أضحت نادرةً المناسبات العربية التي نحتفل فيها بجدارة الثقافة وإبراز مشاريعها وقضاياها المركزيةِ في بناء حاضر مجتمعاتنا واستشراف مستقبلنا، لكَم غرقنا نحن العرب في احتداد الأزمات السياسية والتحدّيات الأجنبية، شغلتنا عن حاجتنا الملحّة للمعرفة بأدواتها ومنتجيها ومؤسساتها.
لذلك، أعتبر أنّ معارض الكتاب، وهي متنقلةٌ موسمية في العواصم العربية، عيدٌ حقيقيٌّ ومرآةٌ عاكسةٌ، على وجه الإجمال، لاهتمامات ثقافتنا وآدابنا. منها معرض عُمان الأخير في العاصمة مسقط (من 21/02 إلى 2 آذار/مارس المقبل)، أتيح لي الحضور في بداياته ومن ثمّ مشاهدة بانوراما تمثيلية دور النشر من الأقطار العربية كافة، إضافة إلى تمثيل أجنبي.
وأهم ما سيرصده الزائر، زيادة ملحوظة في عدد دور النشر، أبرزها أخيراً الوليدة في بلدان الخليج العربي بكثرة، وتنوّع وتطوّر في نوعية الطباعة، في انتظار أن تعثر على جمهورها، فيما يستمر أغلب الناشرين العرب من شكوى تراجع الإقبال والمبيعات؛ فيا لها من مفارقة مُريبة.
ثاني الملحوظ، استمرارُ غلبة الكتاب الأدبي والثقافي العام مع تراجع للأبحاث المحقِّقة الرصينة ونُدرة للعلوم والتقنيات، قلب هذه الغلبة لمنشور الرواية والقصة عامةً بما يفوق التوقّع، إلى حدّ ظهور دور نشر متخصّصة لهذا المنتوج بصرف النظر عن القيمة الفنية، والكلّ يُترجم ما وكما يشاء ليس وراءه حقوق نشر وغياب شبه تام لحقوق المترجم. رغم مزاعم الناشرين، القارئ موجود، وأجيالٌ جديدةٌ متعطشةٌ للقراءة لا تنقطع، أكّد معرض عمان هذا بإقبال جدير بالانتباه.
في قلب الأنشطة المرافقة والموازية لمعرض مسقط الدولي للكتاب (الدورة 28) حضرت المناسبةُ الأبرزُ ممثلةً في الاحتفال بالذكرى الثلاثين لصدور مجلة "نزوى"، (خرج عددها الأول إلى النور في كانون الأول/ ديسمبر 1994) وخُصّصت لها ندوة كبرى دُعيَ لها باحثون ونقادٌ وأدباءُ ممن شاركوا في مسيرة صدورها المنتظم وأسهموا في بلورة خطتها الفكرية الإبداعية.
أراها، أولاً، تأسيساً لفعل تذكاري مهمّ، بقدر ما يؤرّخ لولادة مجلة ثقافية عربية شاملة أصبحت من مراجع الفكر والإبداع العربيين في مسيرة ثلاثة عقود، فإنّه بالأهمية ذاتِها يمكن من خلاله رصدُ الظواهر والتيارات التي تبلورت عبر مراحلَ بأهميةِ مواصلة التجديد بوعيٍ متطور. هذا ما مهّدت له مجلات رائدة في تاريخ الأدب العربي الحديث، اعتنقت فكرة التحديث مبادئ وجسّدتها نصوصًا يُعتبر متنها اليوم مرجعًا أساساً لما يمكن أن نطلق عليه بداياتِ الحداثة الأدبية العربية، أتوقف خصوصًا عند " أبولو" المصرية، و" شعر" يوسف الخال، فـ"الآداب" اللبنانية لسهيل إدريس، ومجلة "المجلة" ليحي حقي. انطلقت "نزوى" بطموح كبير من مؤسسها الشاعر سيف الرحبي الذي انطلق من بيئة محافظة يخوض مغامرة حدّد عناوينها في افتتاحية العدد الثاني (12 /1994) في "الجدّية"؛ "الإبداع"؛ "التنوير"؛ "تجاوز المألوف" و"المنمّط"، وأكّدت مقالة في العدد نفسه على التزام المجلة بنهج "نزوع فكري مُشِعّ" وخطابٍ بـ"صوت الحداثة الجديدة" و"الحرّية الثقافية والتعددية" مع التمسك بـ" ماضي الثقافة العمانية والعربية".
على امتداد ثلاثة عقود عملت "نزوى" على بلورة وتمثيل هذه الشعارات والطموح بالدراسات والتحليلات في ميادين العلوم الإنسانية ومجال النظريات الأدبية النقدية والجمالية، وبإنجاز حفور عميقة لاستنبات جذور الثقافة العربية وتسلّق شجرة أنسابِها العُمانية العريقة، بمنهجيات بحثية متطورة، مسنودة بنصوص الإبداع شعرا وقصةً بل وسيناريوهات سينمائية، لتصنع بذلك بانوراما ثقافة بنت عصرها، ولترتقي بأفهام وأذواق القرّاء في بلد المنشأ ومنه إلى باقي العالم العربي، بتفاعل دينامي مع المعارف الأجنبية.

وهذا ما ضمِن تشكُّل رؤيةٍ وطنية وعربية وغربية، أيضاً، متفتحة تخلّقت فيها تعبيرات الحداثة بتأمّلٍ ومراجعةٍ وترسيخٍ متدرج، عزّزه اجتذابُ باحثين وأدباءَ من آفاق شتى، معنيين بالتجديد وواجدين فيها فضاءً لتقديم أطروحات جديدة ونصوص طليعية، في الشعر، كاختيار أول، ثم الكتابة السردية نقدًا ونصًّا، تاليًا.
لقراءة منجز المجلة ومسارات المشروع، نظّمت المجلة ندوةً كبرى لمدة يومين افتتحها رئيس التحرير سيف الرحبي ربّان مشروعٍ ثقافي طليعيّ يُبحر منذ ثلاثين سنة بين أمواج عاتية ورياح مؤاتية هي التي يتقلّب فيها العالم العربي مشرقًا ومغربًا ليحقق وجوده ويجّدد هويته.
لقد كان لافتاً التواضع الذي عبّر به الرحبي عن مغامرة هو مبدعها وراعيها، أجلس هيئة التحرير والأقلام المشاركة مكان الصدارة وتقدير دعم الدولة المرافق بعناية لمنبر عُماني وعربي عام.
للغاية المذكورة، دعت دارسين وأدباء مشاركين فيها، نذكر من بينهم(من عُمان) محسن بن حمود الكندي، ومنى السليمية، قدّما قراءة في الخطاب الثقافي لـ"نزوى"؛ وفاطمة الشيدي حدّدت الملامح والتيمات فيها من خلال النص الشعري العماني الجديد. ومن البلدان العربية الأخرى معجب الزهراني عُني بالحديث عن المؤسسة وحضورها عربيًا وعالميًا، أحمد برقاوي قرأ مرجعيات الدراسات الفلسفية في المجلة، وبتكليف من المجلة قدّم كاتب هذه السطور دراسة عن" خطة النقد ورؤيته في الكتابة السردية في (نزوى)".
عالجت الندوة في حلقة ثانية موضوع "نزوى وكتّاب الاستشراق"، بمشاركة حبيب عبد الرب سروري وأمين الزاوي وعيسى مخلوف، والفرنسي فرانك ميراميه والأميركي ديفيد هيرش. وخصّصت حلقة ثالثة للحديث عن المجلات أدارتها هدى حمد، شارك فيها عبده وازن، بروين حبيب، منصورة عز الدين وأحمد زين.
على سبيل الاستخلاص، نقول إنّ ما قُدّم من عروض لمناسبة عبور "نزوى" إلى العقد الرابع، أحصى أهم المصطلحات وأبرز المفاهيم مع المناهج المستجدة التي عمل بها الدرس الأدبي النقدي والتحليل الفكري وباب إعادة قراءة التراث، لنا اعتبارُها من رصيد مشروعها التحديثي، ولنا أن نرى، مثلاً، أنّ ما أنجزته في مقاربات السرد ونقده بمنهجية وعُدّة غير تقليديين، مثالاً من تحوّلات قطيعة في الدرس والنقد العربيين، وفي كلا الوضعين هي تكتسب صفة مادة توثيقٍ ومرجعية ٍعلمية، وإن لم تكن مجلة محكّمة. وبوصفها مجلة نجحت في الاستمرار بانتظام ونفَس متجدد، فإنّها تمثل كما وصفها الشاعر عبده وازن المتخصّص في الإعلام الثقافي تحدِّيًا مقارنةً بمنابر عربية وغربية صدرت وغابت لأسباب مختلفة، أو تعبيراً عن تيارات مرحلية، واجداً في مثابرة مؤسسها ورؤيته الجريئة والمتفتحة والمسنودة بإرادة تحديث وطنية عاملاً حاسمًا.
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض