21-02-2024 | 12:00

"السوشيل ميديا"... قفص كبير يستهلك القرود والموز معا!

ظهر الممثل المصري محمود عامر (68 عاماً) على الشاشة يبكي في أحد البرامج، ويعتذر من أولاده إذا كان تسبّب لهم بأي حرج، عقب الانفصال عن زوجته قبل شهور، ثم إعلان زواجه من شابة تصغره سنًا بكثير.
"السوشيل ميديا"... قفص كبير يستهلك القرود والموز معا!
Smaller Bigger
 
 
ظهر الممثل المصري محمود عامر (68 عاماً) على الشاشة يبكي في أحد البرامج، ويعتذر من أولاده إذا كان تسبّب لهم بأي حرج، عقب الانفصال عن زوجته قبل شهور، ثم إعلان زواجه من شابة تصغره سنًا بكثير. قال عامر لأولاده: "ما تزعلوش مني لو اللي حصل ضايقكم"! ويبدو من ردّ فعله أنّ أولاده قطعوا الصلة به.
 
كان هذا الظهور الثاني لعامر خلال عشرة أيام، بعد ظهوره الأول حين نشر صوراً عدة مع عروسه الشابة وهو يشكر الله على عقد القران والزفاف. 
 
هذا الارتباط المُعلن أثار جدلًا وتحوّل إلى "ترند"، ومحاولة استقصاء أي معلومات عن العروس التي تصغره بـ20 عامًا ـ وفي رواية أخرى بـ40 عاماً ـ حيث كانت معالجة نفسية له.
لم يرتكب الرجل فعلًا فاضحا أخلاقيا، وليس محرّما قانونا، ولا محرّما شرعا، فلماذا تحوّل إلى "ترند؟!".
 

ظهور أول
في الظهور الأول، ربما بالغ عامر في إظهار فرحه، وكانت له تعليقات من عينة "رجعتني شباب" اضافة الى صور وهو يرقص مع عروسه في عيد الحب، وأخرى وهما في الغردقة.
كان هناك ظهوران للفنان، الأول مبالغ في تبيان سعادته، والثاني وهو يبكي ويستثير تعاطف أولاده، وجمهوره. 
ومن المحتمل أن يكون هناك في القريب "ظهور ثالث" خاص بمصالحة على الهواء مع أولاده، أو هم يوضحون وجهة نظرهم في ما فعل والدهم... أو العروس نفسها تعلّق على ما جرى.
 
بطبيعة الحال ليس محمود عامر أول ولا آخر شخص شهير تتحوّل حياته الخاصة إلى "ترند"، حيث سبقه العشرات مثل شيرين وياسمين عبد العزيز وأحمد سعد وخالد يوسف وأنغام وآمال ماهر.
 
كأنّ "الترند" رافعة تستند عليها برامج فنية شهيرة لكنها لا تسأل عن أي شيء فني، لا تُقيّم حفلات ولا أغنيات، ولا تناقش مخرجين ولا ملحنين في أسرار إبداعهم، وإنما تجهز على الدوام ذخيرتها من "النميمة والقيل والقال"، عن الزيجات والخلافات الشخصية والعاطفية.
 
وما لا تقوم به تلك البرامج يستكمله مجتمع "السوشيل ميديا"، فكلّ المشاهير توّرطوا في فخّ الكشف عن كل لحظات حياتهم.
لم يعد "النجم" قلعة مغلقة على أسرار، ولا مجرد وجه وسيم على مجلة شهرية، وإنما هو حاضر في كل لحظة بتفاصيل بيته وسياراته ومعجباته وزيجاته، كي يغذّي على الدوام وحش "السوشيال ميديا" أملًا أن يركب "الترند".
 
ولو انتبهنا إلى تصريحات عامر، فهو يشتكي في بعضها قلّة حصوله على أدوار في الآونة الأخيرة، من ثم يُحتمل أن يساعده "الترند" في الحصول على عمل. فهل تعمّد لفت الأنظار إلى حياته الخاصة أم جاء الأمر عفويًا؟ 
 
ربما استسلم لآليات "السوشيل ميديا" التي أضاعت الخيط الرفيع بين الحياة العامة والخاصة، فكل شيء مهما بلغت "خصوصيته" أصبح موضع نقاش وتداول عام.
 
 
 
 
 
تقييم الجمهور
لم يتردّد الجمهور في تقييم زواج عامر وإطراء موقفه وجمال زوجته، أو التنديد به بزعم أنّه لا يراعي سنه، أو ادّعاء أنّ الزوجة تطمع في فلوسه أو شهرته. فالمعلّقون ينصّبون أنفسهم حكاماً على سلوك شخصي لا يعنيهم في أي شيء، ويدخلون في نيات لا يعلمها إلاّ الله. 
وبعضهم اكتفى بعبارات دينية تضمر نقدًا لسلوك الرجل مثل: "اللهم احفظ علينا عقولنا واحفظنا من سوء المنقلب ولا ترفع غطاء سترك عنا"، أو السخرية من ملابسه "البيتية" التي ظهر فيها في صور. 
وبعض الانتقادات لم تكن على الزواج في حدّ ذاته، وإنما على إصرار الفنان على تصوير كل لحظة مع عروسه بالصور ومقاطع الفيديو، ما اعتبره البعض "إلهاءً" للناس عن همومها الاقتصادية وما يجري من إبادة في غزة.
 
بالتعبير المصري ثمة "أفورة" في تعبير العروسين عن الحب ومبالغة في السعادة التي تجمعهما، فتحولت المقاطع التي يُفترض أنّها رومانسية إلى "حالة كوميدية" من وجهة نظر الساخرين منها.
وهناك ارتباط شرطي لدى الجمهور، أنّ كل مظاهر الحب والسعادة التي يروّجها المشاهير تكون مصطنعة ومزيفة، وسرعان ما تنهار تلك العلاقات، فلا تصمد سوى أسابيع معدودة.

انتهاك الحياة الخاصة
لماذا تلجأ شخصية عامة إلى ضخ مئات الصور والمقاطع، وهي تأكل وتشرب وتنام وتغني وترقص وتتزوج وتنفصل وتمرض وتسافر؟ إنّها قوة الانجذاب إلى الضوء والالتصاق به.
 
والطريف أنّ القانون يجرّم التعدّي على "حرمة الحياة الخاصة" للناس، المتعلقة بسرّية المعلومات والعلاقات والشؤون الخاصة، بينما "السوشيال ميديا" قضت كليًا على تلك الحرمة، وجعلت كل شيء مباحًا ومستباحًا أمام أعين الآخرين.
وأي محاولة للبقاء خارج ضوء "السوشيل ميديا" تبدو أقرب إلى حكم الشخص على نفسه بأنّه "غير موجود"، وبلا فعالية ولا تأثير. 
وإذا كان قد سمح بكامل إرادته للآخرين بدسّ أنوفهم في حياته الخاصة، فلا يلوم إلاّ نفسه إذا كانت أحكام وتقييمات هؤلاء لا تروق له. فهذه الاستباحة حفّزت الجمهور للتهكم والسخرية والتنمر وإطلاق الأحكام بالغة القسوة.
 
فالرجل بكل بساطة لم يحرص على تسييج حياته الخاصة ـ سواءً في فرحه أو حزنه- فوجد في المقابل سخرية وتنمرًّا من البعض، كما عرّض الحياة الخاصة لأولاده للانتهاك أيضاً.
 
 
 
استعراء الذات
ينبع "تقدير الذات" من الشعور بالاحترام، والقيمة، والكفاءة. فالذات ليست معطى ثابتًا، وإنما سيرورة تندمج فيها معطيات مادية مثل الجسد والشكل وما تملكه من أشياء، ووظائف وأدوار اجتماعية تكسبها الاحترام والشعور بالكرامة، وقيم أخلاقية وروحية تتسامى بها.
 
لكنّ "السوشيل ميديا"، ومع انتهاك الخصوصية، والترويج لكل ما هو تافه، ضاعفت حضور الذوات الهشة والمحبطة والحاقدة والعدوانية على الآخرين.
لأنّ الشعور بالقيمة يرتبط بالمكانة الاجتماعية، وما يتمتع به الشخص من قيم أخلاقية وروحية، بينما "السوشيل ميديا" تمنح "القيمة" حسب أعداد المتابعين،  والتفاهة، والابتذال. فأي تعبير جاد عن أي قيمة يُهمّش لمصلحة نقيضه.
 
كما أنّ الكفاءة تلخّص ما يتمتع به الشخص من تعليم جيد ومهارات وقدرة على حل المشكلات والابتكار والإبداع. لكن هذا كله لم يعد مهمًّا، فيكفي أن تظهر فتاة شبه عارية في الفراش كي تحقق نجاحًا يفوق أي شخص مبدع وكفؤ. ففرص الشهرة والثراء لم تعد تتطلّب أن تكون موهوبًا ولا كفؤاً!
 
وكلّ ما يُتعارف عليه من معاني تقدير الذات، بات مشوشًا ومربكًا، ما خلق ذوات مشوشة تبحث عن تقدير زائف في عدد "اللايكات" وعدّاد المشاهدة، حتى لو بسرقة أفكار وقصص لا تمتّ إليها بصلة.
ولم يعد حضور الذات مرهونًا بما تتمتع به من قيمة وقيم وكفاءة، بل براعتها في الاستعراء المجاني. والمصطلح في الأصل يعبّر عن مرض نفسي خاص باستعراض الأعضاء التناسلية، انقلب إلى "استعراء" اجتماعي للذات.
 

قفص القرد
يروي رولو ماي في كتابه "البحث عن الذات" قصة عن ملك رأى من النافذة رجلًا بسيطاً يتصرّف كل يوم بالطريقة نفسها، فيقرّر أن يخضعه لتجربة، فأتى بقفص من حديقة الحيوان، ثم اقتاد حراسه ذلك الرجل ووضعوه داخل القفص. 
في البداية ثار الرجل غاضاً وهاجم الملك نفسه كلّما مرّ بالقفص، ثم شيئاً فشيئاً اعتاد على وضعه الجديد، وحاول الاستمتاع بما يتوفر له من أكل وشرب، وكلما ظهر الملك عبّر له عن امتنانه لما فعله من أجله. 
ثم جاء سياح للفرجة عليه، فشرح لهم الرجل مدى سعادته بالأمن والأمان الذي ينعم به، وعندما يختفي من يبرّر لهم حياته داخل القفص، كان يميل إلى الصمت وأحيانًا يقول إنّه "القدر"، إلى أن انتهى الرجل إلى الاكتئاب والجنون.
 
أراد ماي أن يدلّل على استلاب واغتراب الإنسان نتيجة ترويضه وتقييده وسلبه حرّيته، وتحوله إلى مدافع عن قيوده.
لكنّ القصة تحتمل تأويلات أخرى. لنفترض أنّ القفص يمثل مجتمع الفرجة والاستعراض، حيث يُوحي للشخص/ السجين، بأنّه موضع اهتمام الملك والزوار، وتتوفر له سبل الراحة والأمان، وكل ما عليه أن يؤدي فقرات مضحكة لجذب أنظارهم. وبدلًا من أن يطالب بحرّيته المفقودة تشوش وعيه بذاته ووجوده، لتلبية شروط  جمهور الفرجة.
وهكذا انتُهكت حرمة الحياة الخاصة للرجل، وفَقَد حرّيته، وتشوش وعيه بذاته، تحوّل ـ وهو لا يدري ـ إلى قرد مهرّج، سجين يتصور نفسه حرًّا، وخائف يظن نفسه آمنًا. 
 
هكذا أيضًا تحوّل فضاء "السوشيل ميديا" المُوحي بالحرّية إلى قفص هائل يستهلك القرود والموز، ويجعل أي معنى ذا قيمة، كالحب والزواج والسعادة، مجرد لعبة مسلية سرعان ما يملّ منها جمهور مستعد للعدوان والتنمّر ضدّ كل ما لا يروق له.
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية