مع بداية شهر رمضان يشد الجمهور العربي الأحزمة ويتسمر أمام القنوات التلفزيونية بحثاً عن المتعة والتسلية والفكرة والمعنى.
وفي كل عام تبحث الأسئلة ذاتها عن إجابة. هل ما نراه على الشاشة يعبر حقاً عن آلام ملايين المشاهدين العرب وهمومهم؟ هل من مسلسلات تحدثنا عن الأزمات الاقتصادية الصعبة في مصر أو لبنان، أم يكفي أن نتفرج على دراما القصور الفاخرة وعروض الأزياء والسيارات الفاخرة كي نتأكد نحن المشاهدين أن الدنيا بخير. وليس علينا سوى أن نستعير بالتخييل تلك العوالم المُحرمة علينا في الواقع؟
لماذا لا تعالج عشرات المسلسلات ما يجري في غزة منذ أكتوبر الماضي؟ ربما المسلسل الوحيد الذي يتطرق إلى القضية الفلسطينية هو "مليحة" للفنانة القديرة ميرفت أمين، إنتاج الشركة المتحدة، تأليف رشا عزت الجزار، وإخراج عمرو عرفة، وتدور أحداثه حول أسرة من أصل فلسطيني تعيش في السلوم، ولكن بعد أحداث ليبيا تضطر للعودة مرة أخرى إلى غزة عن طريق مصر، ثم تواجه العديد من الصعوبات.

صمود إنتاجي
برغم أننا لا نملك إحصاءً دقيقاً عن أرباح دراما رمضان وتكاليفها، ولكنّ هناك أعمالاً وأسماء صامدة منذ مواسم حتى الآن، أشهرها سلسلة "الكبير أوي" لأحمد مكي في موسمه الثامن، عن حكايات "المزاريطة"، وبرنامج المقالب الذي يقدمه منذ سنوات رامز جلال ويحمل في نسخته الجديدة عنوان "رامز جاب من الآخر"، ومسلسل "المداح" لحمادة هلال المختص بالجن والشعوذة والماورائيات!

كذلك هناك نجوم يحضرون سنوياً برغم الجدل حول جماهيريتهم، أبرزهم مصطفى شعبان الذي استمر لمواسم طويلة يقدم كل التنويعات الممكنة على مسلسل "الحاج متولي" أو نسخة هزلية للرجل "الشهريار"، وهذا الموسم يقدم "المعلم" ويتناول صعود معلم أو تاجر سمك، ما يذكرنا بأجواء مسلسل منى زكي في الموسم الماضي "تحت الوصاية".
تحضر أيضاً ريهام حجاج في "صدفة" وهو عمل اجتماعي كوميدي عن مُدرّسة تاريخ، في تعاون ثالث مع المخرج سامح عبد العزيز، وبدأ بعضهم في التندر عليها من قبل رؤية المسلسل ودعا إلى دفع فلوس لمن يقف وراءها بشرط ألا تمثل!
وما يقال عن ريهام ينطبق أيضاً على ياسمين صبري بطلة "رحيل"، تأليف محمد عبد المعطي، إخراج محمد عبد السلام.. وكذلك على مي عمر بطلة "نعمة الأفوكاتو" تأليف وإخراج زوجها محمد سامي.
من النجوم محل الجدل أيضاً أحمد العوضي في "حق عرب" وغالباً لا يخرج عن أجواء المافيا والعصابات والخيانة والانتقام بين الأصدقاء، حيث يكتشف "عبد ربه" (العوضي) خيانة "عزت السويركي" أقرب الأصدقاء إليه.
ويستأنف أمير كرارة حضوره للموسم العاشر، بمسلسل "بيت الرفاعي" للمخرج أحمد نادر جلال، وهو بذلك صاحب رقم قياسي في الاستمرار دون انقطاع.
كما يظهر أحمد السقا مجدداً ويكرر أجواء الأكشن والإثارة المفضلة لديه من خلال مسلسل "العتاولة"، حيث يتعاون الأخوان "نصار" و"خضر" في الجريمة المنظمة. ويشارك في البطولة طارق لطفي وباسم سمرة وزينة.
بينما غاب عن هذا الصمود الفنان محمد رمضان برغم النجاح المدوّي الذي حققه الموسم الماضي بمسلسل "جعفر العمدة" وما قيل عن إنتاج جزء ثان منه.

بالنسبة إلى النجمات اللواتي تعودن الحضور في سباق رمضان فتتقدمهن نيللي كريم في "فراولة" وهو اجتماعي كوميدي في 15 حلقة عن ابنة حارس عقار في حي الزمالك الراقي، كما تعود غادة عبد الرازق بمسلسل "صيد العقارب" الذي يسلط الضوء على تجارة العقارب واستخلاص السم منها، واللافت اختيار الفنانة الكويتية نوال لغناء المقدمة. بينما غابت منى زكي نجمة سباق العام الماضي لانشغالها بفيلم سينمائي، ولأنها تعودت الاستراحة وعدم المشاركة في موسمين متتاليين، كما تغيب منة شلبي المشغولة بأعمال أخرى منها مسلسل إذاعي.

استهلاك نجاح سابق
إضافة إلى استمرار بعض السلاسل الناجحة لبرامج ومسلسلات، اتسمت خريطة رمضان دائماً بعمل أو أكثر يستلهم فيلماً حقق نجاحاً تجارياً وحضوراً في ذاكرة المشاهدين، ويشهد هذا الموسم إعادة إنتاج لفيلم "جري الوحوش" الذي قدمه الثلاثي نور الشريف ومحمود عبد العزيز وحسين فهمي، ويبدو أن المسلسل لا يراهن كثيراً على الأسماء الكبيرة بل على البطولة الجماعية لكل من: نضال الشافعي، ومحمود عبد المغني، وفادية عبد الغني.
أما "لانش بوكس" فهو النسخة المصرية من المسلسل الأميركي "Good Girls" الذي عُرض منه خمسون حلقة من 2018 حتى 2021، وحقق انتشاراً حول العالم. المسلسل تأليف عمرو مدحت، وإخراج هشام الرشيدي وتمثيل غادة عادل، وفدوى عابد، وجميلة عوض. ويدور حول ثلاث سيدات، شقيقتان وصديقتهما تضطرهن الظروف إلى التورط في جريمة سرقة.
كما يستثمر الثنائي دينا الشربيني وشريف سلامة نجاحهما الموسم الماضي في المسلسل الخفيف "كامل العدد" بتقديم نسخة جديدة بعنوان "كامل العدد +1".

قصص وروايات
لعل الظاهرة التي تميز هذا الموسم تتمثل في العودة إلى القصص والروايات، فاعتماداً على النجاح الكبير لفيلم فاتن حمامة "إمبراطورية ميم" يقدم المخرج محمد سلامة مسلسلاً بالعنوان ذاته بطولة خالد النبوي وحلا شيحة ونور النبوي.
القصة تأليف إحسان عبد القدوس ونشرها في مجموعة بنت السلطان، وتقع في حوالي عشر صفحات، وربما لا يعرف الكثيرون أن الفيلم الأصلي قدم عام 1972 إخراج حسين كمال وشارك في كتابته للشاشة أديب نوبل نجيب محفوظ، وجرى تغيير طبيعة القصة لتناسب فاتن حمامة، لأن القصة الأصلية لم تكن بطلتها الأم بل الأب ويدعى "محمد مرسي"، كما لم يكن أولاده ذكوراً وإناثاً ـ كما حدث في الفيلم ـ بل كانوا ستة ذكور هم: مصطفى، مجدي، مدحت، ماهر، محمود، ومنير.
ومن الواضح أن المسلسل سوف يعيد البطولة إلى الأب خالد النبوي، لكنه في الوقت نفسه لن يتجاهل تنويع الأولاد لإعطاء مسحة شبابية معاصرة. وبالتالي يعتبر المسلسل استثماراً للنص الأدبي، ولفيلم ناجح في الوقت نفسه، مع إضافة روح اللحظة الراهنة.
كما تعود الجمهور المصري والعربي منذ عقود على استلهام قصص وأجواء نص "ألف ليلة وليلة" في أعمال تلفزيونية وإذاعية، ويحضر النص مجدداً من خلال حلقات "جودر" بطولة ياسر جلال بينما تجسد ياسمين رئيس شخصية "شهرزاد"، سيناريو وحوار أنور عبد المغيث، إخراج إسلام خيري.
وتراهن شركة "سينرجي" على مسلسل "الحشاشين" بطولة كريم عبد العزيز، وإخراج بيتر ميمي، وهو دراما تاريخية ذات صبغة دينية، تتناول سيرة مؤسس جماعة الحشاشين حسن الصباح وقلعة آلموت.
وبرغم أن العمل تأليف عبد الرحيم كمال إلا أنه لا بد استفاد من المصادر التاريخية والروائية التي تناولت هذه الجماعة، وأشهرها رواية "آلموت" فلاديمير بارتول، و"سمرقند" لأمين معلوف، و"قيامة الحشاشين" للهادي التيمومي، إضافة إلى مسرحية أبو العلا السلاموني "أمير الحشاشين". وربما تفرض المقارنة نفسها بين تلك النصوص والمسلسل الذي يترقبه كثيرون.
العمل الرابع المأخوذ عن نص روائي هو "عتبات البهجة" عن رواية بالعنوان نفسه تأليف إبراهيم عبد المجيد، ويقع في 15 حلقة فقط، ويشهد عودة الفنان القدير يحيى الفخراني بعدما غاب الموسم الماضي.
الرواية الأصلية تقع في حوالي 245 صفحة، وتتناول قصة صداقة بين رجل خمسيني توفيت زوجته ويعاني الوحدة يدعى "حسن"، ويدير حوارات مع صديقه المقرب "أحمد" عن الحياة والحب والنساء، خلال الالتقاء يومياً والتسكع في حديقة شبه مهجورة. ومن المرجح أن يسعى السينارست مدحت العدل إلى ابتكار شخصيات وخطوط درامية ثانوية كي لا يبدو العمل حوارياً رتيباً.

أما "كوبرا" للفنان محمد إمام، تأليف أحمد أبو زيد، فهو يتناول قصة مجرم يدعى "كوبرا" يخرج من السجن ويأمل بداية حياة جديدة بعيداً عن المشاكل، ولكنه يجد مُعلمه السابق في عالم الجريمة "شيخون" يورطة في جريمة قتل ويفقد أمه وأخته ويضطر للتنقل بين مُدن عدة للاختباء برفقة أصدقائه القُدامى حتى يثبت براءته. واضح تماماً أن الحبكة الرئيسة للعمل هي إعادة إنتاج لرواية محفوظ الشهيرة "اللص والكلاب".
وبرغم زيادة المسلسلات المستلهمة من نصوص أدبية وتاريخية، لكن الملاحظ أنها جميعاً أعمال قديمة نسبياً، فحتى رواية إبراهيم عبد المجيد صدرت قبل عشرين عاماً. وربما كان ذلك بسبب حذر المنتجين وتفضيلهم "التفتيش" في الأوراق القديمة المضمونة بدل التجريب مع روايات كتبت في الأعوام العشرة الأخيرة، حتى ولو نالت شهرة كبيرة. فهل الروايات التي تحصل كل عام على جوائز مثل "كتارا" أو الجائزة العالمية للرواية العربية ليس فيها ما يصلح للعرض على شاشة التلفزيون؟ أم أن صناع الدراما لا يقرأون شيئاً من عشرات الروايات العربية التي تنشر سنوياً؟
نبض