15-03-2024 | 15:30

"رامز جاب من الآخر"... أقل عنفاً وأكثر تسلية

يواصل رامز جلال برنامج المقالب الذي يقدمه منذ عام 2011، ويحمل في نسخته الرابعة عشرة عنوان "رامز جاب من الآخر"، تغير الرعاة والمنتجون والقنوات العارضة، لكنه حافظ على حظوظه وفرض نفسه في أوقات الذورة في موسم رمضان. ومنذ قناع الأسد المخيف، حتى تغطية رامز بأوراق الشجر في نسخته الحالية، نقل فكرة المقلب من "سذاجة" الضحية كما في الكاميرا الخفية التي قدمها الراحل إبراهيم نصر إلى "تخويف" الضحية ووضعها تحت ضغط وعنف ومخاطرة مخيفة.
"رامز جاب من الآخر"... أقل عنفاً وأكثر تسلية
Smaller Bigger
يواصل رامز جلال برنامج المقالب الذي يقدمه منذ عام 2011، ويحمل في نسخته الرابعة عشرة عنوان "رامز جاب من الآخر"، تغير الرعاة والمنتجون والقنوات العارضة، لكنه حافظ على حظوظه وفرض نفسه في أوقات الذورة في موسم رمضان.
ومنذ قناع الأسد المخيف، حتى تغطية رامز بأوراق الشجر في نسخته الحالية، نقل فكرة المقلب من "سذاجة" الضحية كما في الكاميرا الخفية التي قدمها الراحل إبراهيم نصر إلى "تخويف" الضحية ووضعها تحت ضغط وعنف ومخاطرة مخيفة.
كما فضل استبعاد المواطن أو رجل الشارع العادي باعتباره نموذجاً مثالياً للخداع والتلاعب، لاصطياد ضحاياه من النجوم والمشاهير في مجالات مختلفة. وإذا كان في نسخ كثيرة يكتفي بضحية مفرد، فإنه من باب التنويع فضل لعبة الثنائي المتصارع والمتنافس، مثل أحمد السقا وباسم سمرة في الحلقة الأولى، مي عمر ونجلاء بدر في الثانية. إضافة إلى أسماء أخرى منها شاكوش وطليقته. ومن نجوم الكرة كهربا وإمام عاشور وميدو. والغالب في الاختيار مشاهير من مصر مع تنويعها بشخصيات عربية.
وإذا كان مقلب النجوم بمثابة استثمار في شهرتهم، على عكس الرجل العادي المجهول، فإن وجود اثنين في كل حلقة بمثابة مضاعفة لهذا الاستثمار.
 
 
 
ما وراء المقلب
يُفترض أن هدف برامج المقالب التسرية عن الجمهور والإضحاك والترفيه، وليس من المتوقع من برنامج كوميدي خفيف أن يحمل رسالة جادة، وهذا الغالب على سلسلة رامز كنموذج للرعب الكوميدي الخفيف، لكنه آثر في نسخته الجديدة أن يضمنها رسالة "صلح" بين المتخاصمين وفق منطق "عدوك ابن كارك"، وهذا أمر جيد أضفى على البرنامج مسحة إنسانية، فهناك جمل اعتذار ومواقف تراجع وتصالح.
من تلك الزاوية يحسب للبرنامج أن يُمرر معنى إيجابياً، لكنه يعرضه في لحظات قليلة جداً، ولا يستطرد في تفاصيل الخلاف والقيل والقال، ولا في تأكيد الصلح النهائي، وكأنها لحظة سريعة لالتقاط الصورة والخروج بعنوان إيجابي للتداول في "السوشيال ميديا".
لكنّ البرنامج الممتد إلى نصف ساعة تقريباً، لا يضع معنى الصلح في الصدارة، بل يبقيه في الهامش، وبذلك يشترك مع معظم برامج الفنانين القائمة على النميمة والحياة الخاصة والاستثمار في الخلافات.
ففي تلك البرامج عموماً لا يحضر الفنان للكلام عن ثقافته الواسعة - إن وجدت ـ والكتب التي يقرأها، ورحلته الصعبة في سبيل الفن، ولا مزايا حرفة التمثيل، بل يتحدث عن خلافاته مع زملائه، وزيجاته، وأسراره الشخصية. لأنه لا المعنى، ولا الثقافة عموماً، ذات أهمية، بل التسليع والاستثمار في نجومية النجوم، لجلب المزيد من المشاهدات والإعلانات و"ركوب الترند". 
فمثلاً بعد حلقة نجلاء بدر ومي عمر، كان المتداول عن الحلقة خبراً حول إصابة نجلاء بجرح بسيط. صحيح أن الجرح وقع ضمن فقرات الحلقة، وقت تسجيلها، لكن نجلاء بدر الآن بخير وغير مصابة!
 
 
 
سلطة المعرفة
ينبني المقلب على ثلاثة أطراف: الطرف المتحكم المسيطر الذي يدير اللعبة ويجهز الفخاخ وينصب الشباك، والطرف الضحية الذي لا يدرك حقيقة الورطة التي يُقبل عليها، والطرف المتفرج المستمتع بما يجري، وأنه ـ مع المسيطر ـ يتفوقان على الضحية بسلطة المعرفة، والتواطؤ ضده.
فالجمهور لا يشاهد لاكتشاف شيء لا يعرفه، لأنه منذ الحلقة الأولى بات يحفظ الفقرات من أول هبوط الضحيتين تباعاً من السيارة واستقبالهما بنفض رامز غطاء الشجرة عنه، ثم الذهاب إلى صالة صغيرة، ثم فقرة الكلب "نيوتن" وهكذا.. لكن فضول الجمهور يرتبط برد فعل الضحية وخروجها عن السيطرة، ورؤيتها تعاني وتفقد أعصابها وتتفوه بما لا يتناسب مع شهرتها ومكانتها.
 
 
امتلاك القوة
يتدلى رامز دائماً من أعلى في زي أحمر كأنه مهرج في سيرك، أو ملك في دراما متخيلة، ويتحرك بمقعد معلق يشبه "التلفريك"، يسمح له برؤية الضحيتين في كل مرحلة من مراحل المقلب، ويبدو في موقف أعلى ممتلكاً كل قوة التهديد والترهيب، فإما أن يسجنهم في مربع ضيق ويدلي تمساحاً صغيراً، أو يطلق الكلب لإجبارهما على الجري، أو يصوّب بندقية عليهما لدفعهما إلى الخروج.
تعزز اللعبة لا شعورياً، فكرة الفرد المهيمن الذي يمتلك كل أسباب القوة للتلاعب بالآخرين وإيذائهما، وبدلاً من إقامة منافسة بين الضحيتين تتسم بالكفاءة والنزاهة، تخضع كلتاهما لنزوات رامز ورغباته، وتقفان دائماً في موقع أدنى منه بكثير. فهو يراقب من أعلى (السماء) وهما قابعان في ما يشبه الحفرة أو القفص.. يتطلعان إليه بتوسل واستجداء.
 
ليس ثمة دمقرطة للعبة، أو محاسبة لرامز نفسه. بل حتى الجمهور المفترض أنه طرف ثالث أساسي، وعلى اطلاع بمراحل اللعبة كلها، يظل خاملاً أو مجرد مستهلك بلا فاعلية.. لا يعرض رامز آراء حقيقية للجمهور في ضحاياه، ولا رد فعل الناس عن تلك الخلافات. لا يهتم بوجود شريحة من الجمهور توجه اللعبة في أي مرحلة أو تضع اختباراً معيناً للضحية، أو تحكم في الخلاف الذي هو أساس فكرة هذه النسخة.
لأن أساس المقلب هو التسلية لا المعنى، والتسويق والدعاية لا التفاعل مع الجمهور. فكل الإبهار البصري، والفتيات الحسناوات، والسجع اللغوي المعتمد والمُطعم بـ"أفيهات" لفظية تسخر من الضيوف، والإبهار في أزياء رامز نفسه.. كل هذا هو مادة بصرية للتسويق والدعاية، تبحث عن نسب مشاهدة عالية، وتتشهى الإعلانات، عبر استحضار النجوم، وإعادة تدوير "الترند"، ثم السخرية من هؤلاء النجوم ـ قولاً وفعلاً ـ ليستمتع المتفرج الكسول بأنه يرى المشاهير ـ الأعلى منه في النظام الاستهلاكي ـ وهم في وضع التوسل والحرج والخوف.
ربما يقول قائل إن البرنامج في نهاية الأمر "تسلية من أجل التسلية" متفق عليها مع المشاهير، مقابل أجر محترم جداً. ولا يفترض أن يثقل بالأفكار والمعاني والرسائل. ولكن ما يفتقده برنامج رامز، هو نفسه ما تفتقده معظم البرامج الفنية التي تعتاش على الحياة الخاصة والفضح وتداول الأسرار والاعترافات. 
على عكس ما كنا نراه في تلفزيون الأبيض والأسود، وحتى مطلع التسعينات من القرن الماضي، حيث كانت هذه النوعية من البرامج تحتفي بقامات فنية وفكرية وتقدم معاني مهمة لمجتمعها، وما زال الجمهور إلى اليوم يعود إلى فقرات شارك فيها عبد الوهاب وفريد الأطرش وسناء جميل وأمينة رزق ومحمود يس ونور الشريف وغيرهم.
من الفوارق المهمة هنا، أن التلفزة ـ حتى ظهور الفضائيات ـ كانت تحت سيطرة مباشرة للدولة، وتتبنى مقولاتها وتدافع عنها، ولا يفصل مشروعها المرئي بين التسلية والتنمية. بينما الانفتاح الفضائي الآن، وتكاثر السوشيل ميديا مثل "التيك توك"، قوّض مفهوم "الدولة" نفسه، وحل بدلاً منه مفهوم "السوق" العابر للمشاهير وللجماهير، والموظف في خدمة عملية استهلاكية لا تنموية. من ثم ليس هناك اكتراث لأي معنى مقابل الربح.
 
 

سلسلة من الأقفاص
يحرص منتجو "رامز" في نسخه المختلفة على اختيار وقت الإفطار في رمضان، باعتباره ساعة التجمع العائلي وذورة المشاهدة، قبل أن ينصرف الناس إلى أشغالهم وعباداتهم. 
فالوقت المبرمج يضمن مشاهدة عالية بغض النظر عن جودة المحتوى، وما يُضاف إليه من ابتكار وإبهار و"أفيهات" و"مقالب". 
ومع تكرار الموعد، والخطوط الأساسية للفكرة، وتطويرها بصرياً، باتت ثمة ألفة بينها وبين الجمهور العربي، فهي جزء مهم من طقوس التلفزة الرمضانية، وهناك أطفال كبروا مع البرنامج وأصبحوا شباباً اليوم. وهي الألفة ذاتها التي عاشتها أجيال سابقة مع فوازير ثلاثي أضواء المسرح ثم نيللي وشريهان وسمير غانم.
وربما تكون النسخة الحالية هي الأفضل في مواءمتها لقيم الأسر العربية، من ناحية تخفيف حدة العنف، والألفاظ المبتذلة، وتقديم رسالة تصالح وتسامح بين المشاهير. ومحاولة تجنب المحاذير الرقابية والانتقادات السنوية التي توجه إليه.
لكن الملاحظ أن بنية البرنامج نفسه هشة، فالضحايا يتحركون على كذا مرحلة، وكأنهم في سلسلة من الأقفاص المغلقة يتم انتشالهم منها بطرق مختلفة لتنويع الحركة. مرة في بركة ماء ملوثة، ومرة في مصعد، وثالثة في غرفة. 
بالتدقيق، لا يبدو هناك ضرورة حقيقية للمشهد. مثلاً في لحظة معينة تظهر للضحية بضع جماجم. لماذا؟ لا إجابة. يدلي عليهما رامز تمساحاً صغيراً. 
لماذا التمساح؟ وهما يصعدان من بركة الماء يجدان نفسيهما وجهاً لوجه أمام نعامتين.. لماذا لا يجدان ثعباناً مثلاً؟ حتى فقرة عرض صور فنانين على الضيف ليختار منها، تُطرح هكذا بلا هدف واضح.. كلها اختيارات بصرية تقوم على التغريب وعدم التوقع لكنها لا تضيف شيئاً جوهرياً للعبة، ولا يحدث أي تفاعل جدي مع الحيوانات المختارة، لذلك لا تبدو درجة الرعب شديدة مقارنة مع مقالب السنوات السابقة.
ولعل هذا كان رهان صنّاعه، أن تأتي هذه النسخة عائلية أليفة ومسلية، تعزز نزعة الاستهلاك. وفي الوقت نفسه لا تصطدم مع أي قيم، ولا تدافع عنها أيضاً.
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية