محمد إبراهيم بوعَلّو: رحيل الكاتب المغربي المُنتمي
نعت الأوساط الثقافية والجامعية والأدبية، خاصة، الأسبوع الماضي في المغرب، الأديب والأكاديمي محمد إبراهيم بوعلّو (1936ـ2024). وبالرغم من أن الأديب الراحل كان قد اعتزل الحياة الأدبية منذ زمن طويل، وانقطع عن أجواء زملائه في جامعة محمد الخامس بالرباط، فقد أحدث نعيُه صدى قويًا في هذه الأوساط، نظرًا لمكانته وريادته في مجالات العمل الثقافي منذ بداية الستينات، ولانتمائه لجيل مؤسّس بعد استقلال المغرب (1956) اعتنق مبادئ بناء دولة وطنية ناهضةٍ على ركائز التحرر على المستويات كافة، الثقافي أبرزها، ضمن مشروع تقدّمي طامحٍ للتغيير والتجديد في مناهج التعليم وخطط الاقتصاد والاجتماع، بشرت به نخبة سياسية وفكرية من أعلامها علاّل الفاسي، محمد عابد الجابري، وعبد الله العروي.
نعت الأوساط الثقافية والجامعية والأدبية، خاصة، الأسبوع الماضي في المغرب، الأديب والأكاديمي محمد إبراهيم بوعلّو (1936ـ2024). وبالرغم من أن الأديب الراحل كان قد اعتزل الحياة الأدبية منذ زمن طويل، وانقطع عن أجواء زملائه في جامعة محمد الخامس بالرباط، فقد أحدث نعيُه صدى قويًا في هذه الأوساط، نظرًا لمكانته وريادته في مجالات العمل الثقافي منذ بداية الستينات، ولانتمائه لجيل مؤسّس بعد استقلال المغرب (1956) اعتنق مبادئ بناء دولة وطنية ناهضة على ركائز التحرر على المستويات كافة، الثقافي أبرزها، ضمن مشروع تقدّمي طامح للتغيير والتجديد في مناهج التعليم وخطط الاقتصاد والاجتماع، بشرت به نخبة سياسية وفكرية من أعلامها علّال الفاسي، محمد عابد الجابري، وعبد الله العروي.
تخرّج محمد إبراهيم بوعلو مع أول فوج لطلاب الفلسفة في جامعة الرباط، بعد دراسة أولى في جامعة دمشق، ثم التحق مدرّسًا في كلية الآداب قيِّمًا لخزانتها، لكنّ هواه سار في مجرى آخر هو وأبناء جيله، إذ آمن مبكرًا بضرورة إطلاق نهضة ثقافية حاملة لرسالة من وحي أيديولوجية يسارية حمل لواءها يومئذ حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، للدفاع عن مصالح الطبقات المستضعفة ولإقرار العدالة الاجتماعية ونهج الديموقراطية في وجه القوى الرسمية والمحافظة.
لقد كان زمنَ الاختيارات الصعبة والحرجة، في مرحلته وبيئته الستينية الأولى تبلور المفهوم الثاني للمثقف المغربي، العربي عامة. في عهد الاستعمار ظهر المثقف الوطني المدافع عن الهوية ومن أجل استرجاع السّيادة المنتهَكة في مواجهة الاحتلال الأجنبي، وهذا هو المضمون الذي نجده في مجمل الإنتاج الثقافي الأدبي للمرحلة الاستعمارية بالمغرب الممتدة من 1930 إلى 1955.
بعد هذا التاريخ، تبلور طموح فئات مستنيرة لن يقنعها الاستقلال السياسي وتبنّت مشروعَ تحرير جذري حقبة الستينات مسرحُه وميدانُه، ويجب الانطلاق منه دائمًا لفهم تاريخ المغرب الحديث.
أقلام
خاض بوعلّو هذه المعمعة فأسّس سنة 1964 مجلة "أقلام" برفقة صديقيه أحمد السّطاتي أستاذ الفلسفة، وعبد الرحمان بن عمرو الحقوقي المحامي، واصلت الصدور إلى سنة 1982 تاريخ منعها. هي أول مجلة مغربية بعد الاستقلال حملت رسالة التنوير والتقدم، خصصت أبوابها للفكر والأيديولوجيا والإبداع الأدبي، وفي فهارسها حضر أغلب أعلام الفكر والأدب الحديث المجدد بالمغرب.
لقد كانت ساحةَ معركة، ومضمارَ ممارسة نضالية، القلم أداتُها وصوغُ ثقافة مناوئة للجمود والمحافظة لسانُها، تنتصر لقيم التجديد وتطلعات فئات اجتماعية للتغيير والتحرر بأشكاله كافّة، هو توجّهُها وهدفُها، وهو خطاب مثقف عضوي الانتماءُ عقيدته. بل هو نهجٌ ساد في أغلب البلدان العربية منها مصر خاصة، حيث كانت الناصرية تخط مسارًا اشتراكيًّا في السياسة والثقافة والإعلام بديلًا للنظام السابق على ثورة الضباط الأحرار، وامتد أثره إلى المغرب، متلقوه طلبةٌ سابقون في القاهرة ودمشق.
وإذ مضى محمد عابد الجابري، في حفور الفكر العربي وإعادة قراءة التراث في ضوء نظريات جديدة، يعزز به النضال السياسي، فهو وبوعلو منتميان إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية حزب الشهيد المهدي بن بركة، اختطّ بوعلو لنفسه نهجًا موازيًا، إذ وجد في الأدب، القصة القصيرة تحديدًا، ضالّته، اختارها شكلًا وقالبًا يصبّ فيه اقتناعاته السياسية وتصورَه لكيفية جعل السرد أداةً للنضال الاجتماعي وأسلوبًا للتعبير عن الانتماء.
إن الكاتب في هذه المرحلة لا يكون إلا منتميًا، ليس بسبب إملاء خارجي، فلا أيديولوجية تعتقل مواهبَ الكتّاب وتفرض عليهم مضامين ونماذج تناسبها، خاصة وهي ليست سلطة، وإنما جاذبيتُها في كونها قوة معارضة، ولأن هؤلاء هم أبناء طبقة اجتماعية محرومة ولا يفهمون القول الأدبي في حالة الموهبة إلا برصد أوضاع الواقع وينتخبون ويتخيلون حكاياتهم وشخصياتهم بمفهوم واقعية حرفية، تقريبًا.
القصة القصيرة
وكما كانت الواقعية الفطرية (الساذجة) هي الرؤية الجامعة لقصص الرواد المغاربة (أحمد بناني، عبد الرحمن الفاسي، والقطيب التناني) في الحقبة الاستعمارية، بصيغة المحاكاة أولًا، وبناء خطاب انتقادي مباشر يعتبر من وظيفة حامل القلم؛ كذلك في الستينات، بتعديل طفيف بنقلها إلى صعيد تخييل نسبي، بقيت الرؤية الغالبة وبوعلو لسانها القصصي إلى جانب أصوات صاعدة: محمد بيدي وإدريس الخوري وعبد الجبار السحيمي ومحمد زفزاف، كلهم من الراحلين.
عرف محمد إبراهيم بوعلو، في حقل الأدب المغربي الحديث، إذًا، بكتابة القصة القصيرة، قدم فيها أهم نصوصه من سنة 1960 إلى مطالع السبعينات، ونشر أغلبها في جريدة التحرير لسان الحزب الذي ينتمي إليه، وجاءت معادلًا أدبيًّا للخطاب النضالي للجريدة التي تمثل منبر المعارضة الوحيد لزمنها وتتعرض للمنع والحجز. اطلع القراء على هذه القصص بعد زمنها في مجموعة "السقف" (دار النشر المغربية، 1978).
في مجملها ترسم نماذج اجتماعية واقعة تحت طائلة الحرمان أو الاستغلال من طرف رأس المال، أو طغيان الغني على الفقير، في أوضاع من التعارض الطبقي يتخذ صورًا نمطيةً مستعادةً وإن حاول القاصُّ فيها دائمًا أن يوفّر عنصر المفارقة الضروري لبنية القصة القصيرة، هذا العنصر الذي ينقذها من السطحية والمباشرة كاحتجاج صريح، ليؤهلها فنيًا في نوعها الأدبي السردي.
أختارُ منها مثالا قصةً نموذجية عنوانها: "البناية الجديدة". تنطلق من خبر عارض مفادُه أن سكان قرية سينتبهون إلى بناية بصدد التعمير أمامهم ويجهلون لأي غرض ستستخدم، وتتعدد التخمينات حسب حاجات السكان. تصلح مدرسة لا تنقصها إلا الألواح السوداء. مستشفى تنقصه الأسرّة والتجهيزات. دارٌ للعجزة. يتواصل الغموض محفوفًا بالغرض من البناية إلى أن يتولى خطّاط رسْم الحروف الأولى للاسم الذي ستحمله، ونظرًا لبطء عمله لن ينقطع سيل التخمين حول الغرض من البناية. ينصرف الخطاط مع نزول الظلام تاركًا على الواجهة رسمًا من الحروف التالية: ألف، لام، شين، راء، تصوغ مجتمعة كلمة (الشر)، سيتبين أن الكلمة ناقصةٌ حين سيحضر المعنيون بالبناية وهم (الشرطة) المعادل عند السكان لمفهوم الشّر. بهذه المفارقة الذكية يحبك قصته ويؤلف دلالتها القوية.
لكنّ كاتبها نفسه يصر في نهايتها على إقحام صوته الجهير قائلًا: "وليس من حاجة إلى التذكير بخيبة آمال سكاننا الذين هم كشخص واحد والذين سيرمز إليهم صاحبنا الشيخ، الذي يجلس بجانب البناية على أمل أن تغدو في يوم من الأيام دارًا للعجزة".
ولكي ننصف بوعلو هو وكتّاب مرحلة الستينات التي تمّ فيها حقًّا إرساءُ فن القصة القصيرة بجدٍّ في الأدب المغربي، نقول إنه بالرغم من التكرار والإلحاح في تيمة الالتزام وفرض الرؤية الواقعية مسبقًا على مقاس الواقع الخارجي أكثر من نسق التخييل، فقد انشغل ما وسعه بتوفير الضوابط الفنية لقصصه بالإيجاز والتلميح والعبارة الدالة والصورة الموحية.
لقد عثر هذا الفن معه على المادة الملائمة، عبارة عن لحظة أو حدث في الحياة، مقتطعين من نسيج اجتماعي، من منظور واقعي وتصوّر أيديولوجي، أي الانتصار للمحرومين والمظلومين في وجه المستغلين، وهذا ما يجعل كل قصة عنده من نواحيها كلها خاضعة للموضوع وتابعة لخدمة قضية لترتقي إلى مجلى القيم، هذه عقيدة الكاتب الواقعي، ما يحبسها في شكل مغلق والمعنى أحادي البعد. هذا المعنى هو مرماه، وأراد أن يوصله كذلك باقتصاد شديد، فكتب الأقصوصة بدل القصة القصيرة الأوسع شأن مجايليه، مبارك ربيع أبرزهم، ومنها انتقل إلى كتابة ما أسماه خلال السبعينات وبُعيدها بـ"قصة في دقيقة"، أي تُقرأ في دقيقة وتتكوّن من بضعة أسطر نشرها بانتظام في جريدة "المحرر"، فكان رائدًا لما استعارته أقلام صاعدة وجربته لاحقًا وسُمّي "قصة قصيرة جدًا".
بعد هذه المرحلة تطورت القصة القصيرة في الأدب المغربي الحديث وذهبت شأوًا بعيدًا في تطوير قالبها وطرائقها الفنية، وكيفية إبلاغ خطابها، أستاذها هو محمد زفزاف مغربيًا وعربيًا أيضًا، وفي الثمانينات حلقت بأجنحة الخيال والتخييل والحذق عاليًا وهي الآن فن راسخ فيه بأعلام مكرّسين ونصوص كلاسيكية وطليعية. لكن الذي لا بد من التنبيه له هو أن رحيل محمد إبراهيم بوعلو يذكرنا بالدور الذي رهن له الكاتب العربي نفسه في مجتمعه، دور الكاتب المنتمي والمثقف العضوي، أين منه اليوم، وإلى ماذا ينتمي، وهل يكفيه حذق الفن وألاعيب الحكاية؟
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض