغم من ريادته وتميَزه ، يكاد يكون مجهولاً حتى لدى النخبة المثقَفة العربية . فإذا استثنينا بعض الأبحاث الجادة ، والتي تعود إلى نهاية القرن الماضي ومطلع هذا القرن،لم تتعدَ الدراسات التي تناولته العموميات، وغالباً ما كانت تنساق إلى أحكام إيديولوجية غريبة عن اهتماماته الفكرية،مكرَرة الأخطاء ذاتها لجهة مولده ووفاته وطباعة مؤلفاته وحقيقة مراميه الفلسفية والسياسية والإجتماعية. ​
مئة وخمسون عاماً على رحيل الليبرالي النّهضوي فرنسيس المرّاش
Smaller Bigger
 
 
فرنسيس المراش الحلبي رائد نهضوي طرح في الفكر العربي الحديث في مرحلة مبكرة الأفكار التأسيسية للفكر الليبرالي في العالم العربي، وأعاد إنتاج مقولاته ومبادئه في الثقافة العربية، بأسلوب عبقري وإبداعي، في وقت كان فيه الفكر العربي يتعثر في الخروج من ظلامية القرون الوسطى.
 إلاَ أن المرّاش، على الرغم من ريادته وتميّزه، يكاد يكون مجهولاً حتى لدى النخبة المثقّفة العربية. فإذا استثنينا بعض الأبحاث الجادة، والتي تعود إلى نهاية القرن الماضي ومطلع هذا القرن، لم تتعدّ الدراسات التي تناولته العموميات، وغالباً ما كانت تنساق إلى أحكام أيديولوجية غريبة عن اهتماماته الفكرية، مكرّرة الأخطاء ذاتها لجهة مولده ووفاته وطباعة مؤلفاته وحقيقة مراميه الفلسفية والسياسية والاجتماعية.
 
 
بيئة المراش التاريخية وأسرته وحياته
ولد فرنسيس المراش في عام 1836 في مدينة حلب التي اضطلعت بدور بارز في النهضة العربية الحديثة، حيث اتفقت أكثر المصادر التاريخية على أن النهضة التي عمت بلاد الشام في القرن التاسع عشر كانت في حلب في القرن الثامن عشر.
ففي هذه المدينة تأسست أول مطبعة عربية سنة 1702. وعن حلب، وفق مارون عبود، أخذ لبنان لغة الضاد. ومنذ أواسط القرن التاسع عشر تميزت حلب بعلاقات تجارية نشطة مع الغرب كانت من أهم العوامل في انفتاح العرب على الثقافة الغربية.
نشأ المراش وترعرع في كنف عائلة عريقة اشتهرت بالأدب والعلوم منذ القرن الثامن عشر، وبرزت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في طليعة حركة النهضة العربية، حتى أن فيليب طرازي اعتبر منزلة آل مراش بين نصارى حلب بنهضتهم الأدبية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كمنزلة آل اليازجي وآل البستاني في الديار الشامية.
فتح الله والد فرنسيس عرف بأسفاره إلى أوروبا وبنزعته الليبرالية، وصفه فارس نمر بـ"الحر الحلبي الذي قضى ردحاً من الزمن يرسل شعاع الحرية إلى أبناء سورية من لندن وباريس".
ولفرنسيس أخ وأخت هما أيضاً من رواد النهضة العربية، فأخوه عبد الله ترك آثاراً هامة، منشورة ومخطوطة، وصفه إبراهيم اليازجي بـ"كوكب المشرق الطالع في سماء المغرب". أما مريانا أخته فهي "الكاتبة الأولى التي نشرت أفكارها في الصحف العربية" كما جاء في تاريخ الصحافة العربية لفيليب طرازي، وكان بيتها "أول صالون أدبي في الشرق العربي بمفهومه الحديث" وفق سامي الكيالي.
درس المراش العلوم اللغوية والاجتماعية والطبيعية والفلسفة والدين واللاهوت واللغتين الفرنسية والإيطالية، وأمضى أربع سنوات دارساً للطب في حلب على يد يوحنا ورتبات، ثم سافر إلى باريس عام 1866 للحصول على الإجازة في الطب، لكنه أصيب بشلل في أعصاب بصره، فعاد إلى حلب ووضع عدداً من مؤلفاته الهامة وكتب مقالات في صحف ومجلات زمانه، ما يؤكد أن المراش لم يعد من باريس مكفوفاً كما يذكر جرجي زيدان ويوسف الدبس. وقد توفي سنة 1874 على عكس ما جاء في تراجم شيخو وزيدان والدبس الذين جعلوا وفاته سنة 1873.
 
 
 
فكر المرّاش الليبرالي
فرنسيس المراش هو اول مفكّر عربي صاغ فكره الليبرالي في منظومة هادفة، في وقت كان فيه الشرق العربي يرزح تحت أشكال شتى من التخلف والاستبداد. وإذا كان رواد النهضة العربية قد أجمعوا على نقد المظاهر الاستبدادية والرجعية للمجتمع العربي في ظل السلطنة العثمانية، فإن المراش كان الأكثر جذرية، وأول من حاول في الفكر العربي الحديث إسناد مفهوم الحرية إلى أسس فلسفية.
طرح المراش مسألة الحرية طرحاً فلسفياً. بحث في الحرية الطبيعية وإمكان وجود الحرية في العالم المادي والطبيعي الذي تقيده قوانين فيزيائية وطبيعية صارمة، وخلص إلى أن الإنسان شأن سائر المخلوقات خاضع إلى ما لا ينتهي من العبوديات. فـ"لا حرية في الخليقة ولا خلاص من العبودية".
في المقابل، يواجه المراش استحالة الحرية في الطبيعة بالقول بحرية أدبية، هي واجبة وضرورية وتقوم على "التعبد لأحكام دولة التمدن والصلاح"، فالتعبد لأحكام هذه الدولة هو عين الحرية، لأن اعتناق الإنسان واجباته لا يدعى عبودية بل يكون "داخلاً في حقيقة الحرية".
على أساس الحرية الأدبية، بنى المراش فكره الليبرالي، فهذه الحرية هي التي تكفل للإنسان حق اختيار السلطة السياسية، وحق مراقبتها للتأكد من صلاح قراراتها وأحكامها، وحق الحماية من الجور والاستبداد، وهي التي تكفل للجميع حقوقاً متساوية في العيش والأمن والتعبير. في هذا الإطار الفلسفي، جاءت إدانة المراش للظلم والاستبداد وثورته على التخلف والفساد.
المراش لم يترك وجهاً من وجوه الحكم الاستبدادي إلا وخصه بالنقد اللاذع والجريء. ندّد بالحكام وألقابهم المزوّرة وحذّر الطغاة من عاقبة جورهم وتسلّطهم، يقول المراش في هؤلاء: "قد ظلموا واستكبروا وبغوا وقد أتوا من شرّهم بفنون... قد غفلوا عن كل صالحة لكن عن الفحشاء لا يغفلون".
ويتساءل المراش: كيف لا يدرك العموم هذه الأهوال التي تفترسهم؟ ليجد السبب في جهل الناس، فهل استعبد الورى سوى الجهل؟ إن الجهل مجلبة البطل. وإذا لم يكن من الواضح إذا كان المراش يدعو إلى الحكم الديموقراطي البرلماني، فمن المؤكد أنه طرح مفهوماً ليبرالياً للدولة بتأثير من روسو ونظريته في العقد الاجتماعي. فأهم دواعي السياسة النظر إلى المصلحة العامة وأن تجري شرائع الدولة على كل أبنائها بدون أدنى امتياز بين الأشخاص، وللشعب حق مراقبة الدولة، فالسياسة إذا وقعت في غير محلها تطلب من الشعب إنقاذها. لكن المراش، على الضد مما يعتقد البعض، لم يذهب إلى حد الطرح الاشتراكي والمساواة الاجتماعية، فما تطلّع إليه هو المساواة في الحقوق السياسية، وليس إلغاء التفاوت الطبقي.
هذا المنحى الليبرالي في فكر المراش السياسي تمثّل بصورة جليّة في موقفه من الدين والعقل والمرأة والعنصرية والفئة البائسة في المجتمع الإنساني. فالمراش كان حازماً في رفض استخدام الدين لأغراض خصوصية، وقد نادى بالمحبة الوطنية المنزهة عن التعصب الطائفي الذي هو سبب الانحطاط والتخلف، داعياً إلى إعطاء العقل الحق في تأويل الحقائق الدينية وتعليلها.
وقد ركز في مؤلفاته كلها على العقلانية ومحاربة الجهل والأباطيل، لإيمانه بالدور المركزي للعقل في تقدم المجتمع الإنساني، وفي نهوض المجتمعات الشرقية خاصة. ويشكّل موقف المراش من الفئة البائسة في المجتمع بداية الانعطاف نحو الفئات الدنيا في الفكر العربي الحديث بإقراره بحقوقها السياسية والاجتماعية وبدورها الأساسي في الإنتاج، وقد بوّأها مكانة متميزة بين سائر الفئات، ونظر إلى الفقراء، لا بوصفهم مساكين يستحقون الشفقة والرحمة، بل كأصحاب حقوق سياسية واجتماعية. 
والمراش ليبرالي في موقفه من المرأة، متقدّم على سواه من النهضويين بشجبه الزواج القسري، وتأكيده احترام رأي المرأة في اختيار الزواج بمن تحب. كما هو متقدّم على هؤلاء في إدانة العنصرية، وهو أول مفكر عربي يدين الرق إدانة مطلقة، وقد طرح هذه المسألة في كتابه "غابة الحق" عام 1865 بينما كانت الحرب الأهلية الأميركية لا تزال مستعرة، داعياً إلى إبطال الرق على أساس "الحق الطبيعي" الذي يؤكد حرية الإنسان الأدبية، باعتبارها حقاً طبيعياً لا يمكن اغتصابه أو التنازل عنه.
والمراش، رغم انبهاره بالتمدن الغربي الذي رآه محققاً لدولة العقل، عبّر في مقالة في "الجنان" عام 1870، في أول إدانة في فكرنا العربي لليبرالية المتوحشة، عن رفضه لمآل التمدن الغربي بقوله: "بئس التمدن الذي وهو يهتف ببوق الأفراح والبشائر والغناء، تضج حوله ولاول الأرامل وعويل اليتامى وزفرات الفقراء".
هكذا فالطروح الليبرالية التي بثّ المراش أولى طلائعها في الفكر العربي، تؤكد ريادته في استيعاب ثورة الحداثة، وتجعل منه بحق طليعة الليبراليين العرب.
 
 
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية