"طيفٌ من الجنة"... عن "ست الحبايب" في يوم الأم والشِعر!
"أمي- ماما- يوّم- يمّا" النداء السحري الأول الذي صاغته الفطرة على شفاهنا، أولى الكلمات وأخرها. العيون اللامعة بالحب، اللمسة التي تجمع حنان العالم بين أصابعها، تهويدة النوم الخالدة، التجاعيد المقدسة التي حفرتها الأيام لنخرج من رحم تشققاتها، وصوت الاستغاثة الدائمة "يامو" -بصوت غوار الطوشة- كلما أظلم القدرُ في وجوهنا. لأجل كل ذلك، كانت ولازلت "الدنيّ أم، كل الدنيّ أم".
"أمي - ماما - يمّو - يمّا" النداء السحري الأول الذي صاغته الفطرة على شفاهنا، أولى الكلمات وآخرها. العيون اللامعة بالحب، اللمسة التي تجمع حنان العالم بين أصابعها، تهويدة النوم الخالدة، التجاعيد المقدسة التي حفرتها الأيام لنخرج من رحم تشققاتها، وصوت الاستغاثة الدائمة "يامو" - بصوت غوار الطوشة - كلما أظلم القدرُ في وجوهنا. لأجل كل ذلك، كانت وما زلت "الدنيّ أم، كل الدنيّ أم".
يمكن اختصار كل ما سبق في صوت تلك الأم الفلسطينية المكلومة التي أبكت العالم، وهي تنادي: "يوسف ابني عمرو سبع سنين حلو وشعرو كيرلي"، باحثةً عن طفلها في أحد مستشفيات غزة خلال حرب الإبادة الجماعية المستمرة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، قبل أن تكتشف أنه راح ضحية القصف الإسرائيلي.
فاستحق المشهد مع سواه من مشاهد الموت اليومية لـ"أبناء وأمهات الحرب"، وصف "الفيلم الذي لم ينل الأوسكار".
في الحادي والعشرين مارس/آذار يصادف عيد الأمهات مع يوم الشعر العالمي كما في كل عام. ولأن كليهما - الأم والشعر - تجمعها رابطة الدمِ والوحي "وحي الأمومة"، ففي كل قصيدة حُب - ربما - استعادة كامنة لصورة الأم، وعبورٌ عاطفي صوب نقاء ماضٍ لوثته الحياة.
فإذا كان الشعر "جنةُ الممسوس بقلبه"، فالقصيدة تسكن - أبداً - تحت أهداب الأمهات.
فكيف تجلت صورة الأم في الشعر، كيف وصف الشعراء علاقتهم بأمهاتهم؟ وما هي أبرز النماذج الشعرية والقصائد التي تغنت بالأم؟

"أمهات شاعرات"
لعل الشاعرات الأمهات هن الأقدر على الإمساك بخيط الشعرية المرتبط بفكرة الأمومة، فها هي الشاعرة أليس بي فوغل تصف في قصيدتها المعنونة بـ"إذا كنت أنام بينما ينام طفلي"، شعورها وهي تراقب أنفاس طفلها النائم بجوارها، وسعادتها به، والشعور الغامر بالسعادة الذي يملأها قائلةً: "نومي سيكون له الساعة، حفظ الوقت بأمان، نومه يضبط أحلامي ليستمع، نومنا يربط الساعة، ثقيلة ودافئة، في بطانية من الهواء والصوت".
كذلك الشاعرة الأميركية كاثي سونج في قصيدتها "أجنحة مائية"، تصف حالها كغيرها من الأمهات اللواتي يشاهدن أبناءهن يكبرن ابتعادهم عنهن حيث ستأخذهم الحياة.
وتحاول أن تصور لحظات نموه المبكرة لحظةً بلحظة بالقول: "هذا هو الحزن، أقول لنفسي، الصباح الذي يختار أن يترك جناحيه خلفه، لأنه لن يتذكر أنه والجمال كانا سواء، يقفز عبر الماء، ويطير جوًا تقريبًا، في أول رحلة منفردة له. سأكتب "كيف لم يستطع القبض على فرحته". لكنها أيضاً الأم الواثقة باتحاد روحها مع روحه الصغيرة قائلةً: "وفي الطرف الآخر، في إطار زمني آخر،هو ينتظرني — بعد أن تفوقت بالفعل على هذا الجسم، تلك التي انزلقت مني كالسمكة، عائمة، خالية من نفسها".
وكذلك، تصور الشاعرة الأميركية إليزابيث أكيرز ألين (1911-1832)، في قصيدتها "صخرة لي للنوم" حنينها الدائم لحضن والدتها، وتلك الرغبة العارمة بالعودة طفلةً صغيرة تتوسد كتف أمها حتى تشعر بلذة النوم. تقول مناديةً والدتها: "إلى الوراء، إلى الوراء أيها الزمن في تحليقك.... يا أمي، عودي من الشاطئ الذي لا صدى له، خديني مرة أخرى إلى قلبك كما من قبل". ولتختم ألين مقاطع قصيدتها الست بلازمة هي "هزيني حتى أنام يا أمي، هزيني حتى أنام!".

"وإذ أقول أمي"
نجد الرغبة ذاتها لدى الشاعر الفلسطيني محمود درويش (2008-1942)، في قصيدته الشهيرة "أحنُّ إلى خبزِ أمي" التي غناها الفنان اللبناني مارسيل خليفة، القصيدة التي صارت جزءاً أثيراً من تراثنا العاطفي الجمعي، والتي كتبها أسيراً سنة 1965، في سجن الرملة على خلفية اعتقاله بعد إلقائه قصيدة في جامعة القدس دون تصريح.
درويش الذي بقي لعشرين عاماً يظن أن والدته حورية تحب أخوته أكثر منه عندما جاءت تزوره في سجنه حاملةً الخبر والقهوة له، ألقى نفسه بين يديها.
وكتب هذه القصيدة معتذراً لها كما يقول: "ولما انصرفت لم أجد أجمل من الاعتذار لها إلا بكتابة القصيدة، اعتذار عن ظلمي لها سنوات لم أكن أفهمها كما ينبغي أن يفهم الأبناء أمهاتهم".
واكتملت صورة "الملاك الحارس" المجسدة في الأم كما في قصيدة الشاعر اللبناني سعيد عقل (2014-1912) الشهيرة "أمي يا ملاكي" التي أضافت لها السيدة فيروز بصوتها السماوي سحراً مضاعفاً لكلماتها متناهية الرقة. القصيدة التي تجسد النداء الأبدي: "عيناكِ ما عيناكِ، أجمل ما كوكبَ في الجَلَدْ
أمّي يا ملاكي، يا حبّي الباقي إلى الأبَدْ".
منسجمة مع قصيدة سارة مالين بعنوان "أم" التي تشكر على دور والدتها في حياتها قائلةً: "عندما كنت بحاجة إلى عناق، كانت ذراعاكِ مفتوحتين دائماً، عندما كنت بحاجة لصديق، كان قلبك، عندما كنت بحاجة لدرسٍ، كانت عيناكِ اللطيفتان الصارمتان، قوتكِ وحُبكِ أرشداني، ومنحاني أجنحةً لأحلق".

"رثاء دائم"
درويش الذي يتغنى بخبز وقهوة ولمستها الحانية، تؤلمه فكرة الفقد فيقول: "وتكبر فيّ الطفولة يوماً على صدر يومِ، وأعشق عمري لأني إذا مُتْ، أخجل من دمع أمي".
وهنا يتماهى مع قول الشاعر العباسي الشريف الرضي (1015-970) في مرثيته الشهيرة "أبكيكِ لو نفع الغليل بكائي"، لولا أن الأخير كان يعاني آلام الخسارة الفادحة برحيل أمه فيقول: "قد كنت آمل أن يكون أمامها، يومي وتشفق أن تكون ورائي".
كذلك خلّد الشاعر المصري فاروق جويدة ذكرى والدته بقصيدة رائعة بعنوان "ويموت فينا الإنسان". يستعيد فيها ذاكرة النقاء القديمة التي عرفها بين يديها مصوراً نفسه - رغم تقدمه في السن والحياة - بالطفل الذي حُرم من ثدي والدته قائلاً: "وتركتُ رأسي فوق صدرك، ثم تاه العمر مني.. في الزحام، فرجعت كالطفل الصغير.. يكابد الآلام في زمن الفِطام". ويرثي أيضاً، زمن البراءة والعاطفة الصادقة في عالم البشر الذي يتعرى من كل قيمة إنسانية قائلاً: "فالحب يا أمي هُنا.. كأسٌ.. وغانيةٌ.. وقصر، الحبُ يا أمي هنا.. حفلٌ.. وراقصةٌ، ومهر". سائلاً والدته: "من يا ترُى في الدرب يُدرك أن في الحب العطاء".
تنسجم قصيدة "إلى أمي" للشاعر الأميركي إدغار آلان بو (1849-1809)، في بعدها العاطفي الحار مع جويدة. والذي راففه الحزن وألم الفقد منذ بداية حياته توفيت والدته الممثلة المسرحية إليزا بو بعد ثلاثة أعوام من والدته لم يجد قصيدته "ما هو أكثر تعبداً من كلمة الأم". رغم ما قاساه من مهانة خلال طفولته بسبب مهنتها كممثلة لكنه احتفظ بصورتها المقدسة لديه فهو كما يقول: "لم أكن سوى أم نفسي". واصبحت زوجته الكاتبة الأميركية فرجينيا كلم (1847-1822) بمثابة أم بديلة له.
لكن الموت ترصد حب حياته مجدداً ليفجع بها، ولتكون "أحبَّ إلى روحي من روحها، الحياة" كما يقول في قصيدته.
أما الشاعر بروس لانسكي في قصيدته "في يوم الأم"، ضمن مجموعته الشعرية" إذا كان بإمكان الخنازير الطيران - وأفكار عميقة أخرى: مجموعة من القصائد المضحكة". يقدم نصائح عن كيفية الاحتفال بهذا اليوم بشيء من السخرية المُرة من فشله الشخصي كجزء من خيبة أمل والدته به قائلاً: "لا تخبرها أنك تعتقد أن التدخين أمر رائع، لا تخبرها أنك تركت المدرسة، لا تخبرها أنك أغرقت القطة، لا تخبرها أنها تبدو سمينة جداً، لا تخبرها عندما تكبر، سوف تكبر - شاعراً جائعاً – مثلي تماماً".
الأكثر قراءة
الولايات المتحدة
5/2/2026 1:03:00 AM
أبلغ دونالد ترامب الكونغرس بأن الحرب مع إيران “انتهت”، في محاولة لاحتواء الجدل القانوني مع بلوغ مهلة الـ60 يوماً دون تفويض تشريعي
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
لبنان
5/1/2026 6:14:00 PM
أنباء أولية عن مجزرة في حبوش بعد إنذار إسرائيلي وغارات عنيفة: 10 ضحايا وعدد من الجرحى
لبنان
5/1/2026 8:38:00 PM
إسرائيل تنقل المواجهة إلى عمق لبنان… “المنطقة الصفراء” تشمل قيوداً على المدارس والتجمعات
نبض