ماركيز يعود من قبره بروايةٍ نُشرت رغم وصيّته بإتلافها
قبل عشر سنوات، وهو في السابعة والثمانين من عمره، رحل الكاتب الذي حوّل اتجّاه الرواية العالمية لينتقل ثقلُها من أوروبا الغربية إلى أميركا الجنوبية، وألبَسها رداءً زاهيًا ومثيرًا جعل هذا الفن العريق يبدأ تاريخًا جديدًا ويكاد يتسمّى باسمه، الكاتب الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز(ث) الشهير اختصارًا بلقب (غابو) النّاقل والمتمثّل للتراث الغني ا لقارة بأكملها تعتبر الحكاية زادًا يوميًا لعيشها، ولغةً استعاريةً متداولةً بين شعوبها، ولحافا تنام عليه، وحلمًا ترحل في سماواته ونجومه. إن أغرب ما يقف عليه تاريخ الأدب الحديث والمعاصر هو تفاجؤ النقد الأدبي في الغرب بالعالم الغرائبي الحكائي الذي وجدوه عند ماركيز وتقوّى تدريجيا ليتحول إلى تيار روائي جارف سمّاه هذا النقد ب" الواقعية السحرية" بينما هو أولاً واقعيةٌ من نسيج الأدب اللاتينو الأميركي، غفلت عنها المركزية الأوروبية في البدايات، وهي مسبوقة بتراث شفوي عالي التحليق في الخيال، وأعطى المرجع الأمّ لسرده السحري في القصة الفريدة" بيدرو بارامو" (1955) لكاتبها المكسيكسي خوان رولفو" (1917ـ1986) هي بشهادة بورخيس أفضل نموذج للواقعية السحرية.
قبل عشر سنوات، وهو في السابعة والثمانين من عمره، رحل الكاتب الذي حوّل اتجّاه الرواية العالمية لينتقل ثقلُها من أوروبا الغربية إلى أميركا الجنوبية، وألبَسها رداءً زاهيًا ومثيرًا جعل هذا الفن العريق يبدأ تاريخًا جديدًا ويكاد يتسمّى باسمه، الكاتب الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز(ث) الشهير اختصارًا بلقب (غابو) النّاقل والمتمثّل للتراث الغني للقارة بأكملها، تعتبر الحكاية زادًا يوميًا لعيشها، ولغةً استعاريةً متداولةً بين شعوبها، ولحافًا تنام عليه، وحلمًا ترحل في سماواته ونجومه. إن أغرب ما يقف عليه تاريخ الأدب الحديث والمعاصر هو تفاجؤ النقد الأدبي في الغرب بالعالم الغرائبي الحكائي الذي وجدوه عند ماركيز وتقوّى تدريجيًا ليتحول إلى تيار روائي جارف سمّاه هذا النقد بـ"الواقعية السحرية"، بينما هو أولًا واقعيةٌ من نسيج الأدب اللاتينو الأميركي، غفلت عنها المركزية الأوروبية في البدايات، وهي مسبوقة بتراث شفوي عالي التحليق في الخيال، وأعطى المرجع الأمّ لسرده السحري في القصة الفريدة "بيدرو بارامو" (1955) لكاتبها المكسيكي خوان رولفو (1917ـ1986) هي بشهادة بورخيس أفضل نموذج للواقعية السحرية.
دخل غابرييل ماركيز إلى عالم الرواية من باب الصحافة، ثم دفع الباب بقوة برواية واحدة صنعت مجده الأدبي كله، وما تلاها لم يكن إلا تكملةً لصرحها وتثبيتًا للإشكاليات الوجودية التي عكف الروائي الكولومبي على تجسيدها عوالمَ ومصائرَ لشخصياتٍ مستمدةٍ من قلب التاريخ الوطني لبلاده، ومن تصوّر تراجيدي لوضع الإنسان.
أجل، مثلت: "مئة عام من العزلة" (1967) نصًّا منعطفًا في تاريخ الرواية الحديثة لا يضاهيها إلا "عوليس" (1920) لجيمس جويس ( 1882ـ1941) و"المسخ" (1915) لكافكا (1983ـ 1924)، وكاد يغطي على مجايلين من قارته أهمهم ماريو فارغاس يوصا روائي البيرو (1936ـ)، الذي حصل مثله على نوبل (2010).
رغم رحيله قبل عشر سنوات (2014)، مازال غابو عَلمًا على أدب قارّة كاملة بسحرٍ دائم.
اليوم من جديد تقيم رواية صغيرة له عالم الأدب ولا تقعد، فهي بقيت مجرد مخطوطة في ثنايا أوراقه محجوبة بين الكمال والنقصان عند عائلته وهي تطوي داخلها قصتين: "سبب نزولها" وظروف كتابتها ومسار تخلقها إلى أن صدرت هذا الشهر وترجمت مباشرة من لغتها الأصلية إلى أربعين لغة ليست منها العربية بعد؛ ثم الحكاية التي تسرد وتنضم إلى الرصيد الفخم لهذا الروائي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، تقرأها فتظن أن كاتبها حيٌّ يرزق بمهارته الفنية وشجونه الكبرى في أعماله قبل الرحيل.
عنوان الرواية: "نلتقي في أغسطس" ترجمة للأصل بالإسبانية"En AGOSTO NOS VEMOS " والفرنسي "Nous nous verrons en aout" المعتمد عندنا. القصة الأولى كشفَ بداية خبرها صحيفة (البايس) المدريدية (18 مارس/ آذار 1999) بإعلانها أن ماركيز بصدد كتابة رواية مكوّنة من خمس حكايات مستقلة بعضها عن بعض، رابطها بطلة واحدة.
تأكيدًا للخبر تقول الصحيفة إنه قرأ أثناء مشاركته في لقاء أدبي في مدريد الحكاية الأولى بالعنوان المذكور، مفاجئًا جمهوره الذي كان ينتظر خطابًا للمناسبة، وحددت أن الحكايات ستدور حول أفراد مسنّين.
واعتمادًا على مونيكا ألونسو السكرتيرة الشخصية للكاتب، وبعدما أنهى في حزيران 2002 الصيغة النهائية لمذكراته، وهي نظفت أدراج مكتبه وعثرت على مخطوطين، واحد هو (إيللّا) الذي سينشر بعنوان: "مذكرات عاهراتي الحزينات" (2004) آخر ما نُشر في حياته؛ والثاني هو الذي يخصّ القصص التي نحن بصددها تقول إنه ابتداءً من 2003 عكف عليها تدقيقًا ومراجعة وإعادة كتابات انتهت بوضع خمس صياغات كلها محفوظة.
وصولًا إلى الأخير، أرسل المخطوط إلى وكيل أعماله كارمن بالسيلس أرفقه بعبارة اشتهرت: "ينبغي أحيانًا ترك الكتب تستريح".
بعد ذلك يخبرنا ناشره كرستوبال بيرا أن ماركيز وهو في إقامته في برشلونة اتصل به يبلغه أن بحوزته رواية غير كاملة لا يجد لها نهاية ويلتمس عونه، وأفاده بأنها تخص امرأة متزوجة في سن النضج تذهب إلى جزيرة مدفونة فيها أمها فتلتقي حب حياتها.
في وقت آخر قدم له غابو خبرية مختلفة عن المرأة ولما ذهبت إليه سمح بقراءة ثلاثة فصول "وجدتها بديعة تعالج موضوعًا لم يطرقه من قبل".
.jpg)
عراك مع الذاكرة
من المهم التذكير بأن ماركيز كان قد بدأ يعاني في هذه الفترة ضعفًا في التذكّر وذاكرته لا تسمح بدمج المقاطع والتصحيح الأخير، رغم عناده لشغل نفسه بأدق التفاصيل وضبط النعوت والمفردات.
يخبرنا الناشر أنه أخيرًا، بالتعاون مع سكرتيرة الكاتب، أمكن إدخال جُمل التنقيح والتعديلات وما يخص التحقق من أعلام ومقاطع الموسيقى في النص.
نأتي بعد هذا إلى اللحظة التي أفرج فيها عن المخطوط الذي بملك ورثة غابو وهما ابناه رودريغو وغونزالو غارسيا ماركيز.
كتبا في خاتمة الطبعة الفرنسية أن فقدان والدهما لذاكرته في السنوات الأخيرة لحياته أصابهما في مقتل، أضرت مقدرته على الكتابة بصرامته المعهودة، قال لهما يومًا: "إن الذاكرة هي في آن واحد مادتي الأولى وأداتي للعمل. بدونها لا يبقى شيء".
رواية "نلتقي في أغسطس" هي ثمرة الشوط الأخير ليواصل الإبداع بأيّ ثمن. يصفان الجهد المبذول في شكل "سباق بين الإتقان الفني وقدرات ذهنية تضمحلّ".
وقد حرص الناشر على تبيان عملية الذهاب والإياب بين الصياغات الخمس للرواية التي أعيت والدهما إلى حد اليأس منها ودفعته ليصدر الحكم القاصم: "هذا الكتاب لا يصلح، فلنتخلص منه".
لكنّ رودريغو وغونزاليس لم ينفّذا وصية الأب، تمامًا مثل ماكس برود الصديق الذي أوعز له كافكا بحرق مخطوطاته ومن حسن الحظ حافظ عليها ونشرها.
بعد عشر سنوات على رحيل الوالد عاد الابنان إلى المخطوط المهجور وارتأيا بعد إعادة قراءته أنه لا يقل طلاوة عن الأعمال السابقة، وأنه خلا بعض الهنات فإنه ملء الإبداعية بشعرية لغته، وسرده الأخّاذ، وعمق فهمه للنفس البشرية، وبتركيزه خصوصًا على الحب، يريانه التيمة المركزية لأعمال ماركيز.
سيدة في الخمسين
تعالوا الآن إلى القصة موضوع الإشكال والسّجال، هي محدودة في مرويِّها ومكرورة في حلقاتها، ثقيلة في ميزان معناها وأبعادها.
تروي "نلتقي في أغسطس" حكايات سيدة في العقد الخامس من عمرها متزوجة ولها أبناء شباب، تقصد في صيف كل عام (شهر أغسطس بالتحديد) جزيرة صغيرة في بحر الكراييبي (في كولومبيا بلد الكاتب) لتضع باقة ورد على قبر أمها وتحدثها عند شاهدتها عما جرى خلال عام، وتقضي الليلة في الجزيرة لتعود صباح الغد على المركب الذي حملها اليوم السابق.
بعد الانتهاء من طقس الزيارة لقبر الأم، ترجع إلى فندقها وتتسلى مساءً في بهوه بشرب كأس وتتعشى وتصعد إلى غرفتها، إلى أن انجذبت ذات مرة إلى شخص في ملهى الفندق، راقصها واحتسيا ثم رافقها قضى معها وقتًا في غرفتها وصباحًا غادر بعدما دسّ ورقة مالية من عشرين دولارًا في كتاب لها.
عثرت عليها فجرحتها في الصميم، ذلك أن وهمها بقضاء ليلة حبّ انقلب إلى معاشرتها بائعة هوى. في أغسطس آخر، كررت الصيد والليلة، وثالثة، ثم حدث ما عكّر انسياقها لنزواتها دفعتها لتقلع عنها وتعمد إلى جمع ما تبقّى من رفات الأم في كيس تعود به إلى بيتها إيذانًا بنهاية رحلة الجزيرة معها، خاتمة نزوة المرأة الخمسينية المتزوجة.
بين الذهاب والإياب، من أثر الانغمار في النزوة تنقلب حياة المرأة، تعيد اكتشاف نفسها، وحياتها العائلية مع زوجها المستقر في عمله الموسيقي وابنها في الميدان ذاته، ثم ابنتها التي تريد الالتحاق بشعيرة دينية، وتتبدل نظرتها للمجتمع والأخلاق، وتفتر علاقتها أخيرًا بالزوج جرّاء تسرّب الشك بينهما ويصبح لكل منهما مصير جسدي. تظهر الرحلة إلى الجزيرة بمثابة تعِلة للبحث عن الذات لإنقاذها من الرتابة والتكرار.
ويأتي الحبّ أو الرغبة فيه أو وهمه للخلاص، وهو في هذه الرواية وأعمال أخرى لماركيز وراثي، إذ تكتشف البطلة أنا ماغدالينا باخ في الأخير وصدفة عن طريق حارس المقبرة أن رجلًا يزور قبر الوالدة بانتظام ويضع باقات ورد، وتتحرّى فتصل إلى أنه هو حبّ أمها التي كانت قبلها تأتي إلى الجزيرة وأوصت بدفنها فيها حين اشتد عليها المرض.
هنا "فهمت إرادة أمها وهي تكتشف من أعلى مكان من المقبرة جمال العالم، المكان المنعزل الذي لن تحس بالوحدة إلا فيه". حلت الوحدة تيمة مركزية في مجمل أعمال ماركيز، بدءًا على الأقل من "الحب في زمن الكوليرا" (1985) انتهاءً بكتابه "عشت لأحكي"(2002) يردد فيه العبارة الجنائزية عن الموت: "حين ينتهي كلّ شيء"، و"يسود الظلام المطلق".
وفي روايته: "ليس للكولونيل من يراسله" (1961) قمة الوحدة. كما رافقته فكرة الشيخوخة "خريف الباتريارك" (1975)، ومنذئذ مال إلى تصوير شخصيات بأعمار طويلة تنزع إلى البقاء ولتستلذ بآخر قطرة من متع الحياة عبثًا، كما في "عاهراتي الحزينات".
هذه الرواية العائدة من العدم تشهد على مجد روائي لم ينضب معينه. يا للمفارقة بعد عشر سنوات على رحيله يذكرنا بأن الرواية فنٌّ عظيمٌ بأقلام مالكي حياة ثريةٍ بالتجربة والحكمةِ وموهبة الحذق لإعادة تشكيل عالم خلّاق.
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض