يحتلّ مسلسل "تاج" حيّزاً مُهمّاً على قائمة المتابعة الرمضانية للموسم الحالي، وهو التعاون الثاني بين المخرج سامر البرقاوي والكاتب عمر أبو سعدة والنجم السوري تيم حسن، تحت مظلة المنتج اللبناني صادق الصباح.
تُعتبر جاذبية تيم حسن عنصراً أساسياً في النجاح الجماهيري الذي حققه العمل حتى الآن، فهو بمثابة "استثمارٍ فني رابح" و"الدجاجة التي تبيض ذهباً".
يستطيع حسن – دائماً- أن يحظى بإعجاب جمهوره العريض عربياً، بفضل موهبته التمثيلية الكبيرة ومقدرته على دراسة شخصياته جيداً وتقمّصها، إضافة الى اللعب على التفاصيل مكتفياً بتوكيد أنّه "النجم الأوحد". دون أن يقدّم إشكالية مُهمّة لسيرورة شخوصه المتشابهة-المتباعدة. أو "نهاية عادلة" لقضاياها. ومحققاً شرط "التشويق وحبس الأنفاس" المطلوب الذي يزيد نسب المشاهدة "الترند"، وهو معيار النجاح الوحيد المعتمد في الصناعة الدرامية العربية اليوم.

استعارات وتخييل
لا يخلو "تاج" كما في "الزند ذئب العاصي"، من "استعارات درامية" تبدو مقصودة وغير بريئة، كمشهد سرقة البنك العثماني على طريقة المسلسل الإسباني الشهير "لاكازا دي بابل"، أو مشهد القتال على سطح القطار الذي لطالما شاهدناه في أفلام هوليوودية كثيرة. تحاول أن تجمّل السيناريو وتمنحه مزيداً من الإثارة والمغامرة في قالب درامي يبدو -مُحكماً- للوهلة الأولى.
كما هناك من كتب عن تشابه بين جانب من شخصية "تاج" وشخصية روبرت دي نيرو، حين جسّد شخصية الملاكم في فيلم سكورسيزي.
يقدّم صُنّاع "تاج" عملهم كـتخييل درامي يتكئ على مرحلة تاريخية جرت أحداثها في دمشق بين منتصف ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي خلال الانتداب الفرنسي، كالإضراب الستيني (1936)، والحركة الطلابية الثائرة المطالبة بالاستقلال.
كذلك، يظهر دور الكتلة الوطنية في تثوير الشارع السوري وأبرز شخصياتها الرئيس الأسبق شكري القوتلي. وفي ظل صراع دولي أكبر بين القوى المتحاربة خلال الحرب العالمية الثانية، والانقسام الحاصل بين الفرنسيين "فيشيين وديغوليين". وعمل أجهزة استخباراتها داخل سوريا للحصول على بقايا حطام طائرة ألمانية لمعرفة سرّ صناعتها.

يصور العمل دمشق التي قُتلت -درامياً- كمدينة حية، واقعية. بعيداً من أجواء "البيئة الشامية" بحاراتها المنغلقة على نفسها بـ"صراع الزعامات". برجالها الذين يرتدون "الشراويل"، ويستعرضون عنترياتهم بالعبارة الشهيرة "سحاب". والتي تأسر نساءها في "سجن الحريم".
مدينةٌ يظهر فيها النمط العمراني الأوروبي الذي خلّفه الفرنسيون بشوارعها العريضة، نشاهد فيها وسائل النقل الحديثة حينها "الترامواي"، والسيارات "الأتوموبيلات". مدينة ليلية تنتشر فيها الكازينوهات وحانات الشراب والغواني والفنادق التي تؤجّر غرفها كـ"عُلب ليل". بعيداً من مظهر "العفة المفترضة" الذي ارتبط دائماً في أعمال "البيئة الشامية".
بُنيت لوكشينات التصوير الخاصة بهذه الـ"دمشق"، كون التشويه والتلوث البصري بسبب زحف العمران الحديث أصاب المناطق التاريخية في قلب العاصمة. لكن "تاج" من جهة أخرى يبقى مُخلصاً لحكائية مقاومة المستعمر، فكم مرّة علينا أن نقتل الفرنسيين في أعمالنا الدرامية؟.
رغم الطابع الحداثي للمدينة، ومحاولة ربط الحكاية بقضية لواء اسكندرون الذي سلبته تركيا تحت أعين الانتداب، وتقنيات التصوير المتطورة وحركة الكاميرات اللافتة، تُستخدم دمشق -وظيفياً- كمسرح لتتويج "عكيدٍ آخر"، وإن اختلف من الناحية النفسية والشكلية، والمناخ العام عن "أبو شهاب/ سامر المصري" في باب الحارة.
فالمشهدية الواقعية لصورة المدينة وعلاقات ناسها الأكثر انفتاحاً وتحرّراً لا تتعدّى أن تكون إطاراً مكانياً مناسباً وحياتياً يمارس فيه "تاج" دوره الأثير كـ"سوبرمان". من خلال مشيته الاستعراضية، وقوته البدنية، ولسانه الحاد، وروح البطل المتحدّية الذي يجمع بين عنفوان العاشق ونزق الثائر.

"عكيدٌ آخر بلبوس فرنجي"
يلعب تيم حسن دور الملاكم "تاج الدين الحمّال أو المقص" المطارد والمحكوم بالإعدام من قِبل الفرنسيين. والذي يحاول أن ينقذ سمعته بعد اتهامه بأنّه عميل و"داسوس" بعد القضاء على خلية المقاومة التي يديرها. بعد محاولة اغتيال فاشلة للكولونيل "جول" الذي يلعب دوره الممثل اللبناني القدير جوزيف بو نصار. ليصبح منبوذاً في عمله، ويغرق في دوامة القمار والكحول وينتهي زواجه بـ "نوران" التي تلعب دورها المغنية فايا يونان بالطلاق، في تجربتها الأولى كممثلة التي شكّك البعض بـ"مقدرتها التمثيلية"، وعبّروا عن أحقية غيرها بأداء الدور.
يسعى -تاج- وراء كشف العملاء الحقيقيين وعلى رأسهم "رياض بك" الذي يلعب دوره النجم بسام كوسا الذي سلبه زوجته أيضاً. دون أن يظهر كوسا كعادته كعامل "جوكر" فيكتفي -حتى اللحظة- بظهور باهت على عكس المتوقع، والذي انتظرنا أن يشكّل أضافة نوعية كـ "ندّ" لتيم حسن.
حسن الذي يظهر كعادته -في السيناريو المكتوب له خصيصاً، بينما تظهر بقية الشخصيات كـ"كومبارسات" تحرس هالته.
يبدو كأنّه "بطل خارق" كما في "الهيبة"، و"محاربٍ ينال حقه بذراعه" كما في "الزند ذئب العاصي". يبدو أنّه بات يأنس لهذا النوع من "القولبة" والتنميط لأدواره ذات "البعد الفردي".

وهي رغم اختلافها "الشكلاني" سواءً من ناحية البيئة المفترضة أو اللغة أو الحقبة التاريخية، ما يجمعها هو النزعة الدائمة للانتقام، والعنف المغلّف بالرومنطيقية، والثورية التي تعززها -أحياناً- روح "البلطجة"، والشتائم السوقية المموهة بقالب طريف، والحوامل اللفظية للشخصيات وآخرها "يستر على شيتاتك" و"كرز" كما في "تاج".
رغم أنّ "تاج" أو "المقص"، يظهر بصورة أقل مثالية من "أبو شهاب" الشهم والقبضاي الذي لا يتوانى لحظة عن الدفاع عن أهل حارته وبلده، ويخاطر بحياته في سبيل إيصال السلاح سواءً للثوار في الغوطة أو فلسطين.
لكنه سكير ومقامر وحارس لملهى ليلي يعتمد أساليب أقل "نبلاً" في "ثوريته" للانتقام ممن نبذوه. وفي حركة المقاومة التي يقودها ضدّ الفرنسيين. سواءً عن طريق الابتزاز الجنسي، ولعب دور المخبر السرّي- المهرج- للداخلية للوصول إلى غاياته في الوصول لمصادر المعلومات التي تخدم قضيته العادلة. ما يجعله "عكيداً" آخر بلبوسٍ فرنجي أقرب ما يكون إلى "جبل رجل العصابة العادل" كما في "الهيبة". أو ربما "الضحية التي توحشت" كما في شخصية "عاصي الزند". ولتكون النهاية المتوقعة- والمعلومة سلفاً- لبطل يريد له "عُشاقه ومتابعوه"، أن يكون عصياً على الموت.
الأكثر قراءة
الولايات المتحدة
5/2/2026 1:03:00 AM
أبلغ دونالد ترامب الكونغرس بأن الحرب مع إيران “انتهت”، في محاولة لاحتواء الجدل القانوني مع بلوغ مهلة الـ60 يوماً دون تفويض تشريعي
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
لبنان
5/1/2026 6:14:00 PM
أنباء أولية عن مجزرة في حبوش بعد إنذار إسرائيلي وغارات عنيفة: 10 ضحايا وعدد من الجرحى
لبنان
5/1/2026 8:38:00 PM
إسرائيل تنقل المواجهة إلى عمق لبنان… “المنطقة الصفراء” تشمل قيوداً على المدارس والتجمعات
نبض