07-02-2024 | 15:56

مجدي نجيب... الطّفل الزاهد يهرب من ضوئه

ثمة جيل مؤسس لشعر العامية وأغانيه ضم قامات مثل بديع خيري وأحمد رامي وبيرم التونسي، ثم لحق بهم حسين السيد ومأمون الشناوي ومرسي جميل عزيز وفتحي قورة وعبد الفتاح مصطفى.
مجدي نجيب... الطّفل الزاهد يهرب من ضوئه
Smaller Bigger
 
ثمة جيل مؤسس لشعر العامية وأغانيه ضم قامات مثل بديع خيري وأحمد رامي وبيرم التونسي، ثم لحق بهم حسين السيد ومأمون الشناوي ومرسي جميل عزيز وفتحي قورة وعبد الفتاح مصطفى. 
هؤلاء استأثروا بالأغنية العربية في عصرها الذهبي وملأوا بالشعر حناجر أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وفايزة ونجاة.
ثم جاء جيل ينتمي أكثر إلى الروح الثورية والقومية لخمسينيات وستينيات القرن العشرين فنقل شعر العامية نقلة عظيمة، كما نقل تراث الأغنية إلى مناطق أكثر فرادة، يتزعم هذا الجيل فؤاد حداد وصلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي وأحمد فؤاد نجم وعبد الرحيم منصور وسيد حجاب، ويأتي مجدي نجيب (1936 ـ 2024) كآخر قامة عظيمة تنتمي إلى هذا الجيل.
نجيب الذي ودعنا اليوم عن ثمانية وثمانين عامًا، يتشابه مع صلاح جاهين (1930 ـ 1986) لجهة تعدد المواهب أو تجليات الذات عبر وسائط إبداعية مختلفة، مع البراعة في كل منها. 
كلاهما شاعر كبير، ورسام كبير، ومؤلف، وصحافي، ومولع بالتراث، وكلاهما يملك تلك الخفة والحكمة المخاتلة في بناء الصورة الشعرية.
كما يتشابه الاثنان في الانتماء المديني إلى القاهرة، وليس الريف ولا الصعيد، وهو ما يولد روحًا قلقة بحثًا عن سؤال الهوية. فهل هوية الشاعر تكمن في مكان بعينه أم في اللغة؟
استلهام التراث الشعبي
كان مجدي نجيب مجربًا لا يتردد في استلهام التراث الشعبي كما في أغنيته مع شادية "غاب القمر يا ابن عمي يلا روحني.. لا النسمة آخر الليل تفوت وتجرحني" لحن الموجي. فبأي سحر عبر عن الحكاية الرومانسية التراثية مع ابن العم، ورهافة الحركة والشعور في نسمة آخر الليل التي تجرح.
ثم يكرر التجربة مع شادية في "قولوا لعين الشمس ماتحماشي.. لحسن حبيب القلب صابح ماشي" لحن بليغ حمدي، وهكذا يستمر نجيب باحثًا عن رهافة الحب بألوانه الشعبية الرائقة البسيطة.
 
تجريب الفصحى
لعل أفضل صفة تلخص تجربة نجيب أنه شاعر "رائق" يكتب بمزاج الهواية، وليس التكليفات والتعليمات، يحب الانحرافات اللغوية والتجريب.. يقفز من تراكيب التراث الشعبي إلى روح الموشحات الأندلسية المضفرة بالكلمات الفصيحة والعامية في آن، كما فعل مع فايزة أحمد في "العيون الكواحل سابوني.. آه آه.. ولذيذ المنام أحرموني.. وجرى دمعي من عيوني.. هامرْ.. آه آه .. يا رفاقي ساعدوني" لحن محمد سلطان. وقريبًا من الحس التجريبي نفسه قدم مع عبد الحليم أغنيته "كامل الأوصاف فتني. والعيون السود خدوني.. من هواهم رُحت أغني.. آه يا ليل آه يا عين" لحن الموجي.
 
بعيدًا من الصوت العالي
يشترك مجدي نجيب المولود في 29 أيار/ مايو مع معظم أبناء جيله في اللجوء إلى الصحافة كمهنة ومتنفس للإبداع، حيث التحق بمجلة "صباح الخير" وتولى بريد القراء.
كما يشترك مع رفاق جيله في تجربة الاعتقال السياسي، كما حدث مع فؤاد حداد وأحمد فؤاد نجم، حيث قضى في السجن نحو ثلاث سنوات.
وبينما قدم بعضهم ما يشبه الاستتابة السياسية، أو الحماسة المبالغة فيها للتجربة الناصرية (صلاح جاهين)، أو للحس القومي العروبي الإسلامي (فؤاد حداد) أو ظل على المعارضة الراديكالية الحادة (أحمد فؤاد نجم) بدا نجيب أكثر تصالحًا مع الذات ونأى بجانبه عن الصوت العالي والاقتراب من أنغام وألغام السياسة إلى حدٍ كبير، ومن تجاربه الوطنية القليلة أغنية "يا شمسنا كوني نار.. يا أرضنا كوني نار" لنجاة، تلحين الموجي، وصدرت عام 1969 إبان حرب الاستنزاف والحماسة للثأر للكرامة بعد هزيمة يونيو.
 
 
 
ما قل ودل
لا يبدو شاعرنا غزير الإنتاج في تاريخ الأغنية المصرية والعربية، ولا يملك براعة التفصيل على مقاييس السوق، لكنه أقرب إلى الشاعر الحكيم المؤمن بعبارة "ما قل ودل"، عبر عن ذاته وأفكاره في أغنيات باتت علامات كلاسيكية مثل "جاني وطلب السماح" مع الشحرورة صباح، "أوعدك دايمًا فاكراك" سعاد محمد، "أفراح" محمد رشدي، "يا ريتك معايا" و"سيبوني أحب" لهاني شاكر وهما من أجمل ما غنى، و"الحب ليه صاحب" لأحمد منيب.
لكن التجربة المهمة جدًا في نهاية مشواره كانت مع محمد منير في أغنيات مثل: ممكن، ليلى، حواديت، أول لمسة.. لكن تظل "شبابيك" لحن أحمد منيب والصادرة عام 1981 درة التاج، وحمل الألبوم عنوانها، وصنعت مجد منير كمطرب متفرد صاحب مشروع خاص به، وكان الألبوم ظاهرة آنذاك بمبيعات تجاوزت مليون نسخة وهو رقم تاريخي غير مسبوق، ومن كلماتها:
شبابيك الدنيا كلها شبابيك والسهر والحكاية والحواديت"
كلها دايرة عليك والكلام كم كان عليك
واللى كان خايف عليك انتهى من بين أيديك
دى عنيك شبابيك والدنيا كلها شبابيك"
 
دواوين
لم يكن نجيب مولعًا بخدمة الأغنية لأنه رأى نفسه شاعرًا، فأخلص لفكرة إصدار دواوين شعرية منها: صهد الشتا 1964، ليالي الزمن المنسي 1974، مقاطع من أغنية الرّصاص 1976، ممكن 1996، والوصايا 1997.
ومن أواخر ما أصدر "وش يشبه حزننا" عن "كتاب الهلال"، والطريف أن شاعر العامية الكبير اختار لتقديم كتابه شاعر فصحى شهيرًا وأمينًا عامًا لمجمع اللغة العربية هو الراحل فاروق شوشة، حيث قال إنه "يمثل بكائية للزمن الجميل وشهادة على عصر، فمنذ ديوانه الجميل البعيد "صهد الشتا" ومجدي نجيب يواصل خطه البياني الصاعد في فضاء شعر العامية المصرية، هذا الشاعر المفعم بالحلم والبراءة والشفافية والعذوبة، الغارق في تفاصيل الحياة اليومية، لحظة بلحظة، وساعة بساعة، يسجلها ويحسب دقائقها وثوانيها، ويباغتنا بأنه بين الحين والحين يفيض به الكيل، ويستشعر حجم المأساة الفاجعة، فيطلق صرخته كلمات حادة مدببة، ويعرّي الأشياء من أقنعتها الزائفة، ويحاول دومًا أن يوقظ فينا حقيقة الإنسان، وتوقه للأبقى والأجمل".

رسم وتجارب أخرى
يعد الرسم هو الأكثر حضورًا في تجربة مجدي نجيب، بعد الشعر، وجنح إليه أكثر في شيخوخته، وكثيرًا ما كان يمزج بين تجاربه وأدواته المختلفة ويستعير من عوالمه، فعلى سبيل المثال حمل معرضه عام 2015 عنوان أغنيته الشهيرة "كامل الأوصاف" وحفل بألوان زاهية وحكايات شعبية وخطوط حالمة بريئة.
وآخر معرض أقامه قبل عام تقريبًا حمل عنوان أغنيته الشهيرة "شبابيك" واختار تحويل النصوص الشعرية التي نظمها والتي غناها الفنانون إلى 40 لوحة من مقاسات مختلفة بخامة الزيت والأكريلك.
 كما أصدر كتبًا لا تنتمي إلى الشعر وإن لم تخلُ من روحه مثل روايته "ولد و4 بنات"، و"غاب القمر" و"من صندوق الموسيقى" وهي مجموعات قصص قصيرة و"العاشقان" وهو كتاب عن الحب، والعديد من الكتب الموجهة للأطفال والناشئة.
 وكتب كلمات المسلسل الإذاعي: دنيا بنت دنيا (1973) والتلفزيوني: "أبدًا لم يكن لها" 1993، وأفلام مثل: صوت الحب (1973)، وبمبة كشر (1974)، ومولد يادنيا (1975)، وامرأة في دمي (1978).
 
طفل مشاكس
عاش مجدي نجيب بروح طفل مشاكس يجرب الألوان والأشكال وأدوات التعبير، يصاحب عبد الوهاب وعبد الحليم ثم يزهد في كل شيء. يصنع الضوء الكثيف بشعره وأغانيه، ثم يهرب من ضوئه جنوحًا إلى العزلة. يعيش بخفة بعيدًا من لزوجة الحضور الرسمي والكاميرات. يشخبط الشعر والخطوط على ورق أبيض غير عابئ بأي مردود ولا جوائز. لا يغلق الباب في وجه محبيه لكنه لا يطرق باب أحد.
إنها روح طفولية تلعب ولا تتخلى عن نعمة الزهد والاستغناء، وحكمة الفيلسوف الذي أدرك كنه الدنيا، والشاعر الصعلوك الذي دعا أصدقاءه لحضور حفل زفافه على السطوح وطلب من الشيخ إمام أن يغني لهم "جيفارا مات"!
إلى أن دار الزمن دورته، فهزمته الشيخوخة والمرض وعذاب الفقد بعد وفاة ابنه الوحيد "ياسر" قبل تسعة أشهر.
سار مجدي نجيب على خطى الكبار من رفاقه الرسامين في روز اليوسف وصباح الخير، أمثال بهجت عثمان وحجازي وإيهاب شاكر. فجميعهم احتموا بالزهد والعزلة، والجمال. وأراد مثلهم أن يحتمي بالجمال ويحتفظ بروح البراءة في وجه حياة متقلبة غدارة، تفتك بالجميع في نهاية المطاف.
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية