23-02-2024 | 17:25

الألماني بيرند برونر يمدح "الاستلقاء" بوصفه جزءًا أساسيًا من أنماط الوجود

يستهلّ الألماني بيرند برونر كتابه "فن الاستلقاء، لماذا ننام، لماذا نستيقظ، ولماذا نعيش؟" باقتباس من الكوميديان الأميركي غروتشو ماركس (1890 – 1977): "الشيء الذي لا يمكن فعله في السرير، لا يستحق أن تفعله على الإطلاق"! والكتاب الذي صدر مترجمًا إلى العربية عن دار "العربي" في القاهرة بتوقيع سمر منير ينطلق مؤلفه من أن "فن الاستلقاء"، يعد جزءا أساسيا من أنماط وجودنا.
الألماني بيرند برونر يمدح "الاستلقاء" بوصفه جزءًا أساسيًا من أنماط الوجود
Smaller Bigger
يستهلّ الألماني بيرند برونر كتابه "فن الاستلقاء، لماذا ننام، لماذا نستيقظ، ولماذا نعيش؟" باقتباس من الكوميديان الأميركي غروتشو ماركس (1890 – 1977): "الشيء الذي لا يمكن فعله في السرير، لا يستحق أن تفعله على الإطلاق"! والكتاب الذي صدر مترجمًا إلى العربية عن دار "العربي" في القاهرة بتوقيع سمر منير ينطلق مؤلفه من أن "فن الاستلقاء"، يعد جزءًا أساسيًا من أنماط وجودنا. 
يشرح بيرند برونر (1964) ويحلل فلسفة النوم والاستلقاء. يسرد تاريخ النوم وتقاليده عبر التاريخ الإنساني، وأيضًا الخرافات المختلفة التي تحدثت عن النوم. 
تمتد الأسئلة المتعلقة بأهمية الاستلقاء والفلسفة العميقة التي تشمله لتحلل تأثيره على فكر الإنسان وحياته، سواء الاستلقاء الذي يعطي فرصة للإنسان لتأمل ما حوله، وإعادة التفكير في الموجودات، أو النوم الذي يجدد نشاطه ودوافعه، وربما نظرته للعالم، وكيف يمكن للاستلقاء والنوم أن يؤثرا على مشاعرنا العاطفية. 
فالسرير، كما يؤكد، ليس فقط هو المكان الذي نستلقي وننام عليه، بل إننا "ننام فيه ونحلم، ونمارس الحب، ونتأمل، ونستسلم لمزاج حزين، ونتخيَّل، وأيضًا نعاني، عليه". 
تشتهر أعمال برونر باستكشافها، بما فيها هذا الكتاب، العلاقة بين الإنسان وكل ما يبدو بسيطًا في ظاهره، وتتميز تلك الأعمال بأسلوب أدبي لافت وجهد بحثي عميق، ومنها "القمر في التاريخ والأساطير وأثره على النساء"، و"الرُمَّان"، اللذين سبق أن أصدرتهما دار "العربي" مترجمين إلى العربية، وقد ترجمت هذه الأعمال لأكثر من عشر لغات، وتعد من الأكثر مبيعًا. 
 
 
 
 
طفرات متفاوتة
ويرى برونر أن الاستلقاء شهد طفرات بدرجات متفاوتة؛ منذ فجر البشرية وحتى الآن. ويشير في هذا الصدد إلى أن الأوروبيين راحوا في القرنين الـ18 والـ19 ينظرون نحو الشرق ليلهمهم أدواته الخاصة بالاستلقاء. 
ومن ثم غيَّرت هذه النظرة المكثفة قطع الأثاث، فتغيرت بالتالي أنماط الاستلقاء في الغرب. وبحسب برونر فإنه يمكن أن يكون للاستلقاء دور مهم في ما يسميه الفيلسوف الألماني من أصل كوري بيونغ تشول هان، بـ"فن السكون"، وذلك في سياق تنشيط التأمل. لقد ذهب الأمر إلى حد أن بعض المشاهير صاروا يحبون التقاط الصور لأنفسهم وهم مستلقون على السرير. 
يأتي ذلك بعد مرور عشرات السنين على دعوة المغني البريطاني جون لينون والفنانة اليابانية يوكو أونو للبقاء في السرير لمدة أسبوع احتجاجًا على حرب فيتنام. 
ويعد الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك واحدًا من هؤلاء المشاهير. فهو لا يظهر ملابسه الداخلية ويثير الاستفزاز بصورة ستالين فحسب، بل يستلقي أيضًا عاريًا في السرير ويتفلسف. 
هو يرى؛ ومعه جيل جديد من المفكرين، أن هناك شيئًا ليس صحيحًا في العلاقة بين الوضع الرأسي والوضع الأفقي، وأنه يجب أن تتغير الطريقة التي نتعامل بها مع الوقت. 
ويأتي ذلك في سياق رد فعل على الأيديولوجية المهووسة بأن يكون كل شيء في حال حركة دائمة من أجل إحراز تقدم. 
إن مجتمع ما بعد المادية، الذي تضرَّر بسبب مشاعر الاحتراق النفسي، يعيد التفكير، ويتعرض فيه الوضع الأفقي إلى عملية إعادة تقييم. إن الاستلقاء له معنى في حد ذاته، وهو ما لا يحتاج حتى إلى السعي إلى وضع أطروحات فلسفية معقَّدة. وينزع برونر إلى التفكير الفلسفي لتحليل المواضيع التي يتناولها بالكتابة عمومًا، وهو هنا يؤكد أنه عندما نستلقي نكون أقرب إلى الأرض، وربما حتى نتكيَّف معها، ويخلق هذا الأمر رابطة خاصة. 
 
 
 
 
في مواجهة القلق
فعندما نستلقي نخفف من أعبائنا، ونسترخي ونهرب من إيقاع الأمور التي تحتاج إلى مدى انتباهنا القصير، الذي غالبًا ما يفرض إملاءاته على الحياة اليومية في ظل استشراء القلق. 
وذلك الوضع الأفقي ليس وضعية جسدية فحسب، وليس شكلًا للحياة أو الوجود. بل إنه غير مستقل في حد ذاته، فهو يتواصل مع فنون أخرى؛ منها فن عدم فعل أي شيء، وفن الاكتفاء بالقليل، وفن الاستمتاع، وفن الاسترخاء، وكذلك فن الحب الذي يعد مضربًا للأمثال. 
وفي مواجهة ربط الاستلقاء بالكسل، يرى برونر أنه يمكن اعتباره نزهة وسط الضباب الكثيف التي تصير أفكارنا في نهايته أوضح من ذي قبل، فلا ضرر من الاستلقاء بوعي، بحيث يكون ممارسة محسوبة جيدًا للهروب من الضغط الدائم بسرعة وفاعلية. بل إنه وسيلة لمجابهة الاكتئاب، إذ يبدو كأنه سيْرٌ من دون السعي وراء أي هدف، فالشخص المستلقي يمكنه أن يجوب الآفاق في خياله، فلا يكون هناك مجال لأن يلتقي وجوهًا وأماكن حقيقية قد تؤثر سلبًا في أفكاره. وهو أيضًا لا يعتبر في تصور برونر، إهدارًا للوقت، فزمن الاستلقاء هو زمن لطيف وجزء محوري من الحياة، في ظل أن زمننا الراهن يجعلنا نتحرك أقل من أولئك الذين كانوا يعيشون قبل بضعة أجيال فقط. ويرى المؤلف أيضًا أن الاستلقاء والمشي هما وجهان لعملة واحدة، فوجود أحدهما يستلزم وجود الآخر.
 
 
 
 
علاج بديل        
وتاريخيًا، شاع لجوء الناس إلى الاستلقاء قرابة نهاية القرن الـ19 باعتباره بديلًا من تلقي العلاج، وذلك عند الإصابة بضعف الأعصاب والهستيريا والضعف البدني العام. وعلى صعيد الأدب، سرعان ما خلًّد توماس مان الراحة في الفراش، الذي تشكَّل في المصحَّات، عن طريق "هانز كاستورب" بطل رواية "الجبل السحري"، الذي عاش في مصحة على أحد الجبال، حين استلقى على كرسي في غرفته، ليتحوَّل إلى "مومياء حقيقية"، ويتطلع إلى "ساعات هانئة". 
لقد امتد الاستلقاء، أي "الحياة في وضع أفقي" في تلك الرواية ليصير شكلًا أفقيًا للوجود: "علينا أن نستلقي، نستلقي دائمًا". وعلى صعيد الطب النفسي ذكر سيغموند فرويد في كتابه "التحليل النفسي للهستيريا" أنه اعتاد الربط بين تطبيق العلاج النفسي عن طريق التفريغ العقلي، والعلاج عن طريق الاستلقاء، والذي يصمَّم – حسب الحاجة – ليصير مثل نظام وير ميتشل الغذائي لزيادة الوزن زيادة كاملة. ويبرر فرويد ذلك بقوله: "أتمتع بميزة أني أتجنَّب من ناحية، التدخل المزعج للغاية لانطباعات نفسية جديدة في أثناء إجراء العلاج النفسي، ومن ناحية أخرى أتفادى الملل الناتج عن النظام الغذائي المتَّبع لزيادة الوزن، حيث يهوي المرضى في كثير من الأحيان في أحلام ضارة" (صـ 151).
 
 
متحف خيالي
وعلى صعيد الفن التشكيلي، والتصوير الفوتوغرافي، نجد كذلك، أمثلة كثيرة على الاحتفاء بوضعية الاستلقاء، عبر العديد من التماثيل واللوحات والصور التي يمكن أن تشكل متحفًا خياليًا، ومنها لوحة "حلم القديسة أورسولا" للإيطالي فيتوري كارباتشيو، وهي لراهبة مستلقية على سرير وغارقة في نوم عميق. وهناك لوحة "ماغا العارية" للإسباني فرانشيسكو دي غويا. كما يصور الفرنسي هنري ماتيس (الذي كان بالمناسبة يرسم في أثناء استلقائه في السرير) في لوحة له امرأة عارية تستلقي على أريكة في استرخاء واضح. وهناك مثال شهير، يجسده واحد من أكبر تماثيل بوذا (طوله 46 مترًا، وارتفاعه 15 مترًا) في معبد "وات فو" في المركز التاريخي لمدينة بانكوك. يصور التمثال بوذا مستلقيًا على جانبه الأيمن، ويسند رأسه بيده. يرى برونر أنه في هذه الوضعية يبدو قلبه خاليًا من الضغوط، وقد تغلغلت أفكاره في داخله لدرجة أنه يظل متوازنًا، ولا يمكن لأي شعور بالقلق أن يزعجه!     
يقول برونر: "لقد ولدنا لنؤدي أشكالًا متغيرة من الحركة، من المشي إلى الاستلقاء، والوقوف والجلوس، بفضل تركيبتنا الجينية واستعداداتنا الجسدية، أما البقاء في وضعية الاستلقاء، فهو أحد هذه الأشكال فقط. إنه يجذبنا نحو الأرض، ونحن في صراع دائم مع هذه القوة (الجاذبية) حتى وإن كنا لا نعي ذلك على الإطلاق، بما أننا معتادون على هذا الأمر، ونفعله تلقائيًا".   
... 

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة