16-02-2024 | 09:15

جاك دريدا في كتاب صدر بعد رحيله... التشكيكية سبيلاً إلى الحقيقة

ما الحقيقة؟ كيف نميّز بينها وبين الضلالات والأوهام؟ وهل بالإمكان بلوغها وبأية وسيلة وكيف؟ أسئلة استحوذت على اهتمامات الفلاسفة من أفلاطون وأرسطو إلى الغزالي وابن رشد إلى ديكارت وكنط إلى ماركس وأنغلز.
جاك دريدا في كتاب صدر بعد رحيله... التشكيكية سبيلاً إلى الحقيقة
Smaller Bigger
 
ما الحقيقة؟ كيف نميّز بينها وبين الضلالات والأوهام؟ وهل بالإمكان بلوغها وبأية وسيلة وكيف؟ أسئلة استحوذت على اهتمامات الفلاسفة من أفلاطون وأرسطو إلى الغزالي وابن رشد إلى ديكارت وكنط إلى ماركس وأنغلز. 
 
في هذا الإطار، يندرج كتاب فيلسوف التفكيكية جاك دريدا (1930-2004) "أن تفكر: أن تقول لا"، الذي نقله إلى العربية الأكاديمي جلال بدلة، وصدر عن دار الساقي عام 2023، وهو مجموعة محاضرات ألقاها دريدا على طلابه في كلية التربية العليا عام 1960، وأراد من خلالها تفكيك نظريات بعض الفلاسفة وسبر مناهجهم في إدراك الحقيقة.
 
"أن تفكر: أن تقول لا" نص مكرّس أساساً لتفكيك عبارة الفيلسوف الفرنسي إميل شارتييه المعروف بـ "ألان" 1868-1951. لكنّ الكتاب يحيل على عدد من المؤلفين الآخرين الذين سيواظب دريدا على قراءتهم وإعادة قراءتهم، حيث يحضر زوج الـ "نعم " و الـ "لا " بوصفه المسألة الأساسية لفعل التفكير، لا مجرد زوج ثنائي بسيط، لأنّ الفكر ليس فكراً إن لم يكن على الدرب الموصل إلى الحقيقة، فالـ "لا" هي أولاً ودائماً موجّهة إلى النفس سواءً أكانت الـ "لا" للعالم أم للطاغية أم للواعظ. 
 
 
 
في رأي دريدا أنّ الحقيقة عند ألان يجب ألاّ تكون سراً يتعيّن حمايته، بل على العكس تجب المداومة على إعادة النظر فيها، وفي حين كانت الحقيقة خاتمة الشك المنهجي عند ديكارت، فإنّ شك ألان لا غاية له ولا نهاية، الأمر الذي دفع دريدا إلى التأكيد أنّ ألان أكثر ديكارتية من ديكارت نفسه، وأنّ الإسراف في الإرتياب يتحوّل فيه الإخلاص للروح الديكارتية إلى خيانة لروح ديكارت.
 
في المحاضرة الأولى، رأى دريدا أنّ كل فكر هو سعي دائم إلى حقيقة عن النفس والعالم، أو إلى يقين أو بداهة يتحتّم عليه أن يستسلم لها، لكن الاستسلام هو فقدان للنفس وتخلّ عنها.
 
ففي اللحظة التي يقول فيها الفكر " نعم" يتخلّى الفكر عن نفسه ويكف عن كونه فكراً، لأنّ الموافقة  هي إغفاء للفكر الذي يتوقف عن كونه سيّد نفسه، فيصبح خاضعاً ويجد لنفسه سيداً.
 
في المحاضرة الثانية، رأى دريدا أنّ ألان قصد بقوله إنّ "العقل المرتاب هو العقل بمختصر العبارة" أنّ التسليم يعني فقدان حرّية الحكم، بينما يفترض الحقيقي كي يكون حقيقياً أن نمضي إليه بحرّية، فالحرّية هي ما يشكّل الحقيقة بما هي حقيقة.
 
لكنّ دريدا يذهب إلى أنّ "التسليم ليس شيئاً آخر مغايراً للفكر... وليس حتمية خارجية على الفكر "وهو والشك ليسا سوى لحظتين للفكر مرتبطتين على نحو ديالكتيكي.
 
في المحاضرتين الثالثة والرابعة رأى دريدا أنّ ألان جرّد الديكارتية من كل آلتها اليقينية، وبالأخص من الإله الضامن للحقائق الأبدية، فالجذرية المتطرّفة لشك يريد أن يكون أكثر ديكارتية من ديكارت نفسه، لا تأخذ في الاعتبار ثنائية التسليم والفكر الحي والارتيابي، إذ لا وجود لنفي معقول من دون التصور المتزامن لتوكيد، ذلك أننا لا نستطيع نفي وجود الشيء ما لم تكن لدينا فكرة عن وجود ما قد تمّ نفيه.
 
في نظرة إجمالية للكتاب نرى أنّه يشكّل إضاءة جديدة وغنية على فكر دريدا ومنهجه التفكيكي الساعي إلى الحقيقة والحرّية من خلال الـ"نعم" و الـ "لا"، أي من خلال رفض ثنائية الشك المطلق والتسليم المطلق، باعتبارهما نقيضاً للشك المنهجي الديكارتي الموصل إلى اليقين، إذ إنّ التسليم يفضي إلى خمول الفكر واستقالته، فيما يبقى الشك المطلق من دون هدف وينتهي إلى اللاجدوى.
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية